الصين تستحوذ على 6 موانئ عالمية كبرى
تتركز مفاتيح التجارة العالمية في شبكة محدودة من الموانئ العملاقة وشركات الشحن والأساطيل التجارية، التي تتحكم في حركة الجزء الأكبر من البضائع بين القارات، وسط هيمنة آسيوية على مراكز مناولة الحاويات، ونفوذ أوروبي واسع في تشغيل السفن، وتوزع ملكية الأساطيل التجارية بين اقتصادات تمتلك قدرات بحرية ضخمة.
وتكشف بيانات قطاع النقل البحري لعام 2025 عن اختلال لافت في توزيع القوة الاقتصادية، إذ تستحوذ الصين على ستة مراكز ضمن أكبر عشرة موانئ للحاويات عالمياً، بينما تسيطر ثلاث شركات يقع مقرها في أوروبا على نحو 48 % من الطاقة الاستيعابية لأساطيل الحاويات المشغلة، في حين تتصدر اليونان قائمة الدول المالكة للسفن التجارية من حيث الحمولة الساكنة.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة في ظل الاضطرابات التي تشهدها طرق الملاحة الدولية، بعدما أصبحت قدرة الموانئ والشركات على استمرار العمليات عاملاً مؤثراً في تكاليف الإنتاج وأسعار السلع، خصوصاً أن نحو 80 % من تجارة السلع العالمية من حيث الحجم تمر عبر النقل البحري، وفق تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد».
هيمنة صينية
تعكس خريطة أكبر الموانئ العالمية التحول الكبير في مراكز الإنتاج والتصدير نحو آسيا، حيث أصبحت الموانئ الصينية تمثل البنية الأساسية لتدفقات السلع الصناعية والمواد الخام، مدعومة باتساع القاعدة التصنيعية وشبكات النقل والخدمات اللوجستية المرتبطة بها.
ويتصدر ميناء شنغهاي الترتيب العالمي بمناولة 55.06 مليون حاوية نمطية خلال 2025، متقدماً على ميناء سنغافورة الذي سجل 44.66 مليون حاوية، فيما جاء ميناء نينغبو تشوشان الصيني ثالثاً بنحو 43.87 مليون حاوية.
واحتل ميناء شنتشن المركز الرابع بمناولة 35.41 مليون حاوية، تلاه تشينغداو بنحو 34.20 مليون حاوية، ثم قوانغتشو بـ28.05 مليون حاوية، بينما جاء ميناء بوسان الكوري الجنوبي سابعاً بنحو 24.88 مليون حاوية.
وحل ميناء تيانجين الصيني ثامناً بمناولة 24.03 مليون حاوية، ما رفع عدد الموانئ الصينية في القائمة إلى ستة، وهو ما يعكس اتساع شبكة المنافذ البحرية التي تعتمد عليها بكين لتصدير منتجاتها واستيراد احتياجاتها الصناعية.
مراكز إقليمية
رغم التفوق الصيني الواضح، تحتفظ موانئ آسيوية أخرى بأدوار محورية في حركة التجارة الدولية، خصوصاً المراكز التي تعتمد على إعادة شحن الحاويات وربط الخطوط البحرية العابرة للقارات.
ويبرز ميناء سنغافورة بوصفه ثاني أكبر ميناء للحاويات عالمياً، مستفيداً من موقعه الاستراتيجي على طرق التجارة بين المحيطين الهندي والهادئ، وقدرته على خدمة السفن التي تنقل البضائع بين الأسواق الآسيوية والأوروبية.
وفي منطقة الخليج، جاء ميناء جبل علي الإماراتي بالمركز التاسع عالمياً، بعدما ناول نحو 15.6 مليون حاوية نمطية خلال 2025، ليؤكد مكانته مركزاً رئيسياً للتجارة والخدمات اللوجستية في الشرق الأوسط.
واحتل ميناء بورت كلانغ الماليزي المركز العاشر بمناولة نحو 15.1 مليون حاوية، مستفيداً من موقعه ضمن شبكة التجارة الآسيوية وحركة السفن العابرة للممرات البحرية الإقليمية.
وتوضح هذه المراكز أن أهمية الموانئ لا ترتبط بحجم الاقتصاد المحلي وحده، بل بقدرتها على استقطاب خطوط الملاحة وتوفير خدمات إعادة الشحن والتخزين والتوزيع للأسواق المجاورة.
نفوذ أوروبي
في مقابل سيطرة آسيا على الموانئ، تكشف خريطة شركات شحن الحاويات عن نفوذ أوروبي كبير في إدارة حركة البضائع العالمية، حيث تستحوذ ثلاث مجموعات رئيسية على نحو 48 % من الطاقة الاستيعابية للأساطيل المشغلة.
وتتصدر شركة البحر المتوسط للشحن «إم إس سي»، التي يقع مقرها في سويسرا، القائمة العالمية بطاقة استيعابية تبلغ 7.45 ملايين حاوية نمطية، بما يمثل أكثر من خُمس الطاقة التشغيلية لأساطيل الحاويات عالمياً.
وتأتي مجموعة «ميرسك» الدنماركية ثانية بطاقة 4.73 ملايين حاوية، تليها شركة «سي إم إيه سي جي إم» الفرنسية بطاقة تبلغ 4.47 ملايين حاوية، وفق بيانات مؤسسة «ألفالاينر» المتخصصة في تتبع أساطيل السفن.
ويمنح هذا التركز الشركات الكبرى تأثيراً واسعاً في تنظيم شبكات النقل وتوزيع السفن وتحديد المسارات التجارية، خصوصاً عند حدوث اضطرابات تستدعي تغيير خطوط الملاحة أو إعادة توزيع الطاقة التشغيلية.
ومع ذلك، لا يعني امتلاك أساطيل ضخمة القدرة على التحكم المنفرد في أسعار الشحن، التي تتأثر أيضاً بالطلب العالمي وتكاليف الوقود والازدحام والمنافسة بين الناقلين.
منافسة آسيوية
تحتفظ شركات الشحن الآسيوية بحضور قوي في السوق العالمية، رغم تقدم المجموعات الأوروبية من حيث الطاقة الاستيعابية، مستفيدة من ضخامة النشاط التجاري الإقليمي واتساع الصناعات التصديرية.
وتحتل شركة «كوسكو» الصينية المركز الرابع عالمياً بطاقة 3.68 ملايين حاوية نمطية، تليها «هاباغ لويد» الألمانية بطاقة 2.41 مليون حاوية، ثم «أوشن نتورك إكسبريس» التي يقع مقرها في سنغافورة بطاقة 2.19 مليون حاوية.
وجاءت «إيفرغرين» التايوانية سابعة بطاقة 2.04 مليون حاوية، تلتها «إتش إم إم» الكورية الجنوبية بطاقة 1.03 مليون حاوية، ثم «يانغ مينغ» التايوانية بنحو 771 ألف حاوية.
واحتلت شركة «زيم» الإسرائيلية المركز العاشر بطاقة استيعابية تبلغ 691 ألف حاوية نمطية، لتكتمل قائمة الشركات العشر التي تشكل العمود الفقري لشبكات نقل الحاويات العالمية.
ملكية الأساطيل
تختلف خريطة الدول المالكة للسفن التجارية عن ترتيب الموانئ وشركات الحاويات، لأن الأساطيل العالمية تشمل ناقلات النفط والغاز والبضائع السائبة والسيارات، إلى جانب سفن الحاويات والبضائع العامة.
وتتصدر اليونان قائمة الدول المالكة للأساطيل التجارية بحمولة ساكنة تبلغ 397.65 مليون طن، رغم عدم وجود موانئ يونانية ضمن أكبر عشرة موانئ للحاويات عالمياً، ما يعكس أهمية الاستثمارات البحرية في تحديد قوة الدول داخل القطاع.
وتأتي الصين ثانية بحمولة تبلغ 347.22 مليون طن ساكن، تليها اليابان بنحو 240.68 مليون طن، ثم سنغافورة بـ153.43 مليون طن، وهونغ كونغ بنحو 139.50 مليون طن.
وتحتل كوريا الجنوبية المركز السادس بحمولة 98.53 مليون طن، تليها ألمانيا بـ71.53 مليون طن، ثم تايوان بنحو 63.88 مليون طن.
حضور خليجي
تؤكد البيانات امتلاك الإمارات موقعاً متقدماً في قطاع النقل البحري العالمي، بعدما احتلت المركز التاسع بين أكبر الدول المالكة للأساطيل التجارية بحمولة ساكنة تبلغ 57.43 مليون طن.
وتقدمت الإمارات بذلك على المملكة المتحدة وجزيرة مان اللتين سجلتا معاً 56.99 مليون طن، ما يعكس حجم الاستثمارات البحرية المرتبطة بالاقتصاد الإماراتي وتطور أنشطة النقل والخدمات اللوجستية.
ويكتسب هذا الترتيب أهمية إضافية مع وجود ميناء جبل علي ضمن أكبر عشرة موانئ للحاويات عالمياً، الأمر الذي يمنح الإمارات حضوراً في جانبي البنية التحتية البحرية وملكية السفن التجارية.
تركز الملكية
تكشف بيانات «أونكتاد» عن درجة مرتفعة من تركز ملكية الأساطيل التجارية، إذ تستحوذ الدول العشر الأولى على نحو 67.3 % من الحمولة الساكنة للأسطول العالمي.
وتستحوذ اليونان والصين واليابان وحدها على أكثر من 40 % من الإجمالي، وهو ما يمنح الشركات والمستثمرين في هذه الاقتصادات وزناً كبيراً في سوق النقل البحري الدولي.
لكن ملكية السفن تختلف عن دولة تسجيلها، إذ تلجأ شركات كثيرة إلى تسجيل ناقلاتها وسفنها تحت أعلام دول أخرى، مثل ليبيريا وبنما وجزر مارشال، لأسباب تنظيمية وضريبية وتشغيلية.