الصين تكبد أوروبا مليار يورو يومياً
تواجه أوروبا تحدياً اقتصادياً متصاعداً مع استمرار تدفق الصادرات الصينية منخفضة التكلفة إلى أسواقها، بعدما اتسع العجز التجاري السلعي للاتحاد الأوروبي مع الصين إلى نحو مليار يورو يومياً، في تطور أثار مخاوف بشأن مستقبل الصناعة الأوروبية وقدرتها على مواجهة المنافسة الآسيوية. وبينما تتجه بروكسل إلى تشديد الإجراءات الحمائية وفرض قيود تجارية جديدة، تكشف مؤشرات الإنتاج والتوظيف وسلاسل التوريد أن العلاقة الاقتصادية بين الجانبين أكثر تعقيداً من مجرد منافسة تهدد المصانع الأوروبية، إذ تستفيد قطاعات صناعية متقدمة من الواردات الصينية، فيما تحتفظ القارة بمزايا تنافسية استراتيجية يصعب على بكين الاستغناء عنها.
وتضع هذه المعادلة الاتحاد الأوروبي أمام اختبار اقتصادي حاسم، يتمثل في كيفية حماية صناعاته من المنافسة غير العادلة، دون الإضرار بالشركات التي تعتمد على المدخلات الصينية لتقليص تكاليف الإنتاج، أو إضعاف قدرته على التحول نحو الصناعات الأعلى قيمة وربحية.
اختلال تجاري
يعكس العجز التجاري الذي يقترب من مليار يورو يومياً اتساع الفجوة بين قيمة السلع الصينية المتدفقة إلى أوروبا والصادرات الأوروبية المتجهة إلى السوق الصينية، وهو ما دفع فرنسا وألمانيا إلى مطالبة المفوضية الأوروبية بتوسيع صلاحياتها التجارية.
وتشمل الخيارات المطروحة تشديد الرسوم الجمركية، وفرض اشتراطات تتعلق بالمكون المحلي، وإقرار أدوات تسمح بتقييد وصول بعض الدول إلى السوق الأوروبية الموحدة.
غير أن التركيز على العجز التجاري وحده قد يقدم صورة غير مكتملة، إذ لا تعني زيادة الواردات بالضرورة تراجع القدرة الصناعية الأوروبية، خصوصاً عندما تكون السلع المستوردة مكونات وسيطة تدخل في إنتاج سلع أكثر تطوراً.
وتبرز أهمية التمييز بين القطاعات التي تتعرض لضغوط تنافسية مباشرة، وتلك التي تستفيد من انخفاض أسعار المدخلات المستوردة لتعزيز إنتاجيتها وقدرتها على التصدير.
قطاعات محددة
وتشير بيانات عام 2025 إلى أن نحو ثلثي الواردات السلعية القادمة من الصين تركزت في خمس فئات رئيسية، تتصدرها الآلات والمعدات والمواد الكيميائية والسيارات، ما يعكس تركز المنافسة في أنشطة صناعية بعينها.
ومنذ إطلاق بكين استراتيجية «صنع في الصين 2025»، شهد إنتاج منطقة اليورو انكماشاً في عدد من هذه القطاعات، نتيجة المنافسة السعرية والتحولات التكنولوجية وتغير أنماط الطلب العالمي.
لكن هذا التراجع لم يمتد إلى جميع الأنشطة الصناعية، إذ سجلت الصناعات ذات القيمة المضافة المرتفعة، وفي مقدمتها الأدوية والإلكترونيات المتخصصة، أداءً أفضل خلال العقد الماضي.
وساهم هذا التحول في استمرار النمو التدريجي للإنتاج الصناعي وإجمالي القيمة المضافة الحقيقية والتوظيف في منطقة اليورو خلال الفترة الطويلة، رغم التباين بين القطاعات والضغوط التي واجهتها بعض الصناعات التقليدية.
مكاسب إنتاجية
ولا تقتصر العلاقة التجارية مع الصين على المنافسة المباشرة، إذ تعتمد شركات أوروبية عديدة على المكونات الصينية منخفضة التكلفة في عمليات التصنيع المتقدم، بما يسمح لها بتحسين هوامش الربح وتعزيز قدرتها التنافسية.
وكشفت دراسة للبنك المركزي الأوروبي أن القطاعات الأكثر اعتماداً على استيراد السلع الوسيطة من الصين خلال الفترة بين عامي 2000 و2022 حققت زيادة في نمو إنتاجها الصناعي السنوي بمقدار 0.6 نقطة مئوية.
وتعكس هذه النتيجة الأهمية الاقتصادية لسلاسل الإنتاج العالمية، التي تتيح للشركات الأوروبية التركيز على التصميم والهندسة والابتكار، مع الاستفادة من المكونات الأقل تكلفة في مراحل التصنيع الأخرى.
وبالتالي، فإن فرض قيود تجارية واسعة دون التمييز بين المنتجات النهائية والمدخلات الصناعية قد يرفع تكاليف الإنتاج داخل أوروبا، ويضعف القدرة التنافسية للشركات التي تستهدف حمايتها.
تفوق تكنولوجي
ورغم التقدم الصناعي الصيني، تحتفظ أوروبا بمواقع قوية في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والتصنيع عالي الدقة، خصوصاً الصناعات التي تتطلب خبرات هندسية متراكمة واستثمارات بحثية ضخمة.
وتبرز شركة «أسمول» الهولندية باعتبارها مورداً رئيسياً لمعدات الطباعة الضوئية المستخدمة في تصنيع أشباه الموصلات المتقدمة، فيما توفر شركة «تسايس» الألمانية أنظمة بصرية متخصصة تدخل في تشغيل هذه المعدات.
وتكتسب هذه المنتجات أهمية متزايدة مع تسارع الاستثمارات العالمية في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والرقائق الإلكترونية، ما يمنح الشركات الأوروبية موقعاً استراتيجياً داخل سلاسل القيمة التكنولوجية.
كما أظهر تحليل أعده سايمون إيفينيت، الأستاذ في المعهد الدولي للتنمية الإدارية، أن التوسع الصناعي الصيني منذ عام 2015 لم يؤدِ إلى اشتداد المنافسة على الصادرات الأوروبية في الأسواق الخارجية إلا ضمن عدد محدود من أكبر 500 منتج صناعي يصدرها الاتحاد الأوروبي.
اعتماد متبادل
وتكشف دراسة حديثة لفريق العمل الأوروبي للاستراتيجية الجيوسياسية عن امتلاك أوروبا أوراق قوة إضافية في علاقتها التجارية مع بكين، بعدما حددت 41 سلسلة توريد حيوية تعتمد فيها الصين على الاتحاد الأوروبي لتأمين أكثر من 80 % من وارداتها ضمن كل سلسلة.
وتشمل هذه المجالات مستلزمات طبية وآلات ومعدات صناعية متخصصة، يصعب استبدال بعضها سريعاً بموردين آخرين دون تحمل تكاليف إضافية أو مواجهة تحديات تقنية.
ويعني ذلك أن الاعتماد التجاري ليس في اتجاه واحد، وأن الصين، رغم توسع قدراتها التصنيعية، لا تزال بحاجة إلى منتجات أوروبية متقدمة لدعم قطاعات استراتيجية في اقتصادها.
ومن شأن هذه المزايا أن تمنح بروكسل مساحة أكبر للتفاوض التجاري، خصوصاً إذا نجحت في الحفاظ على تفوقها التكنولوجي وتوسيع قاعدة صادراتها إلى الأسواق العالمية.
تحولات صناعية
ويشير تطور الصناعة الأوروبية إلى أن المنافسة الصينية قد تشكل حافزاً لإعادة توزيع الموارد نحو قطاعات أكثر إنتاجية، ضمن العملية الاقتصادية المعروفة باسم «التدمير الخلاق».
فعندما تتراجع ربحية الصناعات التقليدية نتيجة المنافسة السعرية، يمكن أن تنتقل الاستثمارات والعمالة تدريجياً نحو أنشطة تتمتع بقيمة مضافة أعلى، بشرط توافر التمويل والمهارات والبنية التحتية المناسبة.
ويعيد هذا التحول إلى الأذهان تجربة صناعة الكاميرات الألمانية خلال سبعينيات القرن الماضي، عندما دفعت المنافسة اليابانية الشركات الأوروبية إلى تطوير تخصصاتها في البصريات الدقيقة.
وأصبحت الخبرات المتراكمة في تلك الصناعات اليوم جزءاً أساسياً من منظومة تصنيع الرقائق الإلكترونية والتقنيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وفي قطاع السيارات، تتجه شركات مثل «بي إم دبليو» إلى تعزيز حضورها في الفئات الفاخرة مرتفعة الربحية، بينما يشهد الاقتصاد الألماني ظهور شركات ناشئة في مجالات تكنولوجية متقدمة.
إصلاحات متعثرة
لكن قدرة أوروبا على تحويل المنافسة الصينية إلى فرصة اقتصادية تتوقف على سرعة تنفيذ الإصلاحات الهيكلية، خصوصاً في مجالات التمويل والطاقة وسوق العمل.
وتشير البيانات الواردة في تقرير متابعة توصيات ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي، إلى تنفيذ 15.7% فقط من أصل 383 توصية بالكامل حتى يوليو 2026.
ويعكس هذا المستوى بطء الاستجابة الأوروبية للتحديات التنافسية، رغم اتساع الفجوة بين سرعة التحولات الصناعية العالمية وقدرة المؤسسات الأوروبية على اتخاذ القرارات.
وتشمل الإصلاحات المطلوبة تعميق أسواق رأس المال، وإزالة الحواجز التنظيمية داخل السوق الموحدة، وتأمين إمدادات الطاقة بأسعار تنافسية، وتسهيل انتقال العمالة بين القطاعات.
كما تتطلب المرحلة التركيز على حماية العاملين من تداعيات التحول الصناعي، بدلاً من محاولة الإبقاء على جميع الوظائف التقليدية، من خلال برامج التدريب وإعادة التأهيل وتعزيز مرونة سوق العمل.
منافسة متوازنة
وتبقى الحاجة قائمة لمواجهة الممارسات التجارية غير العادلة، بما فيها الإعانات الحكومية التي قد تمنح بعض المنتجات الصينية مزايا سعرية يصعب على المنافسين الأوروبيين مجاراتها.
غير أن نجاح السياسة التجارية الأوروبية يتطلب توجيه التدابير الحمائية نحو القطاعات المتضررة فعلياً، مع تجنب فرض قيود شاملة ترفع تكاليف الشركات المحلية.
ويمكن للاتحاد الأوروبي تعزيز موقعه عبر إبرام اتفاقيات تجارية جديدة، وتنويع أسواق التصدير، وتطوير الصناعات الاستراتيجية التي يتمتع فيها بقدرات يصعب تقليدها.