تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقود‭ ‬الخليجية‭ ‬تدخل‭ ‬عصر‭ ‬المرونة

العقود‭ ‬الخليجية‭ ‬تدخل‭ ‬عصر‭ ‬المرونة

تشهد‭ ‬العقود‭ ‬التجارية‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬تحولاً‭ ‬لافتاً‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬صياغتها،‭ ‬مع‭ ‬اتجاه‭ ‬متزايد‭ ‬لدى‭ ‬الشركات‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬بما‭ ‬يتلاءم‭ ‬مع‭ ‬بيئة‭ ‬تشغيلية‭ ‬أكثر‭ ‬هشاشة‭ ‬وتقلبًا،‭ ‬فرضتها‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬واضطرابات‭ ‬الشحن‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإمداد‭. ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬العقد‭ ‬مجرد‭ ‬تثبيت‭ ‬الالتزامات‭ ‬بين‭ ‬الأطراف،‭ ‬بل‭ ‬باتت‭ ‬الوثيقة‭ ‬التعاقدية‭ ‬نفسها‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر‭.‬
هذا‭ ‬التحول‭ ‬لم‭ ‬يأتِ‭ ‬من‭ ‬فراغ،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬جديد‭ ‬فرضته‭ ‬أزمات‭ ‬متلاحقة‭ ‬كشفت‭ ‬محدودية‭ ‬العقود‭ ‬التقليدية‭ ‬أمام‭ ‬الصدمات‭ ‬المفاجئة‭. ‬فحين‭ ‬تتعطل‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية،‭ ‬أو‭ ‬ترتفع‭ ‬تكاليف‭ ‬التأمين‭ ‬والنقل‭ ‬فجأة،‭ ‬أو‭ ‬تتبدل‭ ‬جداول‭ ‬التسليم‭ ‬بفعل‭ ‬مخاطر‭ ‬أمنية،‭ ‬تصبح‭ ‬العقود‭ ‬الصلبة‭ ‬عبئاً‭ ‬قانونياً‭ ‬وتشغيلياً‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أداة‭ ‬لتنظيم‭ ‬العلاقة‭ ‬التجارية‭.‬
ومن‭ ‬هنا،‭ ‬بدأت‭ ‬شركات‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬الطاقة‭ ‬والبتروكيماويات‭ ‬والخدمات‭ ‬اللوجستية‭ ‬والتجزئة‭ ‬بإعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬منطق‭ ‬التعاقد‭ ‬نفسه،‭ ‬عبر‭ ‬إدخال‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬بـ«البنود‭ ‬المرنة‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬بنود‭ ‬تسمح‭ ‬بإعادة‭ ‬التفاوض‭ ‬أو‭ ‬تعديل‭ ‬بعض‭ ‬الشروط‭ ‬التنفيذية‭ ‬عند‭ ‬تحقق‭ ‬ظروف‭ ‬تشغيلية‭ ‬أو‭ ‬أمنية‭ ‬استثنائية‭.‬

البنود‭ ‬المرنة‭ ‬تدخل‭ ‬
صلب‭ ‬العقود‭ ‬الجديدة

التحول‭ ‬الأبرز‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يُنظر‭ ‬إليه‭ ‬سابقاً‭ ‬كاستثناء‭ ‬تفاوضي‭ ‬أصبح‭ ‬اليوم‭ ‬جزءاً‭ ‬متزايداً‭ ‬من‭ ‬البنية‭ ‬الأساسية‭ ‬للعقد‭. ‬فبدل‭ ‬الاكتفاء‭ ‬ببنود‭ ‬تقليدية‭ ‬ثابتة،‭ ‬تتجه‭ ‬الشركات‭ ‬إلى‭ ‬تضمين‭ ‬أدوات‭ ‬مرنة‭ ‬تمنحها‭ ‬هامش‭ ‬حركة‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬تبدلت‭ ‬الظروف‭ ‬المحيطة‭ ‬بالتنفيذ‭.‬
وتشمل‭ ‬هذه‭ ‬التعديلات‭ ‬إدراج‭ ‬آليات‭ ‬إعادة‭ ‬تسعير‭ ‬تلقائية‭ ‬ترتبط‭ ‬مباشرة‭ ‬بتغيرات‭ ‬تكاليف‭ ‬الشحن‭ ‬والتأمين،‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬تضطر‭ ‬الأطراف‭ ‬إلى‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬نزاع‭ ‬كلما‭ ‬تغيرت‭ ‬الكلفة‭ ‬التشغيلية‭ ‬فجأة‭. ‬كما‭ ‬يجري‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬بنود‭ ‬القوة‭ ‬القاهرة‭ ‬لتشمل‭ ‬حالات‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تندرج‭ ‬سابقًا‭ ‬ضمن‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬مثل‭ ‬تعطل‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية،‭ ‬أو‭ ‬ارتفاع‭ ‬مستويات‭ ‬المخاطر‭ ‬الأمنية،‭ ‬أو‭ ‬تأثر‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬بسبب‭ ‬تطورات‭ ‬جيوسياسية‭ ‬إقليمية‭.‬
كذلك،‭ ‬باتت‭ ‬بعض‭ ‬العقود‭ ‬تتضمن‭ ‬شروطًا‭ ‬تسمح‭ ‬بتعديل‭ ‬جداول‭ ‬التسليم‭ ‬أو‭ ‬تأجيلها‭ ‬دون‭ ‬فرض‭ ‬غرامات‭ ‬مباشرة،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬إدراكًا‭ ‬متزايداً‭ ‬بأن‭ ‬الصرامة‭ ‬الزمنية‭ ‬المطلقة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬دائماً‭ ‬منطقية‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬غير‭ ‬مستقرة‭.‬
وبهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬العقود‭ ‬الحديثة‭ ‬تُبنى‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬فرضية‭ ‬‮«‬التنفيذ‭ ‬كما‭ ‬هو‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬فرضية‭ ‬‮«‬التنفيذ‭ ‬الممكن‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬المتغيرات‮»‬‭.‬

من‭ ‬الالتزام‭ ‬الصارم‭ ‬
إلى‭ ‬الالتزام‭ ‬المشروط

يرى‭ ‬مختصون‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬التعاقد‭ ‬الخليجية‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬تعديل‭ ‬تقني‭ ‬في‭ ‬الصياغة،‭ ‬بل‭ ‬انتقال‭ ‬فعلي‭ ‬من‭ ‬نموذج‭ ‬قانوني‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭. ‬فالنموذج‭ ‬التقليدي‭ ‬كان‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬‮«‬الالتزام‭ ‬الصارم‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬الطرفين‭ ‬يلتزمان‭ ‬بما‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬العقد‭ ‬بصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬التحولات‭ ‬الخارجية،‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬أضيق‭ ‬الاستثناءات‭.‬
أما‭ ‬اليوم،‭ ‬فثمة‭ ‬انتقال‭ ‬متسارع‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬‮«‬الالتزام‭ ‬المشروط‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يلغي‭ ‬الإلزام‭ ‬التعاقدي،‭ ‬لكنه‭ ‬يعيد‭ ‬تعريفه‭ ‬ضمن‭ ‬حدود‭ ‬واقعية‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬النموذج،‭ ‬يصبح‭ ‬العقد‭ ‬أداة‭ ‬لتنظيم‭ ‬الاستمرارية،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬وسيلة‭ ‬لتحديد‭ ‬المسؤولية‭ ‬عند‭ ‬الإخلال‭.‬
وهذا‭ ‬التحول‭ ‬مهم‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬القطاعات‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬سلاسل‭ ‬إمداد‭ ‬دولية‭ ‬معقدة،‭ ‬أو‭ ‬ترتبط‭ ‬بتوريدات‭ ‬بحرية‭ ‬أو‭ ‬لوجستية‭ ‬عابرة‭ ‬للحدود،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬بالإمكان‭ ‬افتراض‭ ‬أن‭ ‬بيئة‭ ‬التنفيذ‭ ‬ستظل‭ ‬مستقرة‭ ‬طوال‭ ‬مدة‭ ‬العقد‭.‬
وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬العقود‭ ‬الجديدة‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬فقط‭ ‬رغبة‭ ‬الشركات‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬نفسها‭ ‬من‭ ‬الخسائر،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬سعيها‭ ‬إلى‭ ‬إبقاء‭ ‬العلاقة‭ ‬التجارية‭ ‬قابلة‭ ‬للاستمرار‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬انهيارها‭ ‬عند‭ ‬أول‭ ‬صدمة‭.‬

المرونة‭ ‬مطلوبة‭.. ‬لكن‭ ‬
الصياغة‭ ‬الفضفاضة‭ ‬قد‭ ‬
تصنع‭ ‬نزاعات‭ ‬جديدة

ورغم‭ ‬أن‭ ‬إدخال‭ ‬المرونة‭ ‬على‭ ‬العقود‭ ‬يُنظر‭ ‬إليه‭ ‬بوصفه‭ ‬تطورًا‭ ‬منطقياً‭ ‬وضرورياً،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬مخاطر‭ ‬قانونية‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يُصغ‭ ‬بدقة‭ ‬كافية‭. ‬فالعقد‭ ‬المرن‭ ‬قد‭ ‬يتحول‭ ‬بسهولة‭ ‬من‭ ‬أداة‭ ‬لحل‭ ‬النزاع‭ ‬إلى‭ ‬بوابة‭ ‬لخلقه،‭ ‬إذا‭ ‬تُركت‭ ‬بنوده‭ ‬مفتوحة‭ ‬على‭ ‬تفسيرات‭ ‬متعارضة‭.‬
ولهذا،‭ ‬يشدد‭ ‬مختصون‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لأي‭ ‬بند‭ ‬مرن‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬وجوده‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬مدى‭ ‬انضباط‭ ‬صياغته‭. ‬فكل‭ ‬بند‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يجيب‭ ‬بوضوح‭ ‬عن‭ ‬أسئلة‭ ‬أساسية‭: ‬متى‭ ‬يُفعّل؟‭ ‬وما‭ ‬نوع‭ ‬الظروف‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬بالاستناد‭ ‬إليه؟‭ ‬وكيف‭ ‬يتم‭ ‬إثبات‭ ‬تحقق‭ ‬السبب؟‭ ‬ومن‭ ‬يملك‭ ‬حق‭ ‬طلب‭ ‬إعادة‭ ‬التفاوض؟‭ ‬وما‭ ‬الإطار‭ ‬الزمني‭ ‬لذلك؟‭ ‬وماذا‭ ‬يحدث‭ ‬إذا‭ ‬فشلت‭ ‬الأطراف‭ ‬في‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق؟
هذه‭ ‬التفاصيل‭ ‬ليست‭ ‬هامشية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬ما‭ ‬يحدد‭ ‬إن‭ ‬كانت‭ ‬المرونة‭ ‬ستخدم‭ ‬استقرار‭ ‬التعاقد‭ ‬أو‭ ‬ستفتح‭ ‬بابًا‭ ‬واسعًا‭ ‬للتعسف‭ ‬والمماطلة‭ ‬وإعادة‭ ‬تفسير‭ ‬الالتزامات‭ ‬بعد‭ ‬نشوء‭ ‬الخلاف‭.‬
ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬التحدي‭ ‬القانوني‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الحالية‭ ‬لا‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬إدخال‭ ‬المرونة‭ ‬بحد‭ ‬ذاتها،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬يقين‭ ‬منضبط،‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬مساحة‭ ‬رمادية‭ ‬مفتوحة‭.‬

موجة‭ ‬مراجعة‭ ‬للعقود‭ ‬القائمة‭.. ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬الجديدة

التحول‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬العقود‭ ‬الجديدة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بدأ‭ ‬يمتد‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬العقود‭ ‬القائمة‭ ‬التي‭ ‬أبرمت‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬تشغيلية‭ ‬أكثر‭ ‬استقراراً‭. ‬وتشير‭ ‬تقديرات‭ ‬قانونيين‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ ‬30‭ ‬إلى‭ ‬40‭ % ‬من‭ ‬العقود‭ ‬الجديدة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬القطاعات‭ ‬الحيوية‭ ‬أصبحت‭ ‬تتضمن‭ ‬صيغاً‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة‭ ‬مقارنة‭ ‬بالسنوات‭ ‬السابقة،‭ ‬فيما‭ ‬بدأت‭ ‬شركات‭ ‬أخرى‭ ‬مراجعة‭ ‬اتفاقيات‭ ‬قائمة‭ ‬بالفعل‭ ‬لإعادة‭ ‬التفاوض‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬بنودها‭.‬
وهذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬يعكس‭ ‬اعترافًا‭ ‬ضمنياً‭ ‬بأن‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬العقود‭ ‬القديمة‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مناسباً‭ ‬بالكامل‭ ‬للواقع‭ ‬الجديد،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬توزيع‭ ‬المخاطر‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬آليات‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬التعطلات‭ ‬والارتفاعات‭ ‬المفاجئة‭ ‬في‭ ‬الكلفة‭.‬
وفي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات،‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬فتح‭ ‬العقود‭ ‬هو‭ ‬إعادة‭ ‬صياغتها‭ ‬بالكامل،‭ ‬بل‭ ‬تحديث‭ ‬بعض‭ ‬البنود‭ ‬التشغيلية‭ ‬والتجارية‭ ‬لتصبح‭ ‬أكثر‭ ‬قابلية‭ ‬للتطبيق‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬سريعة‭ ‬التغير،‭ ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬قد‭ ‬يصبح‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬‮«‬الصيانة‭ ‬التعاقدية‮»‬‭ ‬جزءاً‭ ‬طبيعياً‭ ‬من‭ ‬دورة‭ ‬الأعمال،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬إجراءً‭ ‬استثنائياً‭.‬

‮«‬العقود‭ ‬ذات‭ ‬الوجهين‮»‬‭.. ‬حين‭ ‬يختلف‭ ‬النص‭ ‬عن‭ ‬التطبيق

في‭ ‬مقابل‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬المنظم‭ ‬نسبيًا‭ ‬نحو‭ ‬التعاقد‭ ‬المرن،‭ ‬بدأت‭ ‬تظهر‭ ‬ممارسات‭ ‬أقل‭ ‬وضوحاً‭ ‬وأكثر‭ ‬حساسية‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬القانونية،‭ ‬حيث‭ ‬تلجأ‭ ‬بعض‭ ‬الأطراف‭ ‬إلى‭ ‬تضمين‭ ‬ملاحق‭ ‬غير‭ ‬معلنة‭ ‬أو‭ ‬تفاهمات‭ ‬موازية‭ ‬أو‭ ‬ترتيبات‭ ‬جانبية‭ ‬تتيح‭ ‬تعديل‭ ‬الالتزامات‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مباشر،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يظهر‭ ‬ذلك‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬النص‭ ‬التعاقدي‭ ‬الأساسي‭.‬
وهنا‭ ‬برز‭ ‬وصف‭ ‬‮«‬العقود‭ ‬ذات‭ ‬الوجهين‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬العقود‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬ظاهرها‭ ‬صياغة‭ ‬رسمية‭ ‬صارمة،‭ ‬بينما‭ ‬يجري‭ ‬تنفيذها‭ ‬فعلياً‭ ‬وفق‭ ‬تفاهمات‭ ‬غير‭ ‬منصوص‭ ‬عليها‭ ‬بالكامل‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مفعّلة‭ ‬رسمياً‭.‬
هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬وسيلة‭ ‬عملية‭ ‬لتجاوز‭ ‬التعقيدات،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬تحمل‭ ‬مخاطر‭ ‬كبيرة،‭ ‬لأنها‭ ‬تخلق‭ ‬فجوة‭ ‬بين‭ ‬النص‭ ‬الظاهر‭ ‬والسلوك‭ ‬التنفيذي‭ ‬الفعلي،‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬احتمالات‭ ‬النزاع‭ ‬عند‭ ‬أول‭ ‬اختبار‭ ‬جدي‭ ‬أو‭ ‬خلاف‭ ‬بين‭ ‬الأطراف‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات‭ ‬قد‭ ‬تضعف‭ ‬الحجية‭ ‬القانونية‭ ‬للعلاقة‭ ‬التعاقدية‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬موثقة‭ ‬بشكل‭ ‬واضح،‭ ‬وتفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬تفسيرات‭ ‬متباينة‭ ‬بشأن‭ ‬الحقوق‭ ‬والالتزامات،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود‭ ‬أو‭ ‬التي‭ ‬تخضع‭ ‬لتحكيم‭ ‬دولي‭.‬

الشركات‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تشتري‭ ‬
فقط‭ ‬الخدمة‭ ‬أو‭ ‬السلعة‭.. ‬
بل‭ ‬تشتري‭ ‬المرونة

أحد‭ ‬التحولات‭ ‬الجوهرية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬أن‭ ‬الشركات‭ ‬الخليجية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تسعى‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬تقليل‭ ‬التكاليف‭ ‬أو‭ ‬تثبيت‭ ‬الأسعار،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬مستعدة‭ ‬لتحمل‭ ‬كلفة‭ ‬إضافية‭ ‬مقابل‭ ‬شراء‭ ‬مرونة‭ ‬تشغيلية‭ ‬وقانونية‭ ‬أعلى‭.‬
وبحسب‭ ‬مختصين،‭ ‬فإن‭ ‬إدراج‭ ‬بنود‭ ‬تحوطية‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬المخاطر‭ ‬بين‭ ‬الأطراف‭ ‬قد‭ ‬يرفع‭ ‬كلفة‭ ‬التعاقد‭ ‬بنسبة‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬5‭ ‬و10‭ %‬‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تسعير‭ ‬أعلى،‭ ‬أو‭ ‬تأمين‭ ‬إضافي،‭ ‬أو‭ ‬التزامات‭ ‬تشغيلية‭ ‬بديلة،‭ ‬أو‭ ‬مرونة‭ ‬زمنية‭ ‬مدفوعة‭ ‬الكلفة‭.‬
لكن‭ ‬هذه‭ ‬الزيادة‭ ‬لا‭ ‬تُقرأ‭ ‬دائمًا‭ ‬باعتبارها‭ ‬عبئًا،‭ ‬بل‭ ‬تُعامل‭ ‬تدريجيًا‭ ‬كنوع‭ ‬من‭ ‬‮«‬قسط‭ ‬الاستقرار‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬تكلفة‭ ‬إضافية‭ ‬تُدفع‭ ‬مقدماً‭ ‬لتفادي‭ ‬خسائر‭ ‬أكبر‭ ‬أو‭ ‬نزاعات‭ ‬أكثر‭ ‬كلفة‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬تعرض‭ ‬العقد‭ ‬لصدمات‭ ‬لاحقة‭.‬
وهذا‭ ‬يعكس‭ ‬تغيراً‭ ‬أعمق‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬الأعمال‭: ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الكفاءة‭ ‬تعني‭ ‬فقط‭ ‬التعاقد‭ ‬بأقل‭ ‬سعر،‭ ‬بل‭ ‬التعاقد‭ ‬بأعلى‭ ‬قدرة‭ ‬ممكنة‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭ ‬تحت‭ ‬الضغط‭.‬

رجوع لأعلى