العملات المشفرة تتحدى التوترات الجيوسياسية
استهلت العملات المشفرة تعاملات الخميس على ارتفاع، متجاهلة تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتهاء وقف إطلاق النار المؤقت مع إيران. ورغم أن مثل هذه التطورات عادة ما تدفع المستثمرين إلى الأصول الآمنة، فإن سوق العملات الرقمية واصل تعافيه، في إشارة إلى استمرار تحسن شهية المخاطرة لدى شريحة من المستثمرين.
ويعكس هذا الأداء تغيراً تدريجياً في سلوك المتعاملين، إذ لم تعد العملات المشفرة تتحرك بالضرورة في الاتجاه نفسه الذي تتحرك فيه الأسواق التقليدية خلال فترات التوتر، بل أصبحت تتأثر أيضاً بعوامل تتعلق بتدفقات السيولة، وتوقعات السياسة النقدية، ومستويات الإقبال على الأصول عالية المخاطر.
تعافٍ مستمر
واصلت البيتكوين، أكبر العملات المشفرة من حيث القيمة السوقية، تحقيق المكاسب خلال شهر يوليو، بعدما ارتفع سعرها إلى 63098.65 دولار، مسجلة زيادة يومية بلغت 881.55 دولار، أو ما يعادل 1.41 %.
ويأتي هذا الارتفاع امتداداً لموجة التعافي التي تشهدها العملة منذ بداية الشهر، بعدما نجحت في تعويض جزء من الخسائر الكبيرة التي تكبدتها خلال يونيو، في وقت عاد فيه المستثمرون تدريجياً إلى بناء مراكز شرائية جديدة.
انعكاس المسار
ويحمل أداء يوليو أهمية خاصة بالنسبة للبيتكوين، إذ تمكنت من تحقيق مكاسب تقارب 6 % منذ بداية الشهر، بعد أن سجلت في يونيو تراجعاً بنحو 20 %، وهو أسوأ أداء شهري للعملة منذ أربع سنوات.
ويشير هذا التحول إلى عودة تدريجية للثقة داخل سوق الأصول الرقمية، خاصة مع انحسار الضغوط التي شهدتها السوق خلال الأسابيع الماضية، وعودة المستثمرين لاقتناص الفرص بعد موجة البيع الحادة.
بعيدة عن القمة
ورغم التحسن الأخير، لا تزال البيتكوين تتحرك بعيداً عن أعلى مستوياتها التاريخية.
فقد فقدت أكثر من نصف قيمتها مقارنة بالقمة التي تجاوزت 126 ألف دولار في أكتوبر الماضي، ما يعكس حجم التصحيح الذي تعرضت له السوق خلال الأشهر الأخيرة نتيجة تشديد السياسة النقدية العالمية، وارتفاع عوائد السندات، وتقلب شهية المستثمرين تجاه الأصول مرتفعة المخاطر.
ورغم ذلك، يرى كثير من المتعاملين أن المستويات الحالية قد تمثل مرحلة إعادة بناء قبل دورة صعود جديدة، إذا تحسنت الظروف الاقتصادية والمالية.
أداء جماعي
ولم يقتصر الارتفاع على البيتكوين وحدها، إذ سجلت العملات الرقمية الرئيسية الأخرى مكاسب أيضاً.
فقـد ارتفـع سعـر الإيثـريــوم إلى 1754.77 دولار، بزيـادة بلغـت 18.16 دولار أو 1.05 %، بينما صعدت عملة الريبل إلى 1.0987 دولار، محققة مكاسب بنسبة 0.92 %.
ويعكس هذا الأداء الجماعي تحسن المزاج العام في سوق العملات المشفرة، مع عودة السيولة تدريجياً إلى عدد من الأصول الرقمية الكبرى.
تحدي المخاطر
وجاءت هذه المكاسب رغم استمرار حالة التوتر السياسي في الشرق الأوسط.
فقد أعاد إعلان الرئيس الأمريكي انتهاء وقف إطلاق النار المؤقت مع إيران المخاوف من تصعيد جديد في المنطقة، وهو ما دفع العديد من الأسواق التقليدية إلى التعامل بحذر.
لكن العملات المشفرة أظهرت قدراً من الصمود، وهو ما يشير إلى أن المستثمرين يركزون حالياً بصورة أكبر على العوامل الداخلية للسوق، بدلاً من الاكتفاء بردود الفعل تجاه الأحداث السياسية.
شهية المستثمرين
ويرى محللون أن تحسن أداء العملات المشفرة يعكس عودة تدريجية لشهية المخاطرة، بعد أشهر من التقلبات الحادة.
فالمستثمرون الذين ابتعدوا عن السوق خلال موجة الهبوط الأخيرة بدأوا في العودة تدريجياً، مستفيدين من انخفاض الأسعار مقارنة بالقمم التاريخية، ومن التوقعات بأن تشهد السوق استقراراً أكبر إذا هدأت الضغوط الاقتصادية العالمية.
كما أن تحسن السيولة في الأسواق المالية ساعد على زيادة الإقبال على الأصول الرقمية خلال الأسابيع الأخيرة.
عوامل مؤثرة
ومع ذلك، تبقى سوق العملات المشفرة من أكثر الأسواق حساسية للتغيرات الاقتصادية.
فأي تغير في توقعات أسعار الفائدة الأمريكية، أو تشديد جديد في السياسات النقديـة، أو تـصاعـد فــي المخــاطر الجيوسياسية، قد يؤدي إلى زيادة التقلبات بصورة سريعة.
وفي المقابل، فإن تحسن بيئة الاستثمار العالمية أو تراجع الدولار قد يوفران دعماً إضافياً للأصول الرقمية خلال الفترة المقبلة.
ترقب المرحلة المقبلة
تؤكد تحركات العملات المشفرة أن السوق استعادت جزءاً من توازنها بعد الخسائر الكبيرة التي شهدتها في يونيو، إلا أن الطريق نحو استعادة القمم التاريخية لا يزال طويلاً. فالبيتكوين وبقية العملات الرقمية تحتاج إلى استمرار تحسن السيولة العالمية، واستقرار الأوضاع الاقتصادية، وتراجع حالة عدم اليقين السياسي حتى تتمكن من مواصلة الصعود.
وبينما يواصل المستثمرون مراقبة تطورات السياسة النقدية والأحداث الجيوسياسية، ستظل العملات المشفرة من أكثر الأصول تقلباً، لكنها في الوقت نفسه تبقى من أكثر الأسواق قدرة على تحقيق مكاسب سريعة عندما تتحسن معنويات المستثمرين وتزداد شهية المخاطرة.