العملات المشفرة تتراجع.. و«بيتكوين» تخسر 471 دولاراً
تراجعت أسعار العملات المشفرة خلال تعاملات الثلاثاء، وسط حالة من الحذر سيطرت على المستثمرين مع اقتراب اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الأسبوع المقبل، الذي ينتظر أن يقدم مؤشرات جديدة بشأن مستقبل أسعار الفائدة. وجاء الانخفاض في وقت تتزايد فيه حساسية الأصول الرقمية للتطورات النقدية، خصوصاً مع استمرار المخاوف من بقاء تكاليف الاقتراض مرتفعة لفترة أطول، وما قد يترتب على ذلك من تراجع شهية المستثمرين تجاه الأصول مرتفعة المخاطر.
وانخفضت عملة «بيتكوين»، الأكبر عالمياً من حيث القيمة السوقية، بنسبة 0.58 %، فاقدة نحو 471.50 دولاراً، لتتداول عند 81305.89 دولارات، وفق الأسعار المسجلة عند الساعة 11:05 صباحاً بتوقيت مكة المكرمة. ورغم محافظتها على التداول فوق مستوى 81 ألف دولار، فإنها لا تزال بعيدة عن ذروتها التاريخية التي تجاوزت 126 ألف دولار في أكتوبر 2025، ما يعكس حجم الضغوط التي تعرضت لها منذ تسجيل تلك المستويات القياسية.
خسائر رقمية
وامتدت التراجعات إلى العملات المشفرة الرئيسية الأخرى، حيث انخفضت «إيثريوم»، ثاني أكبر العملات الرقمية من حيث القيمة السوقية، بنسبة 0.57 %، لتفقد 12.48 دولاراً من قيمتها وتصل إلى 2382.66 دولاراً. كما تراجعت عملة «الريبل» بنسبة 0.56 %، منخفضة بمقدار 0.0073 دولار إلى 1.2923 دولار.
ويعكس تقارب نسب الانخفاض بين العملات الثلاث تأثر السوق بعوامل اقتصادية مشتركة، وفي مقدمتها توقعات السياسة النقدية الأميركية، بدلاً من ارتباط التحركات بتطورات خاصة بعملة واحدة. وعادة ما تتفاعل الأصول الرقمية بصورة سريعة مع تغير توقعات الفائدة، نظراً إلى طبيعتها الاستثمارية وتقلباتها السعرية المرتفعة.
وتشير هذه التحركات إلى استمرار حالة الترقب في سوق العملات المشفرة، حيث يفضل بعض المستثمرين تقليص انكشافهم على الأصول عالية المخاطر قبل صدور القرارات النقدية المهمة. كما أن ابتعاد بيتكوين عن مستواها القياسي السابق يضع المستثمرين أمام تساؤلات بشأن قدرة السوق على استعادة الزخم الصعودي، أو استمرار التداول ضمن مستويات أقل من القمم التاريخية.
ورغم أن التراجعات المسجلة خلال تعاملات الثلاثاء جاءت محدودة نسبياً، فإن أهميتها تكمن في توقيتها، إذ تتزامن مع اقتراب اجتماع الفيدرالي وارتفاع درجة الحساسية تجاه أي تصريحات قد تغير توقعات المستثمرين بشأن أسعار الفائدة خلال ما تبقى من العام.
ترقب الفيدرالي
وتتجه الأنظار إلى اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي المقرر عقده يومي 27 و28 أكتوبر، وسط توقعات بأن يبقي البنك المركزي الأميركي أسعار الفائدة دون تغيير. ووفقاً لأداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي»، تسعّر الأسواق احتمال تثبيت الفائدة خلال الاجتماع المقبل عند 82 %، ما يعكس ترجيح المستثمرين استمرار السياسة النقدية الحالية على المدى القريب.
وفي المقابل، تشير التوقعات الواردة في البيانات إلى احتمال يبلغ 89 % لرفع أسعار الفائدة خلال ديسمبر، الأمر الذي يعزز حالة الحذر في الأسواق الرقمية. وتعني هذه التقديرات أن المستثمرين لا يركزون فقط على القرار المرتقب في أكتوبر، وإنما يتابعون أيضاً المسار المحتمل للسياسة النقدية خلال الاجتماعات التالية.
وتؤثر أسعار الفائدة في العملات المشفرة عبر عدة قنوات، أبرزها تكلفة التمويل والعوائد المتاحة على الأصول التقليدية، مثل السندات والودائع. فعندما ترتفع الفائدة، تصبح الأدوات المالية التي توفر عوائد دورية أكثر جاذبية لبعض المستثمرين، مقارنة بالأصول الرقمية التي لا تضمن عائداً ثابتاً وتعتمد مكاسبها بصورة رئيسية على تحركات الأسعار.
كما أن استمرار التشديد النقدي قد يقلص السيولة المتاحة للاستثمار في الأسواق عالية المخاطر، ويزيد ميل المؤسسات والأفراد إلى تبني استراتيجيات أكثر تحفظاً. ولهذا، فإن أي إشارات من الفيدرالي إلى استمرار الفائدة المرتفعة قد تؤدي إلى تجدد الضغوط على بيتكوين والعملات الرقمية الأخرى.
تحديات التعافي
وتواجه بيتكوين تحدياً يتمثل في استعادة ثقة المستثمرين بعد ابتعادها عن القمة التاريخية التي تجاوزت 126 ألف دولار. وبالمقارنة مع مستوى التداول البالغ 81305.89 دولارات، فإن العملة فقدت أكثر من 35 % من قيمتها قياساً بمستوى 126 ألف دولار، وهو ما يوضح حجم الفجوة التي تحتاج إلى تجاوزها لاستعادة مستوياتها السابقة.
ولا يعني هذا التراجع بالضرورة استمرار الاتجاه الهبوطي، لكنه يعكس ارتفاع درجة المخاطرة التي يتحملها المستثمرون في سوق تتأثر بتغير السيولة والتوقعات الاقتصادية. كما أن سرعة التحركات السعرية تجعل العملات المشفرة أكثر عرضة لتقلبات حادة عند صدور قرارات نقدية تخالف توقعات الأسواق.
وفي هذه الأجواء، تكتسب تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي أهمية لا تقل عن قرار الفائدة نفسه، إذ قد تؤدي الإشارات المتعلقة بالتضخم أو النمو الاقتصادي إلى تغيير توقعات المستثمرين بصورة سريعة، ومن ثم التأثير في أسعار الأصول الرقمية.
مستقبل العملات مرهون بمسار الفائدة
وتقف سوق العملات المشفرة أمام مرحلة حاسمة، تتداخل فيها توقعات السياسة النقدية مع محاولات استعادة الزخم الاستثماري. وقد يمنح تثبيت الفائدة، مصحوباً بإشارات أقل تشدداً، بعض الدعم للأسعار، بينما قد يؤدي تعزيز توقعات الرفع في ديسمبر إلى استمرار الضغوط البيعية.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى مستقبل بيتكوين والعملات الرقمية الكبرى مرتبطاً بدرجة كبيرة بمسار السيولة العالمية وشهية المستثمرين للمخاطرة، إلى جانب العوامل الخاصة بسوق الأصول الرقمية.
وبين تراجع الأسعار وترقب قرارات الفيدرالي، تتجه الأسواق إلى اختبار جديد لمدى قدرتها على استيعاب استمرار الفائدة المرتفعة، بعدما أصبحت تحركات العملات المشفرة أكثر ارتباطاً بالسياسة النقدية الأميركية والتوقعات الاقتصادية العالمية.