العملات المشفرة تعزز التنويع بشروط إدارة المخاطر
شهدت العملات المشفرة تحولاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، إذ انتقلت من أصول ارتبطت في بداياتها بأفكار الاستقلال عن النظام المالي التقليدي إلى مكون متزايد الحضور داخل المحافظ الاستثمارية التقليدية. وأصبح كثير من المستثمرين ينظرون إليها اليوم باعتبارها أداة لتنويع الاستثمارات، إلى جانب الأسهم والسندات والأصول الأخرى، بدلاً من اعتبارها مجرد رهان عالي المخاطر أو استثمار قائم على قناعة أيديولوجية.
ورغم هذا التحول، يؤكد خبراء الاستثمار أن قدرة العملات المشفرة على تحسين أداء المحافظ وخفض المخاطر ليست مضمونة في جميع الظروف، بل تعتمد على حجم الاستثمار فيها وطريقة دمجها مع بقية الأصول، إضافة إلى طبيعة تحركات الأسواق خلال فترات الاستقرار أو التقلبات الحادة.
وكشفت دراسة أجراها معهد أوربان أن 45 % من مستثمري العملات المشفرة يعتبرون تنويع المحافظ الاستثمارية السبب الرئيسي لامتلاك هذه الأصول، ليصبح الدافع الأول للاستثمار فيها. وفي المقابل، قال 27 % إنهم يؤمنون بأن العملات المشفرة تمثل مستقبل النظام المالي، بينما توقع 11 % تحقيق عوائد أعلى مقارنة بالأصول الأخرى، وأشار 5% إلى أن ضعف ثقتهم بالدولار الأميركي كان الدافع الرئيس لدخول هذا السوق.
التنويع يتصدر
يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة فيرلي ديكنسون، دان كاسينو، إن العملات المشفرة أصبحت جزءاً من الأسواق المالية السائدة، ولم تعد حكراً على المستثمرين الذين يتبنون أفكاراً مناهضة للمؤسسات المالية التقليدية.
وأضاف أن انتشارها بين المستثمرين الأفراد والمؤسسات الاستثمارية جعلها تُعامل بصورة متزايدة كفئة أصول جديدة يمكن إدراجها ضمن المحافظ الاستثمارية، تماماً كما يحدث مع الأسهم أو السندات أو الذهب.
من جانبه، يرى مؤسس شركة Bone Fide Wealth، دوغلاس بونيبارث، أن استخدام العملات المشفرة ضمن المحافظ الاستثمارية يعد مؤشراً على نضج السوق، لكنه يشدد على أن نجاحها في تحقيق التنويع يعتمد بصورة كاملة على طريقة استخدامها وحجم الاستثمار المخصص لها.
يرى خبراء الاستثمار أن العملات المشفرة لا ينبغي أن تكون بديلاً عن الأسهم أو السندات، وإنما مكملاً لها ضمن استراتيجية استثمارية متوازنة.
وتشير البيانات إلى أن السندات سجلت خلال السنوات العشر الماضية ارتباطاً ضعيفاً للغاية مع مؤشر إس آند بي 500 بلغ 0.02، بينما بلغ معامل الارتباط بين الأصول الرقمية والمؤشر نحو 0.2، وهو مستوى لا يزال منخفضاً نسبياً، بما يمنح العملات المشفرة قدرة على تحسين التنويع على المدى الطويل.
وقال مدير أبحاث واستراتيجية العملات المشفرة في تشارلز شواب، جيم فيرايولي، إن العملات الرقمية تمتلك خصائص تجعلها تضيف بعداً جديداً للمحافظ الاستثمارية، خصوصاً عند دمجها مع الأصول التقليدية بصورة مدروسة.
كما يرى بونيبارث أن بيتكوين تستحق مكاناً داخل المحافظ الاستثمارية بفضل سجلها المختلف في تحقيق العوائد مقارنة بالأسهم والسندات، إضافة إلى جاذبيتها للمستثمرين الباحثين عن التحوط من تراجع قيمة العملات أو من المخاطر الجيوسياسية.
لكن الخبراء يشددون على أن هذه المزايا لا تعني أن العملات المشفرة أصبحت أقل خطورة، وإنما تعكس قدرتها على أداء دور مختلف داخل المحفظة إذا جرى استخدامها بالنسب المناسبة.
الارتباط بالأسهم يرتفع
رغم مزايا التنويع، يحذر الخبراء من أن العملات المشفرة لا تحافظ دائماً على استقلاليتها عن بقية الأسواق.
ففي فترات التوتر الحاد، عندما يتجه المستثمرون إلى التخلص من الأصول عالية المخاطر، ترتفع درجة ارتباط العملات المشفرة بالأسهم، ما يقلل مؤقتاً من فوائد التنويع.
ويشير بونيبارث إلى أن العلاقة بين بيتكوين والأسهم الأميركية تميل إلى الارتفاع أثناء موجات البيع الكبيرة، الأمر الذي يجعل أداء العملة الرقمية قريباً من أداء أسواق الأسهم في تلك الفترات.
كما أوضحت كبيرة استراتيجيي الاستثمار في ويلز فارغو، فيرونيكا ويليس، أن العملات المشفرة تجمع بين خصائص أصول النمو المرتفعة المخاطر وأصول التنويع، ولذلك فإنها غالباً ما تتراجع مع الأسهم خلال الأزمات، قبل أن تستعيد دورها في تحسين التنويع مع عودة الاستقرار.
وتؤكد بيانات مورنينغ ستار هذا الاتجاه، إذ ظل ارتباط بيتكوين بالأصول التقليدية أقل من 0.4 خلال العقد المنتهي في أبريل 2025، لكنه ارتفع إلى 0.55 مقارنة بالأسهم الأميركية خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ما يشير إلى تراجع جزء من مزايا التنويع مقارنة بالسنوات السابقة.
خبراء يوصون بحصة لا تتجاوز 3 %
يتفق معظم المستشارين الماليين على أن أفضل طريقة للاستفادة من العملات المشفرة تتمثل في تخصيص نسبة محدودة من المحفظة لها، بحيث تضيف فرص نمو دون أن تتحول إلى مصدر رئيسي للمخاطر.
وقال دوغلاس بونيبارث إن الاستثمار بنسبة تتراوح بين 1 % و3 % من إجمالي المحفظة يعد الخيار الأكثر توازناً، محذراً من أن تجاوز 5 % قد يجعل تقلبات بيتكوين العامل الأكثر تأثيراً في أداء المحفظة، لتتحول من أداة تنويع إلى رهان استثماري رئيسي.
كما أوصت فيرونيكا ويليس بقصر الاستثمار في العملات المشفرة على المستثمرين الذين يستهدفون النمو طويل الأجل، مع الحفاظ على حصة تتراوح بين 2 % و3 % فقط، لأن ذلك يساعد على الاستفادة من إمكانات النمو مع الحد من تقلبات الأسعار.