العملات المشفرة تفقد 100 مليار دولار في أسبوع
لم يكن الأسبوع الماضي اعتيادياً في سوق العملات المشفرة، بعدما تعرضت الأصول الرقمية لموجة بيع جماعية أفقدتها نحو 100 مليار دولار من قيمتها السوقية خلال أيام قليلة، في ظل تزايد حالة الحذر بين المستثمرين وترقبهم للخطوات المقبلة التي قد يتخذها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بشأن أسعار الفائدة.
وجاءت هذه الخسائر لتؤكد أن سوق العملات المشفرة ما زال شديد الحساسية تجاه المتغيرات الاقتصادية الكلية، خاصة مع استمرار الضبابية بشأن مستقبل السياسة النقدية الأميركية، وهو ما دفع المستثمرين إلى تقليص مراكزهم في الأصول عالية المخاطر والاتجاه نحو أدوات استثمار أكثر أماناً.
ضغوط بيعية
وبحسب بيانات التداول الأسبوعية، انخفضت القيمة السوقية الإجمالية للعملات المشفرة بنحو 100 مليار دولار، لتتراجع بنسبة 4.42 % مقارنة بالأسبوع السابق، في واحدة من أكبر الخسائر الأسبوعية التي يشهدها القطاع خلال الفترة الأخيرة.
ويعكس هذا الأداء استمرار الضغوط البيعية على معظم العملات الرقمية، مع تزايد عمليات جني الأرباح وخروج جزء من السيولة الاستثمارية من السوق، انتظاراً لمزيد من الوضوح بشأن توجهات الاقتصاد الأميركي.
ويرى محللون أن ارتفاع أسعار الفائدة لفترة أطول يقلل جاذبية الأصول التي لا تحقق عوائد دورية، مثل العملات المشفرة، ويزيد من تكلفة الاستثمار فيها، الأمر الذي ينعكس مباشرة على مستويات الطلب والأسعار.
بتكوين تتراجع
وكانت العملة الرقمية الأكبر في العالم الأكثر تأثرًا بموجة التراجعات، إذ هبطت عملة «بتكوين» من مستوى 62,967 دولاراً إلى نحو 59,889 دولارًا بنهاية الأسبوع.
وسجـلـت العملــة خسـائر بلغت نحــو 3,078 دولارات، بنسبة انخفاض وصلت إلى 4.10 %، لتفقد بذلك حاجز الستين ألف دولار الذي ينظر إليه المستثمرون باعتباره أحد أهم مستويات الدعم النفسية والفنية.
ورغم هذا التراجع، ما زالت بتكوين تستحوذ على الحصة الأكبر من القيمة السوقية للعملات المشفرة، الأمر الذي يجعل تحركاتها العامل الأكثر تأثيراً في أداء السوق ككل.
إيثريوم تتراجع
ولم تكن عملة «إيثريوم»، ثاني أكبر العملات الرقمية من حيث القيمة السوقية، بمنأى عن موجة الهبوط، إذ تراجعت من مستوى 1,700 دولار إلى نحو 1,572 دولاراً.
وفقدت العملة نحو 128 دولاراً من قيمتها خلال أسبوع واحد، مسجلـة انخفاضاً بلغت نسبتـه 6.90 %، وهو ما يعكس زيادة الضغوط على العملات المرتبطة بتطبيقات التمويل اللامركزي والعقود الذكية.
ويرى متعاملون أن تراجع إيثريوم جاء نتيجة عمليات بيع واسعة شملت معظم العملات الكبرى، وليس بسبب عوامل خاصة بالشبكة أو بالتحديثات التقنية.
سولانا ترتفع
وفي المقابل، نجحت عملة «سولانا» في كسر الاتجاه العام للسوق، بعدما سجلت مكاسب أسبوعية جعلتها العملة الوحيدة بين العملات الرئيسة التي أنهت الأسبوع على ارتفاع.
وارتفع سعر سولانا من 69 دولاراً إلى نحو 73.26 دولاراً، محققاً مكاسب بلغت 4.38 %، مدعومة باستمرار الاهتمام بالمشروعات المبنية على شبكتها، إضافة إلى تحسن النشاط الاستثماري المرتبط بتطبيقات البلوك تشين.
ويؤكد هذا الأداء أن بعض العملات ما زالت قادرة على جذب السيولة رغم التراجعات العامة، إذا ما توافرت لها عوامل دعم خاصة بها.
ترقب الفائدة
ويجمع المحللون على أن العامل الأكثر تأثيرًا في السوق خلال الفترة الحالية يتمثل في ترقب المستثمرين لمسار السياسة النقدية الأميركية.
فأي إشارات إلى استمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول من المتوقع تعني تشديداً في الأوضاع المالية، وهو ما يدفع المستثمرين إلى تقليص انكشافهم على الأصول عالية المخاطر، وفي مقدمتها العملات المشفرة.
كما أن قوة الدولار وارتفاع عوائد السندات الأميركية يزيدان من جاذبية الأصول التقليدية، ويؤديان إلى انتقال جزء من السيولة بعيداً عن سوق الكريبتو.
تقلبات مستمرة
ويتوقع خبراء أن تستمر حالة التقلب في سوق العملات الرقمية خلال الأسابيع المقبلة، مع بقاء المستثمرين في حالة ترقب للبيانات الاقتصادية الأميركية، خصوصًا بيانات التضخم وسوق العمل، إضافة إلى أي تصريحات تصدر عن مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي بشأن مستقبل أسعار الفائدة.
ويرى مراقبون أن السوق ما زال يمتلك مقومات التعافي على المدى الطويل، إلا أن المدى القصير سيظل رهينة للمتغيرات الاقتصادية العالمية، ومستوى السيولة، ومدى استعداد المستثمرين للعودة إلى الأصول ذات المخاطر المرتفعة.
وبينما تعكس خسارة 100 مليار دولار في أسبوع حجم الحساسية التي يتمتع بها سوق العملات المشفرة تجاه التطورات الاقتصادية، فإنها تؤكد أيضًا أن هذا السوق بات أكثر ارتباطًا بالسياسات النقدية العالمية من أي وقت مضى، وهو ما يجعل مساره خلال المرحلة المقبلة مرهوناً بقرارات البنوك المركزية بقدر ارتباطه بالتطورات التقنية داخل قطاع الأصول الرقمية.
سيولة متراجعة
ولا تقتصر آثار موجة الهبوط على تراجع الأسعار فحسب، بل تمتد أيضاً إلى مستويات السيولة المتداولة داخل السوق، إذ تؤدي موجات البيع الحادة عادة إلى انخفاض أحجام التداول، مع إحجام شريحة واسعة من المستثمرين عن فتح مراكز جديدة في ظل غياب رؤية واضحة بشأن اتجاهات الأسعار.
وتشير هذه الحالة إلى أن المستثمرين يفضلون الاحتفاظ بالسيولة أو توجيهها إلى أدوات استثمارية أقل مخاطرة، انتظاراً لظهور محفزات جديدة قد تعيد الثقة إلى سوق العملات المشفرة.
ويرى مراقبون أن عودة السيولة المؤسسية ستكون العامل الأبرز في استعادة السوق زخمه، خاصة أن المؤسسات الاستثمارية أصبحت لاعباً رئيساً في حركة الأصول الرقمية خلال السنوات الأخيرة.
استثمارات مؤسسية
ورغم موجة التراجع الحالية، فإن اهتمام المؤسسات المالية الكبرى بالأصول الرقمية لم يتوقف، إذ تواصل العديد من شركات إدارة الأصول والبنوك الاستثمارية تطوير منتجات مرتبطة بالعملات المشفرة، سواء عبر الصناديق المتداولة أو خدمات الحفظ والتداول.
ويرى خبراء أن هذا الاهتمام المؤسسي يمنح السوق قاعدة أكثر استقراراً مقارنة بما كان عليه قبل سنوات، عندما كانت التداولات تعتمد بصورة شبه كاملة على المستثمرين الأفراد.
كما أن دخول المؤسسات ساهم في رفع مستويات الشفافية، وتحسين البنية التنظيمية، وتعزيز السيولة على المدى الطويل، حتى وإن لم يمنع التقلبات قصيرة الأجل.
تنظيم متسارع
وفي الوقت نفسه، تواصل الجهات التنظيمية في عدد من الاقتصادات الكبرى العمل على وضع أطر قانونية أكثر وضوحاً لتنظيم سوق الأصول الرقمية.
ويهدف هذا التوجه إلى حماية المستثمرين، وتعزيز مكافحة غسل الأموال، وتنظيم عمل منصات التداول، بما يسهم في زيادة الثقة بالسوق على المدى الطويل.
ويرى محللون أن وضوح البيئة التنظيمية سيشكل أحد أهم العوامل التي تحدد وتيرة نمو القطاع خلال السنوات المقبلة، خاصة مع دخول مزيد من المؤسسات الاستثمارية إلى هذا المجال.
فرص انتقائية
وعلى الرغم من الأداء السلبي العام، فإن استمرار صعود عملة سولانا يؤكد أن الفرص الاستثمارية لا تزال موجودة داخل سوق العملات المشفرة، لكنها أصبحت أكثر انتقائية من السابق.
فالمستثمرون باتوا يركزون بصورة أكبر على العملات التي تمتلك استخدامات عملية ومشروعات تقنية نشطة، بدلاً من الاعتماد على المضاربات السريعة التي كانت تسيطر على السوق في مراحل سابقة.
ويشير ذلك إلى أن المنافسة بين العملات الرقمية ستزداد خلال الفترة المقبلة، مع سعي كل مشروع إلى إثبات قدرته على جذب المستخدمين والمطورين والاستثمارات.