تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العولمة‭ ‬وإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي

CCC.33

شهد‭ ‬القطاع‭ ‬المالي‭ ‬العالمي‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة‭ ‬تطورات‭ ‬متسارعة‭ ‬فرضت‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬معايير‭ ‬دولية‭ ‬أكثر‭ ‬صرامة‭ ‬لضبط‭ ‬الأداء‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وتعزيز‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬برز‭ ‬الاهتمام‭ ‬الدولي‭ ‬بوضع‭ ‬أطر‭ ‬تنظيمية‭ ‬ورقابية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬الأسواق‭ ‬والمؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬من‭ ‬الأزمات‭ ‬والاضطرابات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تهدد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬اتفقت‭ ‬الدول‭ ‬الصناعية‭ ‬السبع‭ ‬عام‭ ‬1999‭ ‬على‭ ‬تأسيس‭ ‬ما‭ ‬عُرف‭ ‬بـ«منتدى‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي‮»‬،‭ ‬بهدف‭ ‬متابعة‭ ‬أوضاع‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬وتعزيز‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الدولي‭. ‬وبعد‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية،‭ ‬تحوّل‭ ‬المنتدى‭ ‬خلال‭ ‬اجتماع‭ ‬مجموعة‭ ‬العشرين‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬عام‭ ‬2009‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬مجلس‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي‮»‬،‭ ‬ليأخذ‭ ‬دوراً‭ ‬أوسع‭ ‬في‭ ‬مراقبة‭ ‬أداء‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬والمساهمة‭ ‬في‭ ‬تنظيم‭ ‬سلوكها‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬المخاطر‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تنعكس‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭.‬
ويُعد‭ ‬مجلس‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬والبنك‭ ‬الدولي،‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الجهات‭ ‬الدولية‭ ‬المعنية‭ ‬بمتابعة‭ ‬وتطوير‭ ‬ونشر‭ ‬المعايير‭ ‬المرتبطة‭ ‬بأداء‭ ‬القطاع‭ ‬المالي،‭ ‬حيث‭ ‬تعتمد‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬على‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬من‭ ‬المؤشرات‭ ‬والقواعد‭ ‬التنظيمية‭ ‬التي‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬كفاءة‭ ‬الأسواق‭ ‬وتعزيز‭ ‬الشفافية‭ ‬والاستقرار‭.‬

المعايير‭ ‬الدولية

وتتركز‭ ‬أهم‭ ‬هذه‭ ‬المعايير‭ ‬الدولية‭ ‬ضمن‭ ‬ثلاثة‭ ‬محاور‭ ‬رئيسية‭ ‬تشمل‭ ‬سياسات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الكلي‭ ‬وشفافية‭ ‬البيانات،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الجوانب‭ ‬المؤسسية‭ ‬والبنية‭ ‬الأساسية‭ ‬للأسواق،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬التنظيم‭ ‬المالي‭ ‬وآليات‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭. ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬التصنيف‭ ‬رؤية‭ ‬متكاملة‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬كفاءة‭ ‬الإدارة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وتحقيق‭ ‬قدر‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬الانضباط‭ ‬المالي‭.‬
وفي‭ ‬إطار‭ ‬الجهود‭ ‬الدولية‭ ‬الرامية‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬الدول‭ ‬وتطوير‭ ‬قطاعاتها‭ ‬المالية،‭ ‬عمل‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬والبنك‭ ‬الدولي‭ ‬على‭ ‬إطلاق‭ ‬برنامج‭ ‬مشترك‭ ‬لتقييم‭ ‬القطاع‭ ‬المالي،‭ ‬بهدف‭ ‬قياس‭ ‬كفاءة‭ ‬الأنظمة‭ ‬المالية‭ ‬ومدى‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬الأزمات‭ ‬والتحديات‭ ‬الاقتصادية‭.‬
ومع‭ ‬التحولات‭ ‬العالمية‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬أحداث‭ ‬سبتمبر‭ ‬2001،‭ ‬تصاعد‭ ‬الاهتمام‭ ‬الدولي‭ ‬بمراقبة‭ ‬التدفقات‭ ‬المالية‭ ‬والتأكد‭ ‬من‭ ‬مشروعيتها،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بمكافحة‭ ‬غسيل‭ ‬الأموال‭ ‬ومنع‭ ‬استخدام‭ ‬الأنظمة‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬أنشطة‭ ‬غير‭ ‬قانونية‭ ‬أو‭ ‬مشبوهة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬دفع‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬تشديد‭ ‬الرقابة‭ ‬المالية‭ ‬وتطوير‭ ‬أدوات‭ ‬الامتثال‭ ‬والشفافية‭.‬

المجتمع‭ ‬المدني

ومن‭ ‬اللافت‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬المعايير‭ ‬الدولية‭ ‬الخاصة‭ ‬بالقطاع‭ ‬المالي‭ ‬لا‭ ‬تصدر‭ ‬فقط‭ ‬عن‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬الرسمية،‭ ‬بل‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬إعدادها‭ ‬وتطويرها‭ ‬أيضاً‭ ‬هيئات‭ ‬مهنية‭ ‬متخصصة،‭ ‬مثل‭ ‬جمعيات‭ ‬المحاسبين‭ ‬والمراجعين،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬تنامي‭ ‬دور‭ ‬مؤسسات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬في‭ ‬تنظيم‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬ضبط‭ ‬الأداء‭ ‬المالي‭ ‬والمهني‭.‬
ومع‭ ‬تطور‭ ‬المجتمعات‭ ‬الحديثة،‭ ‬ازدادت‭ ‬أهمية‭ ‬منظمات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬المحلي‭ ‬أو‭ ‬الدولي،‭ ‬إذ‭ ‬باتت‭ ‬تمارس‭ ‬دوراً‭ ‬مؤثراً‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬السياسات‭ ‬العامة‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬قضايا‭ ‬متعددة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬حماية‭ ‬المستهلك‭ ‬والبيئة‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬وتعزيز‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬لتصبح‭ ‬شريكاً‭ ‬فاعلاً‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الحكومات‭ ‬وقوى‭ ‬السوق‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬المشهد‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬العالمي‭.‬
ومع‭ ‬تصاعد‭ ‬دور‭ ‬المعايير‭ ‬الدولية‭ ‬واتساع‭ ‬أدوات‭ ‬الرقابة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬برزت‭ ‬تساؤلات‭ ‬أعمق‭ ‬حول‭ ‬مستقبل‭ ‬النظام‭ ‬الرأسمالي‭ ‬نفسه‭ ‬وحدود‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬السوق‭ ‬والدولة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التحولات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬المتسارعة‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬العالم‭ ‬اليوم‭.‬

مستقبل‭ ‬الرأسمالية‭ ‬بين‭ ‬السوق‭ ‬والدولة

بعد‭ ‬استعراض‭ ‬المراحل‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬مرت‭ ‬بها‭ ‬الرأسمالية،‭ ‬والتحولات‭ ‬التي‭ ‬شهدتها،‭ ‬والتحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬اليوم،‭ ‬يبرز‭ ‬التساؤل‭ ‬الأهم‭ ‬حول‭ ‬مستقبل‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬المتغيرات‭ ‬العالمية‭ ‬المتسارعة‭. ‬وقد‭ ‬أظهرت‭ ‬التجربة‭ ‬التاريخية‭ ‬أن‭ ‬الرأسمالية‭ ‬تقوم‭ ‬أساساً‭ ‬على‭ ‬ركيزتين‭ ‬مترابطتين‭ ‬هما‭ ‬‮«‬السوق‮»‬‭ ‬و«الدولة‮»‬،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬النقاش‭ ‬حول‭ ‬مستقبل‭ ‬الرأسمالية‭ ‬مرتبطاً‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬بمستقبل‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬هذين‭ ‬العنصرين‭ ‬وحدود‭ ‬تأثير‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬في‭ ‬الآخر‭.‬
وتبدو‭ ‬الأسئلة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بهذه‭ ‬العلاقة‭ ‬شديدة‭ ‬التعقيد‭ ‬رغم‭ ‬بساطتها‭ ‬الظاهرية؛‭ ‬فهل‭ ‬يستمر‭ ‬السوق‭ ‬والدولة‭ ‬معاً؟‭ ‬أم‭ ‬يطغى‭ ‬أحدهما‭ ‬على‭ ‬الآخر؟‭ ‬وإذا‭ ‬استمرا،‭ ‬فما‭ ‬الشكل‭ ‬الذي‭ ‬ستأخذه‭ ‬العلاقة‭ ‬بينهما‭ ‬في‭ ‬المستقبل؟‭ ‬ورغم‭ ‬صعوبة‭ ‬تقديم‭ ‬إجابات‭ ‬حاسمة،‭ ‬فإن‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬يتجه‭ ‬نحو‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الترابط‭ ‬والتداخل‭ ‬بفعل‭ ‬الطبيعة‭ ‬التوسعية‭ ‬لاقتصاد‭ ‬السوق،‭ ‬الذي‭ ‬يسعى‭ ‬دائماً‭ ‬إلى‭ ‬تجاوز‭ ‬الحدود‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬مجالات‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬التبادل‭ ‬والتأثير‭.‬
ومن‭ ‬هنا‭ ‬برزت‭ ‬ظاهرة‭ ‬‮«‬العولمة‮»‬‭ ‬باعتبارها‭ ‬امتداداً‭ ‬طبيعياً‭ ‬لمنطق‭ ‬السوق،‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬الاقتصادات‭ ‬أكثر‭ ‬تشابكاً،‭ ‬وتداخلت‭ ‬المصالح‭ ‬التجارية‭ ‬والمالية‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬بصورة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬العالم‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬شبكة‭ ‬مترابطة‭ ‬تتأثر‭ ‬أطرافها‭ ‬ببعضها‭ ‬البعض‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬ومتسارع‭.‬

منطق‭ ‬العولمة

في‭ ‬المقابل،‭ ‬تبقى‭ ‬الدولة‭ ‬محكومة‭ ‬باعتبارات‭ ‬السلطة‭ ‬والسياسة‭ ‬والمصالح‭ ‬الوطنية،‭ ‬وهي‭ ‬اعتبارات‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الاقتصادي‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تشمل‭ ‬أبعاداً‭ ‬قومية‭ ‬وإقليمية‭ ‬وثقافية‭ ‬ودينية‭ ‬أيضاً‭. ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬ترتبط‭ ‬المطالب‭ ‬السياسية‭ ‬برغبات‭ ‬النفوذ‭ ‬والهيمنة‭ ‬وتحقيق‭ ‬المصالح‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يخلق‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التوازن‭ ‬الدائم‭ ‬بين‭ ‬منطق‭ ‬السوق‭ ‬ومنطق‭ ‬السلطة‭.‬
ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬اتساع‭ ‬الترابط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الكلفة‭ ‬الهائلة‭ ‬للصراعات‭ ‬العسكرية‭ ‬الحديثة،‭ ‬دفع‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬تبني‭ ‬سلوك‭ ‬أكثر‭ ‬تعاوناً‭ ‬وواقعية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التحديات‭ ‬المشتركة‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬البشرية،‭ ‬سواء‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أو‭ ‬البيئية‭ ‬أو‭ ‬الأمنية‭. ‬وقد‭ ‬أدركت‭ ‬الدول‭ ‬بصورة‭ ‬متزايدة‭ ‬أن‭ ‬استقرار‭ ‬العالم‭ ‬بات‭ ‬مسؤولية‭ ‬جماعية،‭ ‬وأن‭ ‬المصالح‭ ‬المتبادلة‭ ‬تفرض‭ ‬قدراً‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬التنسيق‭ ‬والتعاون‭ ‬الدولي‭.‬
وفي‭ ‬ضوء‭ ‬التقدم‭ ‬التكنولوجي‭ ‬المتسارع‭ ‬والتجربة‭ ‬التاريخية‭ ‬الطويلة‭ ‬للنظم‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬‮«‬اقتصاد‭ ‬السوق‮»‬‭ ‬سيستمر‭ ‬بأشكال‭ ‬متطورة‭ ‬وأكثر‭ ‬مرونة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬ستظل‭ ‬حاضرة‭ ‬بوصفها‭ ‬إطاراً‭ ‬تنظيمياً‭ ‬وسياسياً‭ ‬ضرورياً‭ ‬لإدارة‭ ‬المجتمعات‭ ‬وحماية‭ ‬المصالح‭ ‬الوطنية‭. ‬وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬السوق‭ ‬والدولة‭ ‬مرشحة‭ ‬للاستمرار‭ ‬ضمن‭ ‬صيغ‭ ‬جديدة‭ ‬تتأثر‭ ‬بالظروف‭ ‬المحلية‭ ‬لكل‭ ‬مجتمع،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬تراعي‭ ‬التحولات‭ ‬العالمية‭ ‬المتسارعة‭.‬
التنوع‭ ‬العالمي

ولا‭ ‬يعني‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬نحو‭ ‬العالمية‭ ‬اختفاء‭ ‬الخصوصيات‭ ‬الثقافية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس،‭ ‬فقد‭ ‬ساهم‭ ‬الانفتاح‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬التنوع‭ ‬وإتاحته‭ ‬بصورة‭ ‬أوسع‭. ‬فالثقافات‭ ‬المختلفة‭ ‬أصبحت‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬مدن‭ ‬العالم،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الطعام‭ ‬أو‭ ‬الفنون‭ ‬أو‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬أو‭ ‬أنماط‭ ‬الحياة،‭ ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬المسافات‭ ‬الجغرافية‭ ‬عائقاً‭ ‬أمام‭ ‬انتقال‭ ‬الأفكار‭ ‬والثقافات‭ ‬والتجارب‭ ‬الإنسانية‭.‬
ومع‭ ‬الثورة‭ ‬التكنولوجية‭ ‬ووسائل‭ ‬الاتصال‭ ‬الحديثة،‭ ‬أصبح‭ ‬الإنسان‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬متابعة‭ ‬أحداث‭ ‬العالم‭ ‬لحظة‭ ‬بلحظة‭ ‬من‭ ‬منزله،‭ ‬والتنقل‭ ‬بين‭ ‬ثقافات‭ ‬متعددة‭ ‬عبر‭ ‬شاشة‭ ‬واحدة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬حجم‭ ‬التحول‭ ‬الذي‭ ‬أحدثته‭ ‬العولمة‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬الحياة‭ ‬الإنسانية‭ ‬والعلاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬المعاصرة‭.‬
وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬المتشابك‭ ‬والمتسارع،‭ ‬تبدو‭ ‬‮«‬السوق‮»‬‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التوسع‭ ‬والانتشار،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الامتداد‭ ‬الجغرافي‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دخولها‭ ‬إلى‭ ‬قطاعات‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬النشاط‭ ‬التجاري‭ ‬المباشر‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التوسع‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬مطلقاً‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬المراحل‭ ‬الأولى‭ ‬للرأسمالية،‭ ‬بل‭ ‬سيخضع‭ ‬لقدر‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الضوابط‭ ‬والتنظيمات‭ ‬التي‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬المستهلك،‭ ‬وتعزيز‭ ‬وعي‭ ‬المستثمر،‭ ‬وضمان‭ ‬الاستخدام‭ ‬الرشيد‭ ‬للموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬المحدودة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬فرض‭ ‬مستويات‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬الشفافية‭ ‬والمساءلة‭.‬

السوق‭ ‬العالمية

وقد‭ ‬شهدت‭ ‬السوق‭ ‬عبر‭ ‬تاريخها‭ ‬تحولات‭ ‬متتابعة؛‭ ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬محصورة‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬القرية‭ ‬أو‭ ‬الإقليم،‭ ‬توسعت‭ ‬لتصبح‭ ‬سوقاً‭ ‬وطنية‭ ‬تشمل‭ ‬حدود‭ ‬الدولة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬عالمية‭ ‬مترابطة‭ ‬تمتد‭ ‬عبر‭ ‬مختلف‭ ‬القارات‭. ‬واليوم‭ ‬أصبحت‭ ‬الشركات‭ ‬الكبرى‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الفروع‭ ‬المباشرة‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬أنظمة‭ ‬الامتياز‭ ‬التجاري‭ ‬والعلامات‭ ‬التجارية‭ ‬العالمية،‭ ‬حتى‭ ‬بات‭ ‬المستهلك‭ ‬يجد‭ ‬الأسماء‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬المطاعم‭ ‬والفنادق‭ ‬ومتاجر‭ ‬الملابس‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬العواصم‭ ‬والمدن‭ ‬الكبرى‭.‬
ولم‭ ‬يعد‭ ‬تأثير‭ ‬العولمة‭ ‬مقتصراً‭ ‬على‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬إلى‭ ‬الثقافة‭ ‬والإعلام‭ ‬والفنون‭ ‬والكتب‭ ‬والمنتجات‭ ‬الترفيهية،‭ ‬ما‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬تقارب‭ ‬الأذواق‭ ‬وأنماط‭ ‬الاستهلاك‭ ‬بين‭ ‬الشعوب‭. ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬الواقع،‭ ‬أصبح‭ ‬المستثمر‭ ‬الجديد‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬العالمية‭ ‬باعتبارها‭ ‬المجال‭ ‬الحقيقي‭ ‬للنمو،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬توسيع‭ ‬الإنتاج‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬شراكات‭ ‬وتحالفات‭ ‬مع‭ ‬شركات‭ ‬دولية‭.‬
كما‭ ‬ساهمت‭ ‬العولمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬ظاهرة‭ ‬الشركات‭ ‬متعددة‭ ‬الجنسيات،‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬تدير‭ ‬شبكات‭ ‬إنتاج‭ ‬واسعة‭ ‬موزعة‭ ‬على‭ ‬عدة‭ ‬دول،‭ ‬بحيث‭ ‬تتركز‭ ‬الصناعات‭ ‬المعقدة‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة،‭ ‬بينما‭ ‬تنتقل‭ ‬الصناعات‭ ‬الأقل‭ ‬تكلفة‭ ‬إلى‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬عمالة‭ ‬أرخص‭ ‬أو‭ ‬موارد‭ ‬أولية‭ ‬أوفر‭. ‬ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬تغيرت‭ ‬طبيعة‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬أيضاً،‭ ‬فلم‭ ‬يعد‭ ‬العامل‭ ‬مرتبطاً‭ ‬بالسوق‭ ‬المحلية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬إنتاج‭ ‬عالمية‭ ‬تعمل‭ ‬عبر‭ ‬الحدود‭ ‬والقارات‭.‬

الرقابة‭ ‬الاقتصادية

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬فرضت‭ ‬التطورات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والأزمات‭ ‬المالية‭ ‬المتلاحقة‭ ‬ضرورة‭ ‬تشديد‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬والإدارية،‭ ‬مع‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬سلامة‭ ‬البيانات‭ ‬المالية‭ ‬ورفع‭ ‬مستويات‭ ‬الشفافية‭ ‬والانضباط‭. ‬وقد‭ ‬أثبتت‭ ‬الأزمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الحديثة‭ ‬أن‭ ‬القطاع‭ ‬المالي‭ ‬يحتل‭ ‬موقعاً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬استقرار‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬تدخل‭ ‬الدول‭ ‬والجهات‭ ‬الرقابية‭ ‬أمراً‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنه‭ ‬لحماية‭ ‬الأسواق‭ ‬ومنع‭ ‬الانهيارات‭ ‬المالية‭.‬
ومن‭ ‬هنا‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬مستقبل‭ ‬اقتصاد‭ ‬السوق‭ ‬يتجه‭ ‬نحو‭ ‬معادلة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الانفتاح‭ ‬والتوسع‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ومزيد‭ ‬من‭ ‬الرقابة‭ ‬والتنظيم‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬بحيث‭ ‬يصبح‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬مرتبطاً‭ ‬بالمسؤولية‭ ‬والشفافية‭ ‬والالتزام‭ ‬بالقواعد‭ ‬الدولية‭.‬
أما‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الدولة،‭ ‬فمن‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬يتوسع‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬توفير‭ ‬الخدمات‭ ‬والسلع‭ ‬العامة‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬مع‭ ‬التحديات‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬فرضها‭ ‬النمو‭ ‬السكاني‭ ‬والتوسع‭ ‬العمراني‭ ‬وارتفاع‭ ‬متوسط‭ ‬الأعمار‭. ‬فالقضايا‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالنقل‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬والرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬والتعليم‭ ‬والتنظيم‭ ‬الحضري‭ ‬أصبحت‭ ‬من‭ ‬الملفات‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬تتطلب‭ ‬حضوراً‭ ‬أكبر‭ ‬للدولة‭ ‬وقدرة‭ ‬أعلى‭ ‬على‭ ‬التخطيط‭ ‬والإدارة‭.‬
كذلك،‭ ‬فإن‭ ‬ارتفاع‭ ‬معدلات‭ ‬الأعمار‭ ‬وتزايد‭ ‬أعداد‭ ‬كبار‭ ‬السن‭ ‬سيجعلان‭ ‬أنظمة‭ ‬الضمان‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬ستواجه‭ ‬الحكومات‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬المقبلة،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬دور‭ ‬الدولة‭ ‬لن‭ ‬يتراجع،‭ ‬بل‭ ‬سيعاد‭ ‬تشكيله‭ ‬بما‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬احتياجات‭ ‬المجتمعات‭ ‬الحديثة‭ ‬ومتطلبات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬الجديد‭.‬
وفي‭ ‬المحصلة،‭ ‬تبدو‭ ‬الرأسمالية‭ ‬اليوم‭ ‬أقل‭ ‬اندفاعاً‭ ‬وأكثر‭ ‬ميلاً‭ ‬إلى‭ ‬التنظيم‭ ‬مقارنة‭ ‬بمراحلها‭ ‬السابقة،‭ ‬فهي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬حرية‭ ‬السوق‭ ‬المطلقة،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬مرتبطة‭ ‬بشبكة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬القوانين‭ ‬والضوابط‭ ‬والمعايير‭ ‬الدولية‭ ‬التي‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاستقرار‭ ‬الاجتماعي‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬التجارب‭ ‬التاريخية‭ ‬والأزمات‭ ‬المتكررة‭ ‬أثبتت‭ ‬أن‭ ‬الرأسمالية‭ ‬ليست‭ ‬نظاماً‭ ‬جامداً‭ ‬أو‭ ‬ثابتاً،‭ ‬بل‭ ‬نظام‭ ‬يتطور‭ ‬باستمرار‭ ‬وفق‭ ‬المتغيرات‭ ‬السياسية‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬والاجتماعية‭. ‬ولهذا،‭ ‬فإن‭ ‬مستقبل‭ ‬الرأسمالية‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬خروجاً‭ ‬من‭ ‬السوق‭ ‬أو‭ ‬عودة‭ ‬كاملة‭ ‬إلى‭ ‬سيطرة‭ ‬الدولة،‭ ‬بل‭ ‬استمراراً‭ ‬لمحاولات‭ ‬التوفيق‭ ‬بين‭ ‬حرية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬ومتطلبات‭ ‬العدالة‭ ‬والاستقرار‭ ‬والتنظيم‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬يزداد‭ ‬ترابطاً‭ ‬وتعقيداً‭ ‬يوماً‭ ‬بعد‭ ‬يوم‭.‬

رجوع لأعلى