تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الغاز‭ ‬الأميركي‭ ‬يدعم‭ ‬قطر‭.. ‬والخصومات‭ ‬تطارد‭ ‬النفط

الغاز‭ ‬الأميركي‭ ‬يدعم‭ ‬قطر‭.. ‬والخصومات‭ ‬تطارد‭ ‬النفط

شهدت أسواق الطاقة العالمية خلال الأسبوع تحولات لافتة، مع تصاعد الضغوط على تجارة النفط والغاز بسبب اضطرابات الملاحة وارتفاع تكاليف الشحن. ودفع ذلك المنتجين إلى البحث عن بدائل لحماية صادراتهم وحصصهم السوقية، بعدما أصبحت المنافسة مرتبطة ليس فقط بحجم الإنتاج والأسعار، بل أيضاً بتكلفة وصول الشحنات إلى المستهلكين وقدرة الشركات على تجاوز المخاطر الجيوسياسية.
وتصدرت قطر المشهد بإبرام اتفاقيتين لشراء الغاز الطبيعي المسال الأميركي، في خطوة تعزز مرونة محفظتها التجارية، بينما أكدت أرامكو السعودية انخفاض تكلفة استخراج النفط لديها، بالتزامن مع خطط لتوسيع قدرات التصدير. في المقابل، تعرضت خامات كندا وغيانا وأنغولا وجمهورية الكونغو لخصومات كبيرة، فيما خفف الاتحاد الأوروبي موقفه من حظر تطوير موارد النفط والغاز في القطب الشمالي، وسط تنامي المخاوف بشأن أمن الطاقة.

صفقات الغاز
وقعت قطر للطاقة، في 22 أكتوبر، اتفاقيتين طويلتي الأجل مع شركة «شينيير إنرجي» الأميركية لشراء ما يصل إلى 4 ملايين طن سنوياً من الغاز الطبيعي المسال، اعتباراً من 2031 وحتى نهاية 2054. وتوزعت الكميات بالتساوي بين منشأتي «سابين باس» في لويزيانا و«كوربوس كريستي» في تكساس، بواقع مليوني طن سنوياً من كل منشأة.
وترتبط الأسعار بمؤشر «هنري هب» الأميركي، مضافاً إليه رسم ثابت، بينما تتولى قطر للطاقة ترتيبات الشحن. ويخضع مليون طن سنوياً من إمدادات «سابين باس» لصدور قرار استثماري نهائي بشأن المرحلة الأولى من توسعة المنشأة، وتمنح الاتفاقيتان قطر قدرة أكبر على توجيه الشحنات إلى أوروبا وآسيا وفق الطلب وفروق الأسعار، دون الاعتماد الكامل على إنتاجها المحلي. غير أن الجدوى الاقتصادية ستتوقف على الفارق بين تكاليف الشراء والنقل والتأمين وأسعار إعادة البيع، خصوصاً مع احتدام المنافسة بين كبار مصدري الغاز المسال.
خسائر الصادرات

تأتي الاتفاقيات في وقت تواجه فيه قطر ضغوطاً نتيجة اضطرابات الملاحة عبر مضيق هرمز وتضرر جزء من طاقتها الإنتاجية في رأس لفان. ووفق حسابات «بلومبرغ»، قد يكلف توقف صادرات الغاز من رأس لفان نحو مليار دولار أسبوعياً من المبيعات الضائعة، استناداً إلى أسعار العقود طويلة الأجل.
وتزامنت هذه التطورات مع توقعات صندوق النقد الدولي بانكماش الاقتصاد القطري بنسبة 15.6 % خلال 2026، مقارنة بتقدير سابق بلغ 8.6 %. ورغم أهمية الاتفاقيات الأميركية، فإنها لا تقدم حلاً فورياً، إذ تبدأ عمليات التسليم في 2031، ما يجعلها أداة لتعزيز الحصة السوقية على المدى الطويل.

تكلفة الإنتاج
في السعودية، أكد رئيس أرامكو وكبير إدارييها التنفيذيين أمين الناصر أن تكلفة استخراج برميل النفط لدى الشركة ظلت عند نحو 3 دولارات طوال 20 عاماً، رغم التضخم وارتفاع تكاليف التشغيل.
وأوضح، خلال مقابلة مع «العربية Business»، أن التطور التقني وتحسين الكفاءة أسهما في تثبيت التكلفة، مشيراً إلى أن تطبيقات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي حققت للشركة قيمة تجاوزت 11 مليار دولار بين 2023 و2025. وتتوقع أرامكو قيمة سنوية بين ملياري و4 مليارات دولار خلال السنوات المقبلة نتيجة التوسع في التقنيات الحديثة.
ويمنح انخفاض تكلفة الاستخراج أرامكو ميزة تنافسية، خصوصاً خلال فترات تراجع الأسعار، مع ضرورة التمييز بين تكلفة الاستخراج المباشرة والتكلفة الإجمالية للإنتاج.

بدائل التصدير
تعمل أرامكو على رفع الطاقة الاستيعابية لخط أنابيب شرق غرب من نحو 7 ملايين برميل يومياً إلى 10 ملايين برميل، إلى جانب دراسة مسارات تصدير إضافية وزيادة التخزين خارج المملكة، خصوصاً في آسيا.
وقال الناصر إن الخط ساهم في الحد من ارتفاع أسعار النفط خلال الأزمة الحالية، التي أدت، وفق تقديراته، إلى فقدان نحو 3 مليارات برميل من الإمدادات، في وقت كانت فيه المخزونات العالمية منخفضة. وتوقع ارتفاع الطلب العالمي بنحو 3 ملايين برميل يومياً بعد انتهاء الأزمة، منها مليونا برميل لتعافي الاستهلاك ومليون لإعادة بناء المخزونات.
وفي الغاز، تستهدف أرامكو زيادة الإنتاج 80 % بحلول 2030 مقارنة بمستويات 2021، مع تطوير مشروع الجافورة وشبكات النقل، ودراسة فرص التصدير بعد تلبية الطلب المحلي. وتؤكد هذه الخطط أن تنويع مسارات التصدير أصبح ضرورة، بعدما أثبتت الاضطرابات أن وفرة الإنتاج لا تضمن وصوله إلى الأسواق.

خصومات النفط
تعرضت خامات كندا وغيانا وأنغولا وجمهورية الكونغو لضغوط بسبب ارتفاع تكاليف الشحن، ما دفع المنتجين إلى تقديم خصومات لتعويض المشترين عن تكلفة النقل.
في كندا، اتسع الخصم على خام «ويسترن كنديان سيليكت» إلى 26.40 دولاراً للبرميل مقارنة بخام غرب تكساس الوسيط، في تقييم 15 أكتوبر لشحنات نوفمبر، وفق «رويترز».
وفي غيانا، سجلت خامات «بايارا غولد» و«ليزا» و«يونايتد غولد» و«غولدن أروهيد» أضعف مستوياتها مقارنة ببرنت المؤرخ منذ بدء تقييماتها في 2023، وفق «إس آند بي غلوبال بلاتس». وبلغ خصم «بايارا غولد» نحو 16.05 دولاراً للبرميل، بعدما اتسع 6.55 دولارات خلال يوم واحد.
وفي جمهورية الكونغو، اتسع خصم خام «دجينو» إلى 26.10 دولاراً للبرميل مقارنة ببرنت، بينما جرى تداول خام «هونغو» الأنغولي بخصم 19.60 دولاراً.
وتوضح هذه المستويات أن ارتفاع الأسعار العالمية لا يضمن زيادة عوائد جميع المنتجين، إذ قد تلتهم تكاليف الشحن والتأمين جزءاً كبيراً من القيمة المحققة، خصوصاً للخامات البعيدة عن الأسواق. كما تؤثر وفرة المعروض وجودة الخام ومتطلبات المصافي في حجم الخصم.

القطب الشمالي
خفف الاتحاد الأوروبي موقفه من فرض حظر دولي ملزم على تطوير موارد النفط والغاز في القطب الشمالي، بعدما حذف من استراتيجيته الجديدة الصادرة في 20 أكتوبر الدعوة إلى اتفاق متعدد الأطراف يمنع تطوير احتياطيات جديدة.
وكانت استراتيجية 2021 تدعو إلى حظر تطوير الموارد الجديدة وشراء إنتاجها، لكن الوثيقة الجديدة تخلت عن هذا الالتزام، مع استمرار الدعوة إلى إبقاء النفط والغاز والفحم في باطن الأرض.
ويعكس التحول تزايد أولوية أمن الطاقة، خصوصاً للدول الأوروبية الساعية إلى تنويع الإمدادات وتقليل مخاطر الاضطرابات. وتبرز النرويج، التي تطور مواردها في بحر بارنتس والمناطق الشمالية، رغم توقعات تراجع إنتاجها خلال ثلاثينيات القرن الحالي.
ولا يعني التراجع التخلي عن الأهداف المناخية، بل يعكس محاولة للموازنة بين حماية البيئة وضمان الإمدادات.

أمن الإمدادات يحسم المنافسة
تؤكد التطورات أن المنافسة في أسواق الطاقة لم تعد تعتمد على الإنتاج والأسعار فقط، بل على تأمين طرق النقل وتنويع الإمدادات والتحكم في التكاليف. فبينما تعزز قطر مرونة تجارتها، توسع السعودية قدراتها التصديرية، ويواجه منتجون آخرون ضغوطاً بسبب الشحن والخصومات.
وفي ظل المخاطر الجيوسياسية، ستظل قدرة الدول والشركات على إيصال النفط والغاز إلى المستهلكين بأقل تكلفة وأعلى أمان عاملاً حاسماً في تحديد المستفيدين من تحولات سوق الطاقة.

رجوع لأعلى