بنوك الصين تواجه إعادة هيكلة واسعة
يمر القطاع المصرفي في الصين بمرحلة تحول واسعة تهدف إلى إعادة هيكلة النظام المالي واحتواء المخاطر المتراكمة، مع الحفاظ على ضخ السيولة لدعم الاقتصاد الحقيقي.
أبرز ملامح وضع القطاع المصرفي
في الصين حالياً:
أولاً: إغلاق ودمج البنوك الصغيرة والريفية
شهد عام 2025 تراجعاً واسعاً في أعداد المؤسسات المصرفية الصغيرة والريفية، من خلال عمليات دمج وتصفية أطلقتها بكين للحد من القروض المتعثرة وضعف الحوكمة.
أبرز أرقام وواقع القطاع المصرفي الصيني (وفقاً لتقارير وكالة «فيتش» وتحليلات 2025 و2026):
● حجم الإغلاق والدمج:
أغلقت السلطات الصينية 670 مؤسسة إقراض (بنوك صغيرة وريفية) خلال عام 2025، وهو ما يعادل تقريباً ربع عدد البنوك في البلاد.
● الأهداف الرسمية:
تسعى بكين من خلال هذه السياسة إلى تشكيل عدد أقل من البنوك، ولكن بحجم أكبر، ورؤوس أموال أقوى، ورقابة أفضل، مع الحد من استغلال الفجوات التنظيمية.
● تراجع الأداء المالي:
- انخفض العائد على الأصول لدى البنوك الريفية ليصل إلى 0.45 % في النصف الأول من العام، مقارنة بـ0.56 % في عام 2021.
- ارتفعت نسبة القروض المتعثرة إلى 2.8 %، وهي أعلى بكثير من متوسط القطاع المصرفي العام البالغ 1.5 %.
أبرز نقاط الضعف في البنوك الصغيرة:
- تدني جودة الأصول وضغوط الديون المتراكمة.
- ضعف مستويات الرسملة وسوء الحوكمة، وخاصة في المناطق الأقل نمواً.
- الانكشاف والتعرض المالي المرتفع للشركات الصغيرة والمطورين العقاريين وأدوات تمويل الحكومات المحلية.
ثانياً: هيمنة البنوك الكبرى المملوكة للدولة
تسيطر «الستة الكبار» (بما في ذلك البنك الصناعي والتجاري الصيني والبنك الزراعي الصيني) على نحو 44 % من إجمالي أصول القطاع المصرفي، وتواصل الدولة دعمها عبر ضخ رؤوس أموال جديدة.
يشكل النظام المصرفي في الصين نموذجاً فريداً من نوعه عالمياً؛ إذ لا يعتمد على آليات السوق الحرة البحتة كما في الغرب، بل تحكمه هيمنة واسعة للبنوك الكبرى المملوكة للدولة. هذا الواقع يجعل من هذه البنوك أذرعاً تنفيذية مباشرة للحكومة الصينية لتوجيه الائتمان وتحقيق الطموحات الاقتصادية، مما أسهم في نشوء أضخم الكيانات المالية في التاريخ الحديث.
يتصدر القطاع المصرفي الصيني من حيث الأصول محلياً وعالمياً، ويمر بمرحلة إعادة هيكلة مكثفة لمواجهة تراكم الديون وضغوط الربحية.
● خريطة القوة المالية: قاطرة «الستة الكبار»
تتركز القوة المصرفية في الصين بيد ما يُعرف بـ«الستة الكبار»، وفي مقدمتهم «الأربعة الكبار»، الذين يتصدرون منفردين الترتيب العالمي لأكبر البنوك من حيث الأصول، بمجموع يتجاوز 25 تريليون دولار:
● البنك الصناعي والتجاري الصيني (ICBC):
أكبر بنك في العالم بأصول تقترب من 7.6 تريليونات دولار، ويقدم خدمات شاملة للشركات والأفراد.
● بنك التعمير الصيني (CCB):
يركز بشكل أساسي على تمويل البنية التحتية الضخمة والمشروعات العقارية والمقاولات.
● البنك الزراعي الصيني (ABC):
يمتلك أوسع شبكة فروع تغطي الأرياف لدعم التنمية الزراعية والمشروعات الصغيرة.
● بنك الصين (BOC):
الذراع الدولية الأكثر عولمة، والمتخصص في الصرف الأجنبي وتسويات التجارة الخارجية.
● بنك الاتصالات (BoCom) وبنك التوفير البريدي الصيني (PSBC):
يكملان قائمة «الستة الكبار»، التي تحوز وحدها على نحو 44 % من إجمالي أصول القطاع المصرفي الصيني.
واقع القطاع وآليات الهيمنة:
● الإقراض الموجه سياسياً:
لا تُقرض هذه البنوك بناءً على تعظيم أرباح المساهمين فقط، بل توجه السيولة إلى أولويات الحزب الحاكم، مثل مشروعات «الحزام والطريق»، والطاقة النظيفة، وأشباه الموصلات.
● التحصين ضد الأزمات النظامية:
تمتلك وزارة المالية وصناديق حكومية، مثل «سنترال هويجين» (Central Huijin)، حصص الأغلبية. ويساعد هذا الدعم السيادي على الحد من مخاطر حدوث حالات «الذعر المالي» أو سحب الودائع الجماعي، نظراً إلى الدعم الحكومي للنظام المصرفي.
● أداة لامتصاص المدخرات:
تحد قيود رأس المال الصارمة من قدرة المواطنين على نقل أموالهم إلى الخارج، مما يسهم في توجيه الودائع الضخمة للشعب الصيني إلى هذه البنوك لتمويل النمو.
ثالثاً: حزم الدعم وإعادة الرسملة
أعلنت الصين عن حزم دعم وإعادة رسملة غير مسبوقة للقطاع المالي، تهدف إلى تعزيز القدرة الرأسمالية للمؤسسات الكبرى وحماية الاستقرار الاقتصادي، في ظل تباطؤ النمو وضغوط الديون العقارية.
أبرز تفاصيل حزم الدعم وإعادة الرسملة (سبتمبر وأكتوبر 2026):
● ضخ أموال لإعادة رسملة البنوك وشركات التأمين:
أعلنت وزارة المالية الصينية عن خطة لضخ نحو 300 مليار يوان (نحو 45 إلى 53.6 مليار دولار أميركي)، عبر إصدار سندات خزانة خاصة تستهدف ثماني مؤسسات مالية كبرى، تشمل بنوكاً حكومية كبرى، مثل البنك الصناعي والتجاري الصيني والبنك الزراعي الصيني، إضافة إلى شركات تأمين، مثل «تشاينا لايف» وشركة التأمين الشعبية الصينية.
● تيسير السياسة النقدية من البنك المركزي:
خفّض بنك الشعب الصيني سعر الفائدة لأجل عام واحد على برنامج «تسهيل الإقراض التكميلي المضمون» (PSL) بمقدار 25 نقطة أساس، ليصل إلى 1.5 %، لدعم المشروعات الاستراتيجية ومبادرة «الشبكات الست»، التي تشمل شبكات المياه والطاقة والحوسبة والاتصالات وخطوط الأنابيب والخدمات اللوجستية.
● دمج وتصفية البنوك الصغيرة:
كثفت بكين عمليات دمج وتصفية البنوك الريفية والصغيرة، حيث أُغلق أو دُمج عدد قياسي بلغ نحو 670 مؤسسة مالية خلال عام 2025، لتعزيز متانة النظام المصرفي.
● أدوات جديدة لدعم السيولة:
أعلن محافظ البنك المركزي الصيني عن إنشاء أداة جديدة لدعم السيولة، لمواجهة عمليات الاسترداد واسعة النطاق في المؤسسات المالية غير المصرفية ومديري الصناديق وشركات التأمين.
رابعاً: الضغط على الأرباح والقطاع العقاري
تواجه المصارف ضغوطاً ناجمة عن تباطؤ النمو الاقتصادي واستمرار أزمة القطاع العقاري، وتراجع العائد على الأصول في البنوك الصغيرة إلى مستويات منخفضة تبلغ نحو 0.45 %.
واقع القطاع العقاري وتأثيره:
● انكماش الاستثمار العقاري:
انخفض الاستثمار في التطوير العقاري بنسبة 20.6 % خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
● تراجع إيرادات الأراضي:
انخفضت إيرادات الحكومات المحلية من مبيعات الأراضي بنسب تتراوح بين 27.9 % و28.6 % على أساس سنوي، مما تسبب في تآكل مصدر حيوي لتمويل الموازنات المحلية، وزاد الضغوط على النظام المالي المرتبط بالبنية التحتية والمقاطعات.
● ضعف الثقة والطلب:
انعكس ركود العقارات سلباً على ثقة الأسر، ودفعها إلى زيادة الادخار وتأجيل المشتريات، مما أبقى الطلب المحلي ضعيفاً، وجعل الاقتصاد يعتمد بشكل كبير على الصادرات.
خامساً: تطوير آليات الدفع البديلة
تستمر الصين في توسيع نظام الدفع عبر الحدود (CIPS)، بوصفه بديلاً لنظام «سويفت» العالمي، لتعزيز مكانة اليوان دولياً.
ويشهد المشهد المالي في الصين تحولاً جذرياً يجمع بين ريادة أنظمة الدفع البديلة وإعادة هيكلة شاملة للقطاع المصرفي التقليدي. ويأتي هذا التحول مدفوعاً بالدعم الحكومي الاستراتيجي وتكامل التكنولوجيا الرقمية المتقدمة.
1 - واقع وتطور آليات الدفع البديلة في الصين
تجاوزت الصين الأنظمة التقليدية القائمة على البطاقات البلاستيكية، وانتقلت مباشرة من النقد إلى الاقتصاد الرقمي الشامل. وتتمحور آليات الدفع البديلة حول المحاور التالية:
● هيمنة المحافظ الرقمية العملاقة:
تسيطر شركتا «علي باي» (Alipay)، التابعة لمجموعة «علي بابا»، و«وي تشات باي» (WeChat Pay)، التابعة لمجموعة «تينسنت»، على أكثر من 94 % من حجم معاملات الدفع الرقمي عبر الهواتف المحمولة.
ويتجاوز عدد المستخدمين النشطين لهذه المحافظ مليار مستخدم، حيث يعتمد النظام بصورة أساسية على مسح رموز الاستجابة السريعة (QR Codes) والتعرف البيومتري.
2 - النقلة النوعية لليوان الرقمي (e-CNY)
التحول إلى ودائع رقمية بفائدة:
تحول اليوان الرقمي من مجرد أداة دفع شبيهة بالنقد (M0) إلى شكل من أشكال الودائع النقدية الرقمية التي تمنح فوائد لأصحابها. وأسهمت هذه الخطوة في دمج المحافظ الرقمية ضمن التزامات الميزانية العمومية للبنوك التجارية، مع توفير تأمين على هذه الإيداعات.
● العقود الذكية وسلسلة الكتل:
جرت ترقية النظام ليدمج خدمات سلسلة الكتل (البلوك تشين) والعقود الذكية، مما يتيح للمؤسسات المالية مرونة أكبر في تمويل التجارة وإدارة السيولة.
● حجم التداول:
بلغت المعاملات التراكمية باليوان الرقمي نحو 31 تريليون يوان (نحو 4.61 تريليونات دولار أميركي)، مسجلة قفزات نمو سنويـة تتجـاوز 120 % في قيم التداول.
3 - أنظمة الدفع الدولي والتحويلات العابرة للحدود
● منصة (CBETS):
أطلق بنك الشعب الصيني (البنك المركزي) منصة لخدمات تحويل اليوان الرقمي عبر الحدود، وانضمت إليها عشرات المؤسسات المالية الكبرى، مثل «ستاندرد تشارترد» (Standard Chartered)، لربط المدفوعات الرقمية على مدار الساعة مع البنوك الخارجية.
● نظام CIPS البديل لـSWIFT:
يواصل نظام المدفوعات بين البنوك عبر الحدود (CIPS) التوسع عالمياً، بدعم من بنوك كبرى، مثل «إتش إس بي سي» في هونغ كونغ، لتسهيل التجارة والاستثمار باليوان، وتقليل الاعتماد على الدولار الأميركي وأنظمة التحويل التقليدية.
● مشروع mBridge للعملات الرقمية:
رغم انسحاب بعض الأطراف الإقليمية والدولية، مثل بنك التسويات الدولية، تستمر الصين في تطوير البنية التحتية متعددة الأطراف لتسوية المدفوعات الدولية بالعملات الرقمية للبنوك المركزية، بهدف خفض تكاليف التحويل إلى النصف.