الفائدة المرتفعة تكبح بريق الذهب
افتقد الذهب الزخم في تعاملات الثلاثاء، مع استقرار الأسعار قرب مستوياتها الأخيرة تحت ضغط توقعات بقاء أسعار الفائدة الأميركية مرتفعة لفترة أطول، فيما ينتظر المستثمرون تصريحات جديدة من مسؤولي مجلس الاحتياطي الفيدرالي للحصول على إشارات بشأن المسار المقبل للسياسة النقدية. وبحلول الساعة 04:54 بتوقيت غرينتش، استقر الذهب في المعاملات الفورية تقريباً عند 4342.41 دولاراً للأوقية، بينما تراجعت العقود الأميركية الآجلة 0.1 % إلى 4379.30 دولاراً.
وتأتي حالة الهدوء بعد أن أعاد الفيدرالي تشديد السياسة النقدية الأسبوع الماضي، برفع أسعار الفائدة ربع نقطة مئوية، مع الإشارة إلى إمكانية تنفيذ زيادات إضافية خلال الأشهر المقبلة. وأدى ذلك إلى إضعاف أحد المحركات التقليدية لأسعار الذهب، إذ ترتفع تكلفة الفرصة البديلة لحيازة المعدن الذي لا يقدم عائداً عندما تصبح السندات والأدوات النقدية أكثر جاذبية للمستثمرين.
وتتسم معادلة الذهب الحالية بالتعقيد، إذ يستفيد المعدن عادة من تصاعد التضخم والمخاطر الجيوسياسية بوصفه أداة للتحوط، لكنه يتعرض في المقابل للضغط عندما تدفع المخاوف التضخمية البنوك المركزية إلى رفع الفائدة. ولذلك أصبحت الأسواق تراقب ليس فقط التطورات السياسية، وإنما أيضاً مدى انعكاس أسعار النفط والسلع على التضخم الأميركي وقرارات الفيدرالي المقبلة.
رهان الفيدرالي
يتركز اهتمام المستثمرين هذا الأسبوع على تصريحات مسؤولي مجلس الاحتياطي الفيدرالي بحثاً عن مؤشرات توضح ما إذا كانت زيادة سبتمبر بداية مرحلة جديدة من التشديد النقدي أم تحركاً محدوداً لاحتواء الضغوط التضخمية. ويكتسب اجتماع أكتوبر أهمية متزايدة بعدما أظهر مسؤولو البنك استعداداً للتحرك مجدداً إذا استمرت الأسعار في الارتفاع.
وقال ألبرتو موسالم، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس، إن البنك المركزي سيحتاج على الأرجح إلى رفع الفائدة بدرجة أكبر لمواجهة التضخم الناتج عن قوة الطلب وصدمات أسعار السلع الأولية، التي لم تعد مقتصرة على النفط. وأشار إلى أن التحرك المبكر قد يكون أفضل من الانتظار، ما عزز الاعتقاد بأن السياسة النقدية الأميركية يمكن أن تظل مشددة خلال الفترة المقبلة.
وبالنسبة إلى الذهب، فإن استمرار هذا التوجه يعني مواجهة منافسة أكبر من الأصول المدرة للعائد. فعندما ترتفع عوائد السندات الأميركية، يصبح الاحتفاظ بالمعدن أقل جاذبية نسبياً، خصوصاً للمستثمرين الباحثين عن الدخل. كما يمكن لارتفاع الفائدة أن يدعم الدولار، ما يزيد تكلفة شراء الذهب بالنسبة إلى حائزي العملات الأخرى.
ولهذا لم تكن المخاطر الجيوسياسية الحالية كافية لمنح الذهب موجة صعود جديدة، إذ يوازن المستثمرون بين الطلب على الملاذات الآمنة وبين احتمالات استمرار التشديد النقدي. ويظل أي تغير في لهجة مسؤولي الفيدرالي قادراً على تحريك الأسعار سريعاً، خصوصاً إذا أظهر انقساماً بشأن الحاجة إلى رفع الفائدة مجدداً.
معضلة النفط
دخل النفط بدوره بقوة في حسابات سوق الذهب، لأنه أصبح أحد أهم المؤشرات التي يراقبها المستثمرون لتقدير اتجاه التضخم. وقال كريس ويستون، رئيس قسم الأبحاث في «بيبرستون»، إن التركيز هذا الأسبوع سينصب على أسعار الخام وتصريحات مسؤولي الفيدرالي، لتحديد ما إذا كان البنك المركزي يميل إلى زيادة الفائدة مرة أخرى في أكتوبر.
ويرى ويستون أن تراجع النفط قليلاً عن مستوياته المرتفعة الأخيرة خفف جانباً من الضغوط، لكن أي ارتداد قوي يمكن أن يعزز توقعات التضخم ويعيد التركيز إلى احتمال تشديد السياسة النقدية، وهو سيناريو قد يبقي الذهب تحت الضغط.
وارتفعت أسعار النفط الثلاثاء للمرة الأولى في خمس جلسات، مع ترقب الأسواق تطورات المحادثات المحتملة بين الولايات المتحدة وإيران على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وأصبحت أسعار الطاقة شديدة الحساسية لأي إشارة تتعلق بمسار التوترات في الشرق الأوسط وحركة الإمدادات، ما يجعلها عاملاً يصعب تجاهله عند تقييم اتجاه الذهب.
وتتمثل المفارقة في أن ارتفاع النفط الناتج عن التوترات الجيوسياسية قد يدعم الذهب في البداية باعتباره ملاذاً آمناً، لكنه قد يعمل في الاتجاه المعاكس إذا أدى استمرار ارتفاع الخام إلى زيادة التضخم ودفع الفيدرالي نحو مزيد من رفع الفائدة. وهكذا أصبح تأثير النفط على المعدن الأصفر مرتبطاً برد فعل السياسة النقدية بقدر ارتباطه بالمخاطر السياسية نفسها.
ذهب عالق بين قوتين
تزداد الصورة تعقيداً مع استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، بما فيها التطورات في اليمن والتحركات المرتبطة بالحوثيين، إلى جانب حالة الترقب المحيطة بإمكانية إجراء محادثات أميركية إيرانية في نيويورك. وعادة ما توفر مثل هذه الأوضاع أرضية داعمة للذهب، لكن قوة تأثيرها تتوقف حالياً على ما إذا كانت ستقود إلى ارتفاع جديد في أسعار الطاقة والتضخم.
وبذلك يجد الذهب نفسه بين قوتين متعاكستين: مخاطر سياسية واقتصادية تعزز الحاجة إلى التحوط والملاذات الآمنة، وسياسة نقدية أميركية أكثر تشدداً تزيد جاذبية الأصول التي تدر عائداً. وسيكون العامل الحاسم خلال الفترة المقبلة هو الاتجاه الذي ستتخذه توقعات الفائدة، خصوصاً مع اقتراب اجتماع أكتوبر. فإذا هدأت أسعار النفط وتراجعت المخاوف التضخمية، فقد تنخفض الضغوط النقدية التي تكبح الذهب، أما عودة الخام إلى الارتفاع بقوة بالتزامن مع لهجة متشددة من مسؤولي الفيدرالي فقد تبقي المعدن الأصفر تحت الضغط رغم استمرار التوترات الجيوسياسية.