الفائدة والذكاء الاصطناعي يفتحان جبهتين أمام المستثمرين
دخلت الأسواق العالمية موجة جديدة من التقلبات الثلاثاء، مع اقتراب أسعار النفط من 110 دولارات للبرميل وارتفاع عوائد السندات الأميركية وتراجع الأسهم، بينما يترقب المستثمرون قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي وسط توقعات متزايدة برفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم.
وتزامنت الضغوط النقدية مع عودة القلق إلى قطاع التكنولوجيا، بعدما دعا مسؤولون تنفيذيون بارزون في شركات الذكاء الاصطناعي إلى إبطاء وتيرة تطوير هذه التقنية، لتواجه الأسواق في وقت واحد مخاطر ارتفاع الطاقة والفائدة والشكوك المحيطة بقطاع كان أحد المحركات الرئيسية لصعود الأسهم.
وتراجعت الأسهم الأوروبية والآسيوية الثلاثاء، امتداداً للخسائر التي سجلتها «وول ستريت» في بداية الأسبوع، بينما استفاد الدولار من زيادة التوقعات بأن يتجه «الفيدرالي» إلى رفع تكلفة الاقتراض.
شكل النفط أحد أبرز مصادر القلق، مع اقتراب العقود الآجلة للخام من 110 دولارات للبرميل، في ظل استمرار الأزمة في الشرق الأوسط وعدم ظهور مؤشرات واضحة على انحسارها.
وتجاوزت أسعار الخام مستوى 100 دولار خلال سبتمبر، ما أعاد مخاطر التضخم إلى واجهة اهتمامات المستثمرين والبنوك المركزية، خصوصاً أن ارتفاع أسعار الطاقة ينتقل تدريجياً إلى تكاليف النقل والإنتاج والسلع الاستهلاكية.
وظهرت التداعيات بصورة أكثر وضوحاً في الولايات المتحدة، حيث سجل متوسط أسعار الديزل مستوى قياسياً بلغ نحو 6.27 دولار للغالون، ما يزيد الضغوط على المستهلكين والشركات، ويضيف تحدياً سياسياً للرئيس دونالد ترمب قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
وقالت كبيرة استراتيجيي الاستثمار في «ويلث كلوب» سوزانا ستريتر إن التقلبات التي تضرب الأسواق المالية لا تزال مستمرة، في ظل بقاء أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة وزيادة المخاوف من تأثيرها في التضخم وأسعار الفائدة.
وتزداد حساسية الأسواق تجاه النفط لأن استمرار ارتفاعه قد يجعل مهمة البنوك المركزية أكثر تعقيداً، خصوصاً بعدما كان المستثمرون يراهنون سابقاً على اتجاه تدريجي نحو سياسات نقدية أقل تشدداً.
ويبدأ مجلس الاحتياطي الفيدرالي الثلاثاء اجتماعه لتحديد مسار أسعار الفائدة، وسط توقعات بأن يتجه صانعو السياسة إلى زيادة الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس.
وتعززت هذه الرهانات بعدما أظهرت البيانات الرسمية الصادرة الأسبوع الماضي استمرار التضخم السنوي في الولايات المتحدة عند مستويات أعلى بكثير من مستهدف «الفيدرالي»، وهو ما دفع الأسواق إلى إعادة تسعير توقعاتها للسياسة النقدية ودعم الدولار.
ويضع ارتفاع النفط صناع السياسة أمام تحدٍ إضافي، إذ يمكن لزيادة أسعار الطاقة أن تغذي التضخم مجدداً، في وقت يسعى فيه البنك المركزي إلى منع ترسخ الضغوط السعرية.
ولا تقتصر موجة التشديد على الولايات المتحدة، إذ رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة في منطقة اليورو الأسبوع الماضي، بينما ينتظر المستثمرون قرار بنك إنجلترا الخميس، وسط توقعات بالإبقاء على سعر الفائدة الأساسي دون تغيير في ظل ضعف نمو الاقتصاد البريطاني.
ويكشف التباين بين البنوك المركزية صعوبة الموازنة بين السيطرة على التضخم وحماية النشاط الاقتصادي، خصوصاً إذا بقيت أسعار النفط مرتفعة لفترة طويلة.
وبالتوازي مع الضغوط المرتبطة بالطاقة والفائدة، عادت أسهم التكنولوجيا إلى دائرة البيع مع تصاعد النقاش حول سرعة تطور الذكاء الاصطناعي والمخاطر المحتملة المرتبطة به.
وجاءت موجة القلق بعدما دعا داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» المطورة لنظام «كلود»، إلى إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي، قبل أن تتردد دعوات مماثلة من سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي»، وإيلون ماسك من «سبايس إكس إيه آي».
كما نشرت «مايكروسوفت» الاثنين «مدونة سلوك إنسانية للذكاء الاصطناعي»، شددت فيها على ضرورة بقاء النماذج تحت السيطرة البشرية وعدم تجاوزها سلطة الإنسان.
وفي المقابل، رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب المخاوف من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى القضاء على البشرية، كما عارض الدعوات العالمية إلى فرض ضوابط على التكنولوجيا سريعة التطور.
ويزيد هذا الجدل حالة عدم اليقين المحيطة بأسهم التكنولوجيا، التي تواجه في الوقت نفسه ضغوطاً من ارتفاع عوائد السندات، إذ تقل جاذبية تقييمات شركات النمو كلما ارتفعت تكلفة الأموال والعائد المتاح على أدوات الدخل الثابت.
ثلاثة مخاطر تحاصر المستثمرين
تدخل الأسواق مرحلة حساسة تجمع بين ثلاثة مصادر رئيسية للضغط: نفط يقترب من 110 دولارات، وفائدة أميركية مرشحة للارتفاع، وعودة المخاوف بشأن مستقبل الذكاء الاصطناعي.
ويظل قرار «الفيدرالي» المحطة الأهم في المدى القصير، لكن المستثمرين سيراقبون أيضاً إشاراته بشأن مسار الفائدة المقبلة ومدى تأثير صدمة الطاقة في التضخم. وفي الوقت نفسه، يضيف الجدل داخل صناعة الذكاء الاصطناعي مصدراً جديداً للتقلبات، لتبقى الأسهم العالمية بين ضغوط السياسة النقدية وارتفاع الطاقة والشكوك المتزايدة حول التكنولوجيا.