تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفضاء‭ ‬يواجه‭ ‬خطر‭ ‬الاحتكار‭ ‬الصامت‭ ‬المتصاعد‭ ‬عالمياً

الفضاء‭ ‬يواجه‭ ‬خطر‭ ‬الاحتكار‭ ‬الصامت‭ ‬المتصاعد‭ ‬عالمياً

لم‭ ‬يعد‭ ‬الفضاء‭ ‬مجرد‭ ‬ساحة‭ ‬للاستكشاف‭ ‬العلمي،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬عالمية‭ ‬تعتمد‭ ‬عليها‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬الاتصالات‭ ‬والملاحة‭ ‬وإدارة‭ ‬الكوارث‭ ‬والزراعة‭ ‬والخدمات‭ ‬المالية‭. ‬وتشير‭ ‬تقديرات‭ ‬المنتدى‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الفضائي‭ ‬بلغت‭ ‬قيمته‭ ‬نحو‭ ‬630‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2023،‭ ‬مع‭ ‬توقعات‭ ‬بارتفاعها‭ ‬إلى‭ ‬1‭.‬8‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬بحلول‭ ‬عام‭ ‬2035،‭ ‬مدفوعاً‭ ‬بالاعتماد‭ ‬المتزايد‭ ‬على‭ ‬الخدمات‭ ‬الفضائية‭.‬
ورغم‭ ‬هذا‭ ‬النمو‭ ‬السريع،‭ ‬فإن‭ ‬استدامة‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة‭ ‬ترتبط‭ ‬بعامل‭ ‬أقل‭ ‬ظهوراً‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إيصال‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية‭ ‬إلى‭ ‬المدار‭ ‬المناسب‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب‭ ‬وبكلفة‭ ‬تنافسية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬منظومة‭ ‬الإطلاق‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬عناصر‭ ‬الأمن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭.‬

تركّز‭ ‬متزايد
يكشف‭ ‬تحليل‭ ‬استند‭ ‬إلى‭ ‬بيانات‭ ‬عمليات‭ ‬إطلاق‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬2021‭ ‬ومايو‭ ‬2026‭ ‬أن‭ ‬سوق‭ ‬الإطلاقات‭ ‬يشهد‭ ‬درجة‭ ‬مرتفعة‭ ‬من‭ ‬التركّز،‭ ‬إذ‭ ‬استحوذت‭ ‬عائلة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬مركبات‭ ‬الإطلاق‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬77‭ % ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الحمولات‭ ‬في‭ ‬العينة‭ ‬المقارنة،‭ ‬بعد‭ ‬استبعاد‭ ‬بيانات‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا‭ ‬وأقمار‭ ‬‮«‬ستارلينك‮»‬‭ ‬لضمان‭ ‬دقة‭ ‬المقارنة‭.‬
وأظهرت‭ ‬البيانات‭ ‬إطلاق‭ ‬1697‭ ‬حمولة‭ ‬عبر‭ ‬المزود‭ ‬الأول،‭ ‬مقابل‭ ‬166‭ ‬حمولة‭ ‬فقط‭ ‬لدى‭ ‬ثاني‭ ‬أكبر‭ ‬مزود،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬اعتماداً‭ ‬متزايداً‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬الشركات‭. ‬ويرى‭ ‬التحليل‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬نتج‭ ‬عن‭ ‬النجاح‭ ‬الكبير‭ ‬لتقنيات‭ ‬إعادة‭ ‬استخدام‭ ‬الصواريخ‭ ‬وخدمات‭ ‬الإطلاق‭ ‬التشاركي‭ ‬التي‭ ‬خفضت‭ ‬التكاليف‭ ‬ووسعت‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الفضاء،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬يخلق‭ ‬مخاطر‭ ‬استراتيجية‭ ‬إذا‭ ‬تعرض‭ ‬أحد‭ ‬المزودين‭ ‬الرئيسيين‭ ‬لأي‭ ‬اضطرابات‭ ‬تشغيلية‭ ‬أو‭ ‬تقنية‭.‬

خيارات‭ ‬محدودة
ولا‭ ‬تتوقف‭ ‬آثار‭ ‬هذا‭ ‬التركّز‭ ‬عند‭ ‬خدمات‭ ‬الإطلاق‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬القرارات‭ ‬التشغيلية‭ ‬الخاصة‭ ‬بالأقمار‭ ‬الصناعية‭. ‬فاختيار‭ ‬المدار‭ ‬المناسب‭ ‬يمثل‭ ‬عاملاً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬نجاح‭ ‬المهام‭ ‬المتعلقة‭ ‬بمراقبة‭ ‬الأرض‭ ‬أو‭ ‬الاتصالات‭ ‬أو‭ ‬الملاحة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬والمشغلين‭ ‬الصغار‭ ‬يضطرون‭ ‬إلى‭ ‬قبول‭ ‬المدارات‭ ‬المتاحة‭ ‬ضمن‭ ‬رحلات‭ ‬الإطلاق‭ ‬التشاركي‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬اختيار‭ ‬المدار‭ ‬الأمثل‭.‬
وتشير‭ ‬البيانات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬58‭ % ‬من‭ ‬الحمولات‭ ‬العالمية‭ ‬وُضعت‭ ‬في‭ ‬المدار‭ ‬الشمسي‭ ‬المتزامن،‭ ‬مقابل‭ ‬39‭ % ‬في‭ ‬مدارات‭ ‬أرضية‭ ‬منخفضة‭ ‬أخرى،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬الأقمار‭ ‬القادرة‭ ‬تقنياً‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬مدارات‭ ‬مختلفة‭ ‬انتهى‭ ‬بها‭ ‬المطاف‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المدار،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬تأثير‭ ‬محدودية‭ ‬خيارات‭ ‬الإطلاق‭ ‬على‭ ‬القرارات‭ ‬الفنية‭.‬

درس‭ ‬أوروبي
وتقدم‭ ‬أوروبا‭ ‬نموذجاً‭ ‬واضحاً‭ ‬لهذه‭ ‬التحديات،‭ ‬بعدما‭ ‬واجهت‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬2022‭ ‬و2024‭ ‬سلسلة‭ ‬أزمات‭ ‬شملت‭ ‬تقاعد‭ ‬صاروخ‭ ‬‮«‬أريان‭ ‬5‮»‬،‭ ‬وتأخر‭ ‬دخول‭ ‬‮«‬أريان‭ ‬6‮»‬‭ ‬للخدمة،‭ ‬وإيقاف‭ ‬استخدام‭ ‬صواريخ‭ ‬‮«‬سويوز‮»‬‭ ‬الروسية،‭ ‬وتعليق‭ ‬عمليات‭ ‬‮«‬فيغا‭-‬سي‮»‬‭ ‬عقب‭ ‬أحد‭ ‬الإخفاقات‭.‬
وأجبرت‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬أوروبا‭ ‬على‭ ‬الاستعانة‭ ‬بصاروخ‭ ‬‮«‬فالكون‭ ‬9‮»‬‭ ‬التابع‭ ‬لشركة‭ ‬‮«‬سبيس‭ ‬إكس‮»‬‭ ‬لإطلاق‭ ‬أقمار‭ ‬‮«‬غاليلو‮»‬،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬المشروع‭ ‬الأوروبي‭ ‬أُسس‭ ‬لتعزيز‭ ‬الاستقلالية‭ ‬في‭ ‬خدمات‭ ‬الملاحة‭. ‬كما‭ ‬أظهرت‭ ‬البيانات‭ ‬أن‭ ‬76‭ % ‬من‭ ‬عمليات‭ ‬إطلاق‭ ‬الأقمار‭ ‬الأوروبية‭ ‬منذ‭ ‬2021‭ ‬اعتمدت‭ ‬على‭ ‬مركبة‭ ‬إطلاق‭ ‬واحدة،‭ ‬فيما‭ ‬وُضع‭ ‬83‭ % ‬من‭ ‬الأقمار‭ ‬في‭ ‬المدار‭ ‬الشمسي‭ ‬المتزامن،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬استمرار‭ ‬محدودية‭ ‬البدائل‭ ‬المتاحة‭.‬

تنويع‭ ‬ضروري
ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬هذه‭ ‬التحديات‭ ‬على‭ ‬أوروبا،‭ ‬إذ‭ ‬تواجه‭ ‬الدول‭ ‬الساعية‭ ‬لبناء‭ ‬قدراتها‭ ‬الفضائية‭ ‬القيود‭ ‬نفسها،‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬امتلاكها‭ ‬أقماراً‭ ‬صناعية‭ ‬متطورة‭ ‬وكفاءات‭ ‬هندسية،‭ ‬بسبب‭ ‬ارتباطها‭ ‬بجداول‭ ‬إطلاق‭ ‬خارجية‭ ‬ومدارات‭ ‬محددة‭ ‬سلفاً‭.‬
ويرى‭ ‬خبراء‭ ‬أن‭ ‬تعزيز‭ ‬السيادة‭ ‬الفضائية‭ ‬يتطلب‭ ‬تنويع‭ ‬مزودي‭ ‬خدمات‭ ‬الإطلاق،‭ ‬وتوسيع‭ ‬مواقع‭ ‬الإطلاق،‭ ‬ودعم‭ ‬تقنيات‭ ‬نقل‭ ‬الأقمار‭ ‬بين‭ ‬المدارات،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬اعتماد‭ ‬سياسات‭ ‬شراء‭ ‬حكومية‭ ‬تراعي‭ ‬المرونة‭ ‬والاستجابة‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الكلفة‭. ‬فمع‭ ‬تزايد‭ ‬اعتماد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الفضائية،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المدار‭ ‬قضية‭ ‬تقنية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬عنصراً‭ ‬أساسياً‭ ‬في‭ ‬الأمن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاستراتيجي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬تنويع‭ ‬خيارات‭ ‬الإطلاق‭ ‬ضرورة‭ ‬لضمان‭ ‬استقرار‭ ‬قطاع‭ ‬الفضاء‭ ‬مستقبلاً‭.‬

رجوع لأعلى