الفيدرالي يترقب55 ألف وظيفة جديدة
تتجه الأسواق العالمية إلى أسبوع حافل بالبيانات والقرارات النقدية، يتصدره تقرير الوظائف الأمريكي لشهر أغسطس، الذي سيشكل اختباراً مهماً لرؤية مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن متانة سوق العمل، بعدما رفع رئيسه كيفن وارش من حدة لهجته تجاه التضخم وأعاد احتمالات زيادة أسعار الفائدة في سبتمبر إلى واجهة توقعات المستثمرين.
وتشير التقديرات الواردة للمؤشرات المرتقبة إلى عودة نمو الوظائف الأمريكية بعد الانخفاض المفاجئ في يوليو، مع توقع إضافة نحو 55 ألف وظيفة إلى كشوف الأجور خلال أغسطس، بينما يُرجح بقاء معدل البطالة مستقراً عند 4.1%. ويصدر مكتب إحصاءات العمل تقرير أغسطس رسمياً يوم الجمعة 4 سبتمبر، بعدما أظهرت بيانات يوليو ضعفاً غير متوقع في التوظيف، إلى جانب مراجعات هبوطية كبيرة لأرقام الشهور السابقة.
وتكتسب أرقام الوظائف أهمية مضاعفة هذه المرة، إذ يحاول المستثمرون تحديد ما إذا كان استقرار سوق العمل سيمنح الاحتياطي الفيدرالي المساحة الكافية للتركيز بصورة أكبر على التضخم، أم أن ضعف التوظيف سيجبره على التحرك بحذر قبل اجتماع السياسة النقدية في منتصف سبتمبر.
وظائف أغسطس
توقعات إضافة 55 ألف وظيفة في أغسطس تتماشى بصورة عامة مع الوتيرة المحدودة التي سجلها سوق العمل خلال 2026، وتعكس تحولاً واضحاً عن سنوات النمو القوي في التوظيف التي أعقبت جائحة كورونا.
ولا ينظر مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي إلى ضعف مكاسب الوظائف الشهرية باعتباره بالضرورة دليلاً على اقتراب الركود، إذ أشار وارش خلال خطابه في ندوة جاكسون هول إلى أن تباطؤ نمو القوة العاملة يجعل الزيادات المحدودة في الوظائف أمراً طبيعياً، خصوصاً مع انخفاض الهجرة وتغير التركيبة الديموغرافية للقوى العاملة.
وقال إن معدل البطالة البالغ 4.1 % ما يزال منخفضاً وفق المعايير التاريخية ولم يشهد تغيراً كبيراً منذ نحو عامين، بينما تظل طلبات إعانة البطالة، وفق متوسط أربعة أسابيع، بالقرب من بعض أدنى مستوياتها منذ عقود. وخلص إلى أن سوق العمل الحالية «متسقة مع التوظيف الكامل».
وبذلك، فإن أي قراءة قريبة من توقعات السوق قد تعزز قناعة الفيدرالي بأن الاقتصاد قادر على تحمل سياسة نقدية أكثر تشدداً إذا استمرت ضغوط الأسعار.
استقرار البطالة
من المتوقع كذلك أن يبقى معدل البطالة عند 4.1 % خلال أغسطس، وهو مستوى يمنح البنك المركزي قدراً من الاطمئنان إلى أن التباطؤ في خلق الوظائف لم يتحول حتى الآن إلى موجة واسعة من التسريح.
ويختلف معدل البطالة عن رقم الوظائف غير الزراعية من حيث مصدر البيانات، إذ يستند الأول إلى مسح للأسر، بينما تعتمد بيانات التوظيف على مسح للمنشآت. ولهذا قد يتحرك المؤشران أحياناً في اتجاهات مختلفة خلال الشهر نفسه.
وتتجه الأنظار أيضاً إلى معدل المشاركة في قوة العمل ومتوسط الأجور وساعات العمل، لأنها توفر صورة أشمل عن الطلب على العمالة. فاستمرار نمو الأجور بوتيرة قوية قد يغذي التضخم في قطاع الخدمات، بينما يمثل تراجع ساعات العمل أو المشاركة إشارات على ضعف أكبر من الرقم الرئيسي للوظائف.
وتأتي القراءة المنتظرة بعدما فقد الاقتصاد الأمريكي 23 ألف وظيفة في يوليو وفق تقديرات حديثة، ما زاد التساؤلات بشأن متانة سوق العمل، رغم تحسن معدل البطالة قليلاً إلى 4.1 %.
أولوية الأسعار
لكن تركيز الاحتياطي الفيدرالي يتحول بصورة متزايدة نحو النصف الثاني من تفويضه المزدوج، أي استقرار الأسعار. وأكد وارش أن مؤشرات التضخم لا تزال أعلى بوضوح من المستهدف البالغ 2 %، ما يجعل الأسعار القضية الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى البنك المركزي.
ويبلغ معدل التضخم السنوي وفق مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو المقياس المفضل للفيدرالي، نحو 3.7 %، بينما يصل المعدل المحسوب على أساس ستة أشهر إلى 4.1 %. كما تظل المقاييس الأساسية لمؤشري أسعار المستهلكين ونفقات الاستهلاك مرتفعة.
ويرى وارش أن هذه البيانات تقدم رسالة واضحة مفادها أن التضخم لم يعد يتحرك بالسرعة المطـلوبة نحـو 2 %، وبالتالي فإن استقرار التوظيف يسمح للبنك المركزي بمنح أولوية أكبر لكبح الأسعار.
ولهذا قد يكون تقرير الوظائف «الضعيف ولكن غير المنهار» أقل تأثيراً على قرار سبتمبر مقارنة بما كان عليه في فترات سابقة، ما لم يقدم دليلاً واضحاً على تدهور سوق العمل.
رهان الفائدة
أحدث خطاب جاكسون هول تحولاً سريعاً في تسعير الأسواق لاجتماع الاحتياطي الفيدرالي المقرر يومي 15 و16 سبتمبر. وارتفعت احتمالات زيادة أسعار الفائدة ربع نقطة مئوية إلى ما بين 53 % و58 % وفق مقاييس مختلفة، مقارنة بنحو 30 % إلى 35 % قبل كلمة وارش.
ويبلغ النطاق المستهدف الحالي للفائـدة الفيدرالية بين 3.50 % و3.75 %، ما يعني أن زيادة قدرها ربع نقطـة سترفعـه إلـى نطاق 3.75 % و4 %.
ولا يعني ارتفاع الاحتمالات أن القرار محسوم، إذ شدد وارش على عدم الالتزام المسبق بخطوة محددة، تاركاً الباب مفتوحاً أمام البيانات التي ستصدر قبل الاجتماع، وفي مقدمتها الوظائف والتضخم.
لكن الأسواق أصبحت تنظر إلى تثبيت الفائدة باعتباره الخيار الذي يحتاج إلى مبررات أقوى مقارنة بالفترة السابقة، بعدما رفع رئيس الفيدرالي مستوى القلق من استمرار التضخم.
أسبوع البيانات
لن يقتصر الأسبوع على تقرير الوظائف، إذ يصدر مكتب إحصاءات العمل يوم الثلاثاء الأول من سبتمبر تقرير فرص العمل ودوران العمالة «JOLTS» لشهر يوليو، الذي يقدم معلومات بشأن الوظائف الشاغرة والاستقالات والتعيينات والتسريح.
كما ينتظر المستثمرون مؤشري معهد إدارة التوريدات لقطاعي التصنيع والخدمات، لما يتضمنانه من مؤشرات للأسعار التي تدفعها الشركات مقابل المدخلات. وتكتسب هذه البيانات أهمية خاصة في ظل تأثير الرسوم الجمركية واضطرابات الطاقة على تكاليف الإنتاج.
وتأتي البيانات قبل تقرير أسعار المنتجين المقرر في 10 سبتمبر ومؤشر أسعار المستهلكين في 11 سبتمبر، أي قبل اجتماع الفيدرالي بأيام قليلة، ما يجعل مسار السياسة النقدية مرهوناً بمجموعة متلاحقة من المؤشرات وليس تقرير الوظائف وحده.
كندا تنتظر
وعبر الحدود، تستعد كندا أيضاً لأسبوع مزدحم يبدأ بقرار بنك كندا الأربعاء 2 سبتمبر. ويتوقع 35 اقتصادياً استطلعت رويترز آراءهم بالإجماع تثبيت سعر الفائدة عند 2.25 %، مع احتمال بقاء السياسة دون تغيير لفترة ممتدة إذا لم تحدث تطورات كبيرة في التضخم أو التجارة.
ويواجه البنك المركزي الكندي بيئة معقدة، إذ تقترب بعض مؤشرات التضخم من الحد الأعلى لنطاقه المستهدف بين 1 % و3 %، في الوقت الذي تشكل فيه التوترات التجارية مع الولايات المتحدة خطراً على النمو.
وتصدر كندا كذلك بيانات التجارة الدولية الخميس وأرقام سوق العمل الجمعة، وسط غياب مؤشرات واضحة على استئناف سريع للمفاوضات التجارية بين أوتاوا وواشنطن.
ومن شأن أي تدهور جديد في العلاقات التجارية أن يزيد صعوبة مهمة بنك كندا، لأن الرسوم يمكن أن تضغط على النمو في الوقت الذي تزيد فيه بعض تكاليف السلع المستوردة.
ضغوط عالمية
ولا تقتصر موجة البيانات النقدية على أمريكا الشمالية. فتوقعات الأسواق تشير إلى احتمال وصول تضخم منطقة اليورو خــلال أغسطس إلـى نحـو 3.3 %، وهو أعلى مستوى في ثلاثة أعوام، ما قد يزيد الضغوط على البنك المركزي الأوروبي للنظر في رفع الفائدة خلال سبتمبر.
كما يتوقع أن يتجه بنك الاحتياطي النيوزيلندي إلى رفع سعر الفائدة إلى 2.75 % في مواجهة ضغوط التضخم، لتتزامن بذلك توجهات أكثر تشدداً لدى عدد من البنوك المركزية الكبرى.
وفي الوقت ذاته، يجتمع وزراء مالية ومحافظو البنوك المركزية في مجموعة العشرين بمدينة آشفيل في ولاية نورث كارولاينا، في ظل ملفات تشمل النمو العالمي والاختلالات التجارية والديون وسلاسل الإمداد وتداعيات التوترات الجيوسياسية على الطاقة والأسواق المالية.