الفيدرالي يرفع الفائدة بعد ثلاث سنوات
رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، الأربعاء، سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى نطاق 3.75–4 %، في أول زيادة منذ يوليو 2023، معلناً عودة السياسة النقدية إلى التشديد بعد فترة من تثبيت تكلفة الاقتراض. وجاء القرار بالإجماع، فيما أظهرت التوقعات المحدثة لصناع السياسة إمكانية وصول الفائدة إلى 4.25 % بنهاية 2t026.
ولا تكمن أهمية القرار في ربع النقطة وحدها، بل في الرسالة التي يبعث بها إلى الأسواق: معركة التضخم لم تنتهِ، ومرحلة انتظار تراجع الأسعار تلقائياً بفعل انحسار الصدمات المؤقتة لم تعد كافية. فالتضخم لا يزال أعلى من مستهدف «الفيدرالي» البالغ 2 %، بينما أظهرت بيانات أغسطس ارتفاع أسعار المستهلكين 3.4 % على أساس سنوي.
يمثل القرار انعطافة واضحة في مسار السياسة النقدية، بعدما ظلت الفائدة عند 3.50–3.75 % منذ ديسمبر. والأهم أن الأسواق انتقلت سريعاً من التساؤل عما إذا كان «الفيدرالي» سيرفع الفائدة إلى محاولة تقدير عدد الزيادات التالية.
وقبيل القرار، وصلت احتمالات زيادة ربع نقطة إلى أكثر من 90 % في تسعير الأسواق، بعدما كانت التوقعات أقل بكثير قبل أسابيع. كما أظهر استطلاع لـ«رويترز» أن غالبية الاقتصاديين توقعوا زيادة أخرى واحدة على الأقل بحلول نهاية مارس المقبل.
تأتي عودة التشديد في توقيت شديد الحساسية، مع تجاوز النفط مستوى 100 دولار للبرميل بفعل اضطرابات الشرق الأوسط، ما يعيد مخاطر الطاقة إلى قلب حسابات التضخم. المشكلة بالنسبة إلى «الفيدرالي» أن ارتفاع الطاقة لا يقتصر تأثيره على أسعار الوقود، بل يمكن أن يمتد إلى النقل والإنتاج وسلاسل الإمداد، ويغذي ضغوطاً سعرية أوسع.
وهنا تصبح المعادلة أكثر تعقيداً: رفع الفائدة يمكنه تهدئة الطلب، لكنه لا يستطيع زيادة إمدادات النفط. لذلك يسعى البنك إلى منع صدمة الطاقة من التحول إلى موجة تضخم أوسع وأكثر استدامة، خصوصاً مع استمرار قوة النشاط الاقتصادي. وأظهرت بيانات أغسطس ارتفاع مبيعات التجزئة 1.2 % على أساس شهري، في إشارة إلى استمرار مرونة المستهلك الأميركي.
بالتوازي، تتحرك الأسواق أصلاً في بيئة مرتفعة التكلفة. فصعود عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل يعني انتقال التشديد إلى الرهون العقارية وتمويل الشركات والأسر، حتى من دون سلسلة كبيرة من زيادات الفائدة الرسمية.
وتظهر بيانات «الفيدرالي» أن العائد على السندات الأميركية لأجل 10 سنوات ظل قريباً من 5 % عشية القرار، ما يجعل ارتفاع تكلفة الأموال عاملاً قائماً بذاته في إبطاء النشاط الاقتصادي.
وتتحول الأنظار الآن من القرار نفسه إلى رئيس «الفيدرالي» كيفن وارش، وطريقة توصيفه للمرحلة المقبلة. فالسؤال الأساسي للأسواق ليس لماذا ارتفعت الفائدة هذه المرة، وإنما ما إذا كانت الخطوة بداية دورة تشديد جديدة، أم استجابة محدودة لموجة التضخم والطاقة.
وتشير التوقعات الجديدة إلى ميل نحو مزيد من التشديد، إذ أظهرت تقديرات صناع السياسة إمكانية وصول الفائدة إلى 4.25 % بنهاية العام، مع عدم توقع عودة التضخم إلى مستهدف 2 % قبل 2029.
بهذا القرار، يعيد «الفيدرالي» رسم خريطة المخاطر أمام المستثمرين: فائدة أعلى، وعوائد سندات مرتفعة، ونفط فوق 100 دولار، وتضخم أكثر عناداً. لذلك قد تكون ربع النقطة مجرد بداية لإعادة تسعير أوسع للأسهم والسندات والدولار والذهب، بينما ستظل البيانات المقبلة واتجاه أسعار الطاقة العاملين الأكثر حسماً في تحديد حجم ومدة دورة التشديد الجديدة.