القطاع الصناعي نجح بفضل قوته في الحفاظ على استقراره
تسارع الكويت الخطى للنهوض بالقطاع الصناعي عبر حل المشكلات التي تواجه القطاع ويأتي في مقدمتها تحديث القوانين والأنظمة المتعلقة بالصناعة والعاملين في المجال، إضافة إلى التخلص نهائياً من العمل البيروقراطي باستخدام أحدث الوسائل الإلكترونية.
وكشفت استراتيجية الصناعة لعام 2035 عن خطة لزيادة مساهمة الصناعات التحويلية في الاقتصاد الكويتي بنسبة سنوية تبلغ 15 % لتصل إلى 5.25 مليارات دينار مقارنة بنحو 2.5 مليار دينار حاليا.
وأكد خالد العبد الغني الخبير الاقتصادي وعضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات الكويتية لـ «عالم الاقتصاد» أن القطاع الصناعي الكويتي، واجه في ظل الظروف الاستثنائية الراهنة، تحديات غير مسبوقة مع بداية الأزمة، إلا أنه نجح بفضل قوته ومرونته في الحفاظ على استقراره واستمرارية عملياته الإنتاجية، رغم الضغوط التي طالت سلاسل الإمداد وتكاليف الإنتاج.
وإليكم تفاصيل اللقاء:
● ما أبرز جهود الحكومة لدعم وتطوير القطاع الصناعي، وكم يبلغ عدد المصانع العاملة وحجم استثماراتها وفرص العمل التي توفرها؟
يبلغ عدد المصانع في الكويت نحو 1.300 مصنع، وفق أحدث الإحصاءات، فيما تقدر الاستثمارات الصناعية ما بين 17.5 إلى 18 مليار دينار.
وتكتسب الصناعة أهمية كبيرة باعتبارها أحد أبرز المسارات لاستيعاب مخرجات التعليم وتوفير فرص العمل، ولذلك نؤكد دائماً أهمية التوسع في توفير المناطق الصناعية والفرص الاستثمارية أمام القطاع الصناعي، بما يسهم في تعزيز دوره في الاقتصاد الوطني.
كما أن التوسع في القطاع الصناعي يمثل خطوة مهمة نحو تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على عوائد النفط، إلى جانب توفير فرص وظيفية مستدامة لمخرجات التعليم، ودعم مشاركة الكوادر الوطنية في القطاعات الإنتاجية المختلفة.
● الظروف الراهنة تتطلب دوراً مهماً للقطاع الصناعي.. كيف يتم تعزيز دور المنتج الصناعي الوطني في استقرار الأسواق؟
بالنسبة إلى الظروف الحالية التي نمر بها، واجه القطاع الصناعي ظرفاً استثنائياً مع بداية الأزمة، إلا أنه، بفضل قوته واستقراره، تمكن من الحفاظ على توازنه والتكيف مع تداعياتها، من خلال توفير بدائل لسلاسل إمداد المواد الأولية والتعامل مع ارتفاع تكاليفها.
وقد انعكست هذه الزيادة في التكاليف على أسعار المنتجات في السوق، خصوصاً في ظل ارتفاع أسعار النفط وإغلاق مضيق هرمز، إلا أن القطاع الصناعي أثبت قدرته على التكيف والحفاظ على استمرارية الإنتاج رغم هذه التحديات.
● تستهدف الهيئة العامة للصناعة من سحب القسائم الصناعية غير المستغلة أو المخالفة إلى محاربة المضاربة بالأراضي، وتوجيه القسائم للمستثمرين الجادين.. كيف ترى ذلك؟
طبعاً، عند الحديث عن دور الهيئة العامة للصناعة في سحب القسائم الصناعية، فقد قامت الهيئة بالفعل بسحب عدد من القسائم المخالفة، وكان من المفترض أن تتم هذه الخطوة في وقت سابق، إلا أن تنفيذها حالياً يمثل خطوة تصحيحية مهمة.
ومن الضروري أن تُعاد هذه القسائم إلى المستثمرين الجادين والقادرين على توظيفها في أنشطة إنتاجية، خصوصاً أن القطاع الصناعي يُعد قطاعاً حيوياً ومنتجاً ويمثل ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، لذلك فإن معالجة أوضاع القسائم وسحب المخالف منها وإعادة تخصيصها للمستثمرين الجادين خطوة إيجابية ومهمة، وإن كانت قد تأخرت، لكن من الأفضل أن تُتخذ الآن بدلاً من تأجيلها لفترة أطول.
● هل هناك توجه إلى توسعة المدن أو المناطق الصناعية لاستيعاب الطلب المتزايد على الأراضي ؟
بكل صراحة، فيما يتعلق ببند المدن الصناعية، لا توجد حالياً مدن صناعية متكاملة في الكويت، وهناك منطقة الشدادية الصناعية التي أصبحت جاهزة، إلا أنها لم تُوزَّع حتى الآن، بسبب عملية تحديث البيانات، وحتى بعد توزيعها، فإنها لا ترقى إلى مستوى مدينة صناعية متكاملة بالمفهوم الشامل.
لذلك، فإن مطلبنا في المرحلة الحالية هو الإسراع في إنشاء وتجهيز مدن صناعية متكاملة، بما يواكب احتياجات القطاع الصناعي والتطور الاقتصادي، ويدعم التوسع في النشاط الصناعي، ويعزز قدرته على النمو والمنافسة.
● هل توجد فجوة لدى المصانع الكويتية في كيفية تغطية التكاليف التشغيلية وما بين حاجة السوق؟ وكيف يتم معالجة ذلك؟
نعم، توجد فجوة واضحة في قدرة بعض المنشآت الصناعية على التكيّف مع المتغيرات الأخيرة، فبينما تمكنت نسبة كبيرة من المصانع من مواكبة هذه التغيرات والحفاظ على استمرارية نشاطها، واجهت منشآت أخرى صعوبات حالت دون قدرتها على التكيف، ما دفع بعضها إلى خفض مستويات الإنتاج، فيما اضطر بعضها الآخر إلى التوقف عن الإنتاج بشكل كامل.
وبالتأكيد، فقد تعرض القطاع الصناعي لأضرار كبيرة نتيجة هذه الأزمة، وانعكست تداعياتها بصورة مباشرة على مستويات الإنتاج واستمرارية بعض المنشآت.
● هناك مطالبات بفصل وزارة الصناعة عن التجارة وتعيين وزير مستقل للقطاع.. ما تقييمكم لهذه المطالبات؟
بالنسبة إلى الهيئة العامة للصناعة، فقد جاء فصلها عن وزارة التجارة والصناعة بهدف منح القطاع الصناعي مزيداً من الخصوصية والاستقلالية، بما يعزز قدرتها على أداء دور أكثر فاعلية في دعم الصناعة وتنميتها، وفي ذلك الوقت كانت الصناعة جزءاً من اختصاص وزارة التجارة والصناعة، إلا أن إنشاء هيئة مستقلة للصناعة عكس توجهاً نحو تعزيز الاهتمام بهذا القطاع الحيوي.
ومن هذا المنطلق، فإن فكرة فصل القطاع الصناعي بشكل أكبر، من خلال إنشاء وزارة مستقلة للصناعة، تُعد فكرة جديرة بالطرح والنقاش؛ فالقطاع الصناعي يستحق أن تكون له وزارة متخصصة تتولى وضع سياساته وتطويره، وتعزيز مساهمته في الاقتصاد الوطني، ودعم قدرته على النمو والتنافسية وتنويع مصادر الدخل.
● هل هناك ترابط بين البنك الصناعي وهيئة الصناعة لدعم المصانع؟
فيما يتعلق بالترابط بين البنك الصناعي والهيئة العامة للصناعة، فإن البنك يعمل بشكل مستقل عن الهيئة، ويؤدي دوره في تمويل القطاع الصناعي من خلال تقديم القروض للمصانع، وقد قام بهذا الدور على أكمل وجه حتى الآن.
إلا أن القرار الجديد المتعلق بعدم السماح باحتساب المصنع ضمن الضمانات المالية قد يؤثر بشكل كبير في قدرة البنك الصناعي على تقديم التمويل للمصانع، نظراً إلى تراجع الضمانات المتاحة للحصول على القروض.
وتبرز أهمية هذه الضمانات بشكل أكبر بالنسبة للمشروعات الصناعية الجديدة، التي تحتاج إلى تمويل لشراء الآلات والمعدات، وتجهيز المصانع وإنشائها، في ظل ارتفاع حجم التكاليف الاستثمارية التي يتحملها المستثمر الصناعي في المراحل الأولى للمشروع.
وفي حال عدم إمكانية تقديم ضمانات مرتبطة بالمصنع، فقد تنشأ فجوة تمويلية كبيرة، تمثل تحدياً حقيقياً أمام البنك الصناعي في مواصلة دوره في تمويل المشروعات الصناعية، ولا سيما المشروعات الجديدة التي تحتاج إلى تمويل كافٍ للانطلاق وتحقيق أهدافها الإنتاجية.
● كيف ترى تكلفة القيمة الإيجارية على المبادرين في القطاع الصناعي؟
فيما يتعلق بالمشاريع الصغيرة والفرص المتاحة أمام الشباب، فإن هذا القطاع يمثل أهمية كبيرة في دعم المبادرين وتعزيز دورهم في الاقتصاد. وكانت المحفظة التمويلية التي خُصصت للمشاريع الصغيرة، إلى جانب الأراضي التي تم توفيرها للمبادرين، خطوة إيجابية ومهمة، إلا أنها مع الأسف لم تُطبَّق بالشكل المطلوب.
وكانت الفكرة بحاجة إلى منظومة متكاملة يشارك فيها القطاع الخاص إلى جانب الجهات الحكومية، لتوفير الدعم الفني والإداري للمبادرين ومساندة الشباب في تنفيذ مشاريعهم بالشكل الصحيح، بما يعزز قدرتهم على الاستمرار ويحد من الأخطاء التشغيلية، خصوصًا أن معظمهم من حديثي التخرج وقليلي الخبرة في إدارة المشاريع.
ومع الأسف، تراجعت هذه المنظومة في الوقت الحالي؛ فلم تعد المحفظة التمويلية متاحة بالشكل السابق، كما لم تعد هناك الأراضي والتسهيلات الكافية التي يمكن تقديمها للمبادرين، وبالتالي، فإن دعم المشاريع الصغيرة يتطلب إعادة تفعيل أدوات التمويل وتوفير الأراضي، إلى جانب بناء منظومة متكاملة تضمن استدامة مشاريع الشباب ونجاحها.
● كيف يمكن زيادة انتشار المنتجات الكويتية في الأسواق الإقليمية والعالمية؟ والعوامل التي تجعل المنتج الكويتي أكثر قدرة على المنافسة؟
بالنسبة إلى المنتج الكويتي وزيادة انتشاره في الأسواق الإقليمية والعالمية، فإن المنتج الكويتي موجود بالفعل في عدد من الأسواق العالمية، ويتمتع بقدرة تنافسية تؤهله للمنافسة في الأسواق الإقليمية والدولية.
وكما ذكرنا سابقاً، فإن تعزيز انتشار المنتج الكويتي وتوسّع الصناعات المحلية يتطلب توفير الدعم اللازم، وتطوير المناطق الصناعية، وتقديم التسهيلات التي تمكّن المنتجين من الاستمرار في الإنتاج والتوسع ورفع قدرتهم التنافسية.
ويكتسب المنتج الكويتي أهمية استراتيجية باعتباره أحد مصادر تنويع الدخل الوطني إلى جانب القطاع النفطي، بما يعزز مساهمة القطاع الصناعي في الاقتصاد ويدعم مسار التنويع الاقتصادي.
● كيف يمكن للشركات الكويتية الاستفادة من التجارة الإلكترونية للوصول إلى مستهلكين خارج الكويت؟ وما الأسواق العالمية الأكثر ملاءمة للمنتجات الكويتية؟
تشهد الشركات الكويتية حضوراً متنامياً في قطاع التجارة الإلكترونية، إذ كانت من أوائل المبادرين إلى هذا المجال، ونجحت في تطوير نماذج أعمال مبتكرة وتحقيق إنجازات لافتة.
وأصبحت هذه الشركات تؤدي دوراً متزايد الأهمية في الأسواق الإقليمية، ولا سيما على مستوى دول الخليج العربي، ومن المتوقع أن يتوسع حضورها خلال المرحلة المقبلة على المستوى العالمي، ويتطلب تعزيز هذا التوسع توفير مزيد من الدعم، إلى جانب وضع أطر تنظيمية واضحة ومتطورة لتنظيم سوق التجارة الإلكترونية، بما يعزز تنافسية الشركات الكويتية ويدعم قدرتها على التوسع والنمو في الأسواق الدولية.
● ما الذي يمكن للكويت الاستفادة منه من تجارب الخليج في دعم الصادرات وتوسّع المصانع الكويتية خارجياً؟
بالنسبة إلى ما ينبغي أن نتعلمه من دول الخليج، نجد أن المدن الصناعية لديها في توسع مستمر؛ فبمجرد اكتمال منطقة صناعية وارتفاع معدلات الإشغال فيها، يتم العمل على إنشاء مناطق جديدة لاستيعاب الطلب المتزايد على الاستثمار الصناعي.
كما توفر دول الخليج تمويلًا ميسرًا للقطاع الصناعي، إلى جانب برامج دعم وحماية للمنتجات والصناعات المحلية، بما يعزز قدرتها على المنافسة في الأسواق، وهذه من أبرز التجارب التي ينبغي الاستفادة منها وتطبيق ما يتناسب منها مع احتياجات الاقتصاد الكويتي.
ولو لم تكن الصناعة ذات أهمية استراتيجية، لما أولتها دول الخليج هذا الاهتمام، وكذلك الدول الصناعية الكبرى مثل اليابان والصين، التي أدركت منذ وقت مبكر أن الصناعة تمثل أحد الأعمدة الأساسية لأي اقتصاد، وتسهم في تحقيق التنويع الاقتصادي وخلق فرص العمل وتعزيز الإنتاجية.
أما بشأن ما إذا كان الدعم الحكومي الحالي للقطاع الصناعي كافيًا، فالإجابة بكل وضوح: لا، القطاع الصناعي ما زال بحاجة إلى مزيد من الدعم، إلى جانب سياسات حماية مدروسة للصناعات والمنتجات المحلية، بما يمكنها من النمو والتوسع وتعزيز قدرتها التنافسية إقليميًا وعالميًا.