الكويتية .. مجلس عالمي لإدارة الناقل الوطني
دخلت شركة الخطوط الجوية الكويتية مرحلة جديدة في مسيرتها المؤسسية، بعد موافقة الجمعية العمومية للشركة على تشكيل مجلس إدارة جديد يجمع بين الكفاءات الوطنية والخبرات الدولية المتخصصة في صناعة الطيران، في خطوة تتجاوز في أبعادها استكمال المتطلبات القانونية والتنظيمية إلى تدشين مرحلة مختلفة في إدارة الناقل الوطني، تستهدف تعزيز الحوكمة ورفع الكفاءة التشغيلية والمالية والاستفادة من التجارب العالمية في تطوير شركات الطيران.
ويأتي اعتماد مجلس الإدارة الجديد استكمالاً للإجراءات المرتبطة بالوضع القانوني والتنظيمي للشركة، لاسيما بعد تحول «الخطوط الجوية الكويتية» إلى كيان تجاري تسري عليه أحكام قانون الشركات، وما يترتب على ذلك من متطلبات تتعلق بعقد الجمعية العمومية وانتخاب مجلس الإدارة وتنظيم آليات الحوكمة والإدارة وفق الأطر القانونية المقررة للشركات التجارية.
وضم التشكيل الجديد خمس كفاءات وطنية، هم ناصر الروضان، وعبدالمحسن المخيزيم، وحنان الفارس، ونور الجاسم، ومشاري الهنيدي، إلى جانب ثلاثة أعضاء أجانب يمتلكون سجلات مهنية طويلة في شركات ومجموعات طيران عالمية، هم إنريكي دوبوي دي لومي تشافاري، وجايلز أغاتر، ورايان فان دير آيك.
ويحمل اختيار ثلاثة أعضاء دوليين دفعة واحدة دلالة تتجاوز مجرد تنويع تشكيل مجلس الإدارة، إذ يعكس توجهاً واضحاً للاستعانة بخبرات عملية متخصصة في ملفات تعد من الأكثر تأثيراً في مستقبل شركات الطيران، وفي مقدمتها الإدارة المالية والحوكمة وإدارة المخاطر، وتخطيط الأساطيل وشراء وتمويل الطائرات، إلى جانب التشغيل وإدارة المطارات وخدمة العملاء وتجربة المسافر.
مرحلة مختلفة
التشكيل الجديد يضع «الكويتية» أمام مرحلة مختلفة على مستوى الإدارة وصناعة القرار، مع الجمع بين خبرة الأعضاء الوطنيين وفهمهم للبيئة المحلية وأولويات الناقل الوطني، وبين خبرات دولية تراكمت داخل عدد من أبرز شركات ومجموعات الطيران والمطارات في العالم.
ومن شأن هذا المزيج أن يوسع قاعدة الخبرات المتاحة أمام مجلس الإدارة عند التعامل مع الملفات الاستراتيجية، خصوصاً أن صناعة الطيران أصبحت أكثر تعقيداً في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل، والتطور المستمر في نماذج تمويل الطائرات، والمنافسة القوية بين الناقلات الإقليمية والدولية، فضلاً عن التحولات الكبيرة في التكنولوجيا وتجربة المسافر وإدارة شبكات الوجهات.
ويعطي التشكيل الجديد مؤشراً إلى أن المرحلة المقبلة لن تقتصر على إدارة الأعمال اليومية للشركة، وإنما تتجه إلى التركيز بصورة أكبر على الملفات طويلة الأجل، ووضع نموذج أعمال قادر على تعزيز كفاءة الناقل الوطني ورفع قدرته على المنافسة والاستفادة بصورة أفضل من أصوله وموارده.
خبرة مالية ثقيلة
ويبرز ضمن الأعضاء الدوليين إنريكي دوبوي دي لومي تشافاري، الذي يحمل خبرة واسعة في الإدارة المالية والاستراتيجية في قطاع الطيران، بعدما شغل منصب المدير المالي لمجموعة International Airlines Group «IAG»، إحدى أكبر مجموعات الطيران الأوروبية.
وجاءت خبرته في IAG بعد مسيرة طويلة مع شركة «إيبيريا»، وكان من الشخصيات التي لعبت دوراً مهماً في عملية دمج «إيبيريا» مع الخطوط الجوية البريطانية وتأسيس المجموعة الجديدة، وهي العملية التي شكلت واحدة من أبرز عمليات إعادة هيكلة ودمج شركات الطيران الأوروبية.
وامتدت خبرة دوبوي إلى ملفات التوسع والاستحواذ داخل المجموعة، بما في ذلك العمليات المرتبطة بـBMI وVueling وAer Lingus، فضلاً عن تأسيس LEVEL، ما منحه خبرة عملية مباشرة في بناء المجموعات الجوية وإدارة الاستثمارات والتوسعات وعمليات الاستحواذ وإعادة الهيكلة.
كما يشغل عضوية مجلس إدارة Wizz Air بصفة عضو غير تنفيذي، وهو ما يضيف إلى سجله التنفيذي خبرة مباشرة في مجالس إدارة شركات الطيران والحوكمة والرقابة وإدارة المخاطر.
وتمثل هذه الخبرة قيمة مهمة بالنسبة لـ«الكويتية»، خصوصاً في الملفات المتعلقة بالإدارة المالية، وكفاءة استخدام رأس المال، وتقييم الاستثمارات، وإدارة المخاطر، والحوكمة، ودراسة الفرص الاستراتيجية، وهي ملفات ترتبط بصورة مباشرة بقدرة أي شركة طيران على بناء نموذج مالي أكثر كفاءة واستدامة.
100 مليار دولار
أما جايلز أغاتر، فيحمل خبرة متخصصة في أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة لشركات الطيران، وهو ملف الأساطيل وشراء الطائرات وتمويلها، إلى جانب الاستراتيجية والاستثمارات.
وارتبط أغاتر مهنياً بالخطوط الجوية القطرية على مدى نحو 24 عاماً، من عام 2000 وحتى 2024، وهي فترة شهدت خلالها الشركة توسعاً كبيراً في حجم عملياتها وشبكة وجهاتها وأسطولها ومكانتها في صناعة النقل الجوي العالمية.
وبحسب ما أورده عن مسيرته المهنية، شارك أغاتر في عمليات للاستحواذ على طائرات تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، فضلاً عن ترتيبات تمويل تزيد قيمتها على 75 مليار دولار، وهي أرقام تعكس حجم الخبرة المتراكمة التي يمتلكها في التعامل مع المصنعين والمؤسسات المالية وشركات التأجير وهياكل التمويل المختلفة.
كما تمتد خبرته إلى العمل في مجالس إدارة شركات ومجموعات طيران دولية، من بينها IAG وLATAM، ما يجمع لديه بين الخبرة التنفيذية في تخطيط الأساطيل والتمويل وبين الخبرة في الحوكمة والاستثمار والاستراتيجية.
وتكتسب هذه الخبرة أهمية خاصة بالنسبة لـ«الكويتية»، إذ يمثل الأسطول أحد أكبر بنود الاستثمار والتكلفة في أي ناقل جوي، وتحتاج القرارات المتعلقة بشراء الطائرات أو استئجارها أو إحلالها إلى رؤية طويلة الأجل تراعي الطلب المتوقع وشبكة الوجهات وتكلفة التمويل والقيمة المتبقية للطائرات وكفاءة استهلاك الوقود ومتطلبات التشغيل.
ومن ثم، يمكن أن يوفر وجود أغاتر داخل مجلس الإدارة خبرة متخصصة عند مناقشة الخيارات المستقبلية للأسطول، وسياسات شراء وتأجير وتمويل الطائرات، ومدى ملاءمة تركيبة الأسطول لخطط الشركة وشبكة وجهاتها.
من KLM إلى دبي
ويكتمل مثلث الخبرات الدولية في المجلس بانضمام رايان فان دير آيك، التي تمثل الجانب التشغيلي وخدمة العملاء وتجربة المسافر، بعد مسيرة مهنية طويلة في شركات الطيران وإدارة المطارات.
وأمضت فان دير آيك أكثر من 20 عاماً مع شركة KLM، وتدرجت في عدد من المواقع التنفيذية وصولاً إلى منصب Chief Experience Officer، وهو موقع يرتبط بصورة مباشرة بتطوير تجربة العميل والخدمات المقدمة للمسافر ورفع مستويات الجودة.
وانتقلت بعد ذلك إلى مطارات دبي لتشغل منصب Chief Operating Officer، ما أضاف إلى خبرتها في شركات الطيران بعداً آخر يتعلق بإدارة عمليات المطارات وتدفقات المسافرين والخدمات الأرضية والكفاءة التشغيلية.
كما انضمت في سبتمبر 2022 إلى مجلس إدارة easyJet كعضو مستقل غير تنفيذي، لتجمع بذلك بين الخبرة التنفيذية في شركة طيران عالمية وإدارة أحد أهم أنظمة المطارات الدولية، إلى جانب خبرة الحوكمة على مستوى مجلس إدارة شركة طيران أوروبية كبرى.
وتوفر هذه المسيرة لـ«الكويتية» خبرة مباشرة في ملف يمثل اليوم أحد أهم ميادين المنافسة بين شركات الطيران، وهو تجربة المسافر، التي لم تعد تقتصر على الخدمة على متن الطائرة، وإنما تبدأ من الحجز والقنوات الرقمية وتمتد إلى إجراءات المطار والصعود للطائرة والخدمات الجوية وصولاً إلى التعامل مع العميل بعد انتهاء الرحلة.
تكامل الخبرات
واللافت في اختيار الأعضاء الدوليين الثلاثة هو درجة التكامل بين مجالات خبراتهم، بدلاً من تركزها في تخصص واحد.
ففي الوقت الذي يحمل فيه دوبوي ثقلاً واضحاً في المال والحوكمة والاستحواذات وإدارة المخاطر وإعادة الهيكلة، يأتي أغاتر بخبرة عميقة في تخطيط الأساطيل وشراء وتمويل الطائرات والاستثمارات والشراكات الاستراتيجية، بينما تمثل فان دير آيك خبرة التشغيل والمطارات وخدمة العملاء وتجربة المسافر.
وهذه الملفات مجتمعة تشكل عملياً أجزاء رئيسية من نموذج عمل شركات الطيران الحديثة، ما يتيح لمجلس الإدارة الجديد التعامل مع عملية التطوير من منظور متكامل يجمع بين الجدوى المالية والكفاءة التشغيلية وجودة المنتج والخدمة.
كما أن وجود أعضاء بخبرات دولية واسعة إلى جانب الكفاءات الوطنية يمكن أن يفتح المجال أمام نقل المعرفة وأفضل الممارسات العالمية إلى الشركة، والاستفادة من تجارب شركات مرت بمراحل توسع وإعادة هيكلة وتطوير مماثلة.
ومن المتوقع أن يكون ملف الأسطول من بين المحاور الاستراتيجية المهمة أمام مجلس الإدارة الجديد، بالنظر إلى تأثيره المباشر في كلفة التشغيل والطاقة الاستيعابية وشبكة الوجهات وقدرة الشركة على المنافسة.
فقرارات الأسطول في شركات الطيران لا تقاس فقط بعدد الطائرات، وإنما بمدى توافق أنواعها وسعاتها ومدياتها التشغيلية مع استراتيجية الشبكة والأسواق المستهدفة، إلى جانب تكاليف التمويل والصيانة والوقود والتدريب والتشغيل.
وتوفر الخبرات الموجودة داخل المجلس الجديد مساحة أكبر لدراسة هذه القرارات وفق منظور مالي وتشغيلي متكامل، خصوصاً مع وجود خبرة متخصصة في تمويل الطائرات والاستحواذ عليها إلى جانب خبرة مالية وإدارية واسعة.
الحوكمة وصناعة القرار
وفي موازاة الجانب التشغيلي، يمثل تعزيز الحوكمة أحد الأبعاد الرئيسية للمرحلة الجديدة، لاسيما مع الوضع القانوني الجديد للشركة ككيان تجاري يخضع لقانون الشركات.
ويعني ذلك أن دور مجلس الإدارة يكتسب أهمية متزايدة في رسم الاستراتيجية ومتابعة الأداء وتقييم المخاطر وتعزيز المساءلة والرقابة على القرارات المالية والاستثمارية والتشغيلية.
كما يمكن للخبرات التي عملت سابقاً في مجالس إدارات شركات طيران دولية أن تضيف بعداً مهماً في تطوير آليات عمل المجلس واللجان المنبثقة عنه، ورفع مستوى الفصل بين الدور الرقابي والاستراتيجي لمجلس الإدارة والدور التنفيذي للإدارة.
المنافسة الإقليمية
وتأتي المرحلة الجديدة لـ«الكويتية» في وقت تشهد فيه صناعة الطيران في المنطقة منافسة شديدة، مع استمرار شركات الطيران الخليجية والإقليمية في تطوير أساطيلها وتوسيع شبكات وجهاتها والاستثمار في الخدمات الرقمية وتجربة المسافر.
ولذلك فإن التحدي أمام الناقل الوطني لا يرتبط بالتوسع وحده، وإنما ببناء ميزة تنافسية واضحة تتيح للشركة الاستفادة من موقع الكويت وإمكاناتها وشبكة علاقاتها الاقتصادية والسياحية، مع تحقيق التوازن بين جودة الخدمة والكفاءة المالية والتشغيلية.
ويتطلب ذلك رؤية متكاملة تحدد الأسواق ذات الأولوية، وتطور شبكة الرحلات، وتحسن استخدام الطائرات، وترفع إنتاجية الأصول، وتدعم الإيرادات، وتضع تجربة العميل في قلب نموذج العمل.
ومن أبرز المكاسب المنتظرة من إدخال الخبرات الدولية إلى مجلس الإدارة إمكانية نقل المعرفة المؤسسية، وليس فقط الاستفادة من خبرة الأعضاء عند اتخاذ القرارات.
فالخبرة التي تراكمت عبر عقود من العمل داخل شركات عالمية يمكن أن تسهم في نقل أفضل الممارسات في التخطيط وإدارة المخاطر والاستثمارات والأساطيل والتشغيل وخدمة العملاء إلى مستويات مختلفة داخل الشركة.
وسيكون التحدي الأساسي هو تحويل هذا التنوع في الخبرات إلى منظومة عمل متكاملة، تستفيد منها الإدارة التنفيذية والكوادر الوطنية، بما يعزز بناء قدرات مستدامة داخل «الكويتية» ولا يجعل الاستفادة مقتصرة على فترة وجود أعضاء بعينهم في مجلس الإدارة.
شركة تجارية
ويكتسب تشكيل المجلس أهمية إضافية في ضوء التحول التنظيمي للخطوط الجوية الكويتية، إذ إن التعامل معها كشركة تجارية خاضعة لقانون الشركات يرسخ مفاهيم جديدة في الإدارة ترتبط بصورة أكبر بالمسؤولية المؤسسية والحوكمة وقياس الأداء وكفاءة استخدام الموارد.