الكويت تحافظ على جدارتها الائتمانية المرتفعة
حافظت الكويت منذ بداية عام 2026 على مكانتها ضمن الدول ذات الجدارة الائتمانية المرتفعة، إذ أكدت وكالات التصنيف العالمية استمرار قوة المركز المالي للدولة رغم التقلبات الإقليمية والجيوسياسية.
واستندت هذه النظرة إلى ضخامة الأصول السيادية، وانخفاض مستويات الدين العام مقارنة بالاقتصادات الأخرى، والقدرة الكبيرة على امتصاص الصدمات الخارجية.
أهمية تثبيت التصنيف الائتماني
وتكمن أهمية تثبيت التصنيف الائتماني للكويت في أبعادٍ مفصلية متعددة؛ فهو أولاً يعزز ثقة المستثمرين فالعديد من صناديق التقاعد والمؤسسات الاستثمارية العالمية التي تستثمر في أدوات الدين تمتلك سياسات استثمارية صارمة؛ وأي خفض للتصنيف الائتماني سيعني حكماً إجبارها على بيع ما بحوزتها من سندات دولة الكويت، ومن ثمّ، فإن تثبيت التصنيف يحول دون تسييل هذه السندات والتخلص منها، ويحافظ على استقرار عوائدها التي تُعدّ المؤشر الأساسي لتكلفة الاقتراض السيادي.
تعزيز جاذبية السوق
أما البعد الآخر، فيتمثل في تعزيز جاذبية السوق المحلي؛ إذ يمنح هذا التصنيف الدرجة الاستثمارية المقبولة، ولا سيما للأسهم المدرجة وهو شرط جوهري لاستمرار وجود الكويت ضمن مؤشرات الأسواق الناشئة العالمية مثل مؤشر جي بي مورغان على سبيل المثال، وإن خروج الكويت من هذه المؤشرات سيؤدي حتماً إلى نزوح تلقائي لرؤوس أموال تُقدّر بمليارات الدولارات؛ لذلك فإن تثبيت التصنيف يحمي هذه التدفقات الأجنبية ويضمن بقاءها داخل السوق الكويتي.
يُضاف إلى ذلك عامل السيولة، ففي ظل التحديات التي تشهدها المنطقة حالياً، يُرسل التصنيف الائتماني إشارة طمأنة مفادها أن الكويت تمتلك وسادة أمان مالية ضخمة تتمثل في أصول الهيئة العامة للاستثمار، وهو ما يجعل المستثمرين، وبخاصة الأجانب ينظرون إلى الكويت كملاذٍ آمن نسبياً في المنطقة.
موديز تؤكد التصنيف السيادي
ورغم تداعيات الحرب في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز الذي أثر على صادرات النفط الكويتية، أكدت وكالة موديز في آخر تقرير عن الاقتصاد الكويتي، التصنيف الائتماني السيادي للبلاد عند المرتبة «1A» مع بقاء النظرة المستقبلية مستقرة بسبب قوتها الاقتصادية وامتلاكها ثروة مالية كبيرة ومستوى منخفضا جدا للدين الحكومي.
وتوقعت موديز أن تبقى الموازنة العامة قوية بشكل استثنائي في المستقبل المنظور وأن يساهم ذلك في إعادة تراكم الموارد المالية لصندوق الاحتياطي العام في ظل البيئة الحالية لارتفاع أسعار النفط وكميات إنتاجه الأمر الذي يؤدي إلى تأجيل مخاطر السيولة الحكومية لمدة عامين أو ثلاثة أعوام قادمة على الأقل.
حجم أصول الصندوق السيادي
ورأت أن حجم الأصول السائلة لصندوق الثروة السيادي قد تجاوز بكثير حجم الناتج المحلي الإجمالي في نهاية عام 2021 مشيرة الى أن الديون الحكومية انخفضت إلى نحو 6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية السنة المالية الماضية.
وذكرت أن حجم أصول الصندوق السيادي كحصة من الناتج المحلي الإجمالي يعتبر من أكبر ثلاثة صناديق سيادية في العالم إلى جانب الصندوق السيادي النرويجي والصندوق السيادي لإمارة أبوظبي.
السياسية النقدية
وبالنسبة الى نظام سعر الصرف والسياسية النقدية، أوضحت الوكالة أن مخزون الكويت الضخم من الأصول الأجنبية يقلل بشكل كبير من مخاطر الضعف الخارجي من خلال دعم مصداقية ربط العملة ومواجهة المضاربة على الدينار حتى اثناء فترات انخفاض أسعار النفط، مؤكدة أن ترتيبات السياسة النقدية للمركزي بربط سعر صرف الدينار بسلة من العملات كأداة للسياسة الرئيسية كان فعالا في الحفاظ على استقرار الأسعار والحد من تقلبات التضخم.
ستاندرد آند بورز تثبت التصنيف
وكالة ستاندرد آند بورز هي الأخرى ثبتت التصنيف الائتماني السيادي للكويت طويل الأجل عند مستوى « -AA» وقصير الأجل عند «+1-A» مع الإبقاء على النظرة المستقبلية مستقرة، مؤكدة أن الأصول المالية للكويت ستساعدها في تجاوز تداعيات الحرب في منطقة الشرق الأوسط وما نتج عنها من اضطرابات في الإمدادات عبر مضيق هرمز.
وتعكس النظرة المستقبلية المستقرة تقديرات الوكالة بأن الأصول المالية والخارجية للكويت من شأنها إتاحة مستويات كافية للصمود في وجه المخاطر التي تهدد الأمن وتدفقات التجارة وقد استندت في تقديراتها إلى افتراض أن هذه الاضطرابات لن تطول مع التوقعات باستئناف الصادرات عبر مضيق هرمز.
تعافي نمو الناتج المحلي
فعلى صعيد توقعات النمو الاقتصادي توقعت الوكالة في ضوء إغلاق مضيق هرمز وما أدى إليه من تراجع في إنتاج النفط انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بحدود 2 في المئة في عام 2026، بينما رجحت الوكالة أن يتعافى نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى نحو 3 في المئة خلال الفترة 2027-2029 بعد الانكماش المؤقت في النمو عام 2026 مدعوما بتعافي مستويات إنتاج النفط والبرامج الاستثمارية واسعة النطاق في القطاعات غير النفطية.
عجز الموازنة
وحول تطورات الموازنة العامة رجحت الوكالة أن يبلغ متوسط العجز نحو 14 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات المالية من (2025/2026) إلى (2028/2029) كنتيجة لارتفاع الإنفاق العام، مشيرة إلى أنه من شأن الإصلاحات المالية المساهمة في تعزيز زخم النمو وضبط أوضاع المالية العامة على المدى المتوسط.
الاحتياطيات المالية الكبيرة
وتشكل الاحتياطيات المالية الكبيرة والصندوق السيادي مظلة حماية قوية للوضع المالي للكويت، ويرى خبراء أن استمرار الأزمة في المنطقة لعدة أشهر إضافية لن يؤدي بالضرورة إلى خفض التصنيف الائتماني طالما بقيت الاحتياطيات المالية عند مستوياتها الحالية، حيث أن الأسواق ووكالات التصنيف تنظر إلى الأزمة الحالية باعتبارها مؤقتة وليست هيكلية أو طويلة الأمد، إضافة إلى الأسس الائتمانية الأساسية للبنوك المحلية التي أثبتت مرونتها في مواجهة تداعيات الصراع، وقدرتها على الحفاظ على هذا الصمود منذ بداية 2026.
ويُظهر تقييم عام 2026 أن الكويت حافظت على متانة مالية قوية وتصنيف سيادي مرتفع مدعوماً بالأصول السيادية الكبيرة والاحتياطيات المالية واستقرار القطاع المصرفي، وعلى الرغم من تحديات مثل الاعتماد على النفط والعجز المالي المؤقت، فإن وكالات التصنيف ترى أن هذه العوامل لا تُضعف الجدارة الائتمانية في المدى المنظور، بفضل القدرة الكبيرة للدولة على امتصاص الصدمات وتمويل احتياجاتها المالية، مع بقاء النظرة المستقبلية مستقرة.