الكويت تعزّز موقعها في الاقتصاد الرقمي العالمي
تخطو دولة الكويت خطوات متسارعة نحو دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن خططها الاستراتيجية، حيث دخلت رسمياً قائمة الدول المطبقة لهذه التقنيات مؤسسياً، وتشمل الجهود الوطنية استثمارات ضخمة في البنية التحتية، وتطوير الخدمات الحكومية الذكية، وبناء القدرات الوطنية،
تطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي
وتعزّز الكويت موقعها في الاقتصاد الرقمي العالمي عبر فتح مسار استثماري مباشر في قطاع الذكاء الاصطناعي، من خلال انضمام الصندوق السيادي الكويتي إلى مبادرة «الشراكة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي»، المدعومة من كبرى المؤسسات العالمية في التكنولوجيا والاستثمار، في خطوة تعكس انتقالاً من مرحلة الاستخدام إلى مرحلة التمركز داخل منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية.
وتُعد هذه المبادرة، التي تُقدّر استثماراتها بنحو 100 مليار دولار على المستوى العالمي، أحد أكبر الأطر الاستثمارية الموجهة لتطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، بما يشمل مراكز البيانات الضخمة، وحلول الحوسبة المتقدمة، وشبكات الطاقة الداعمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، ويعكس دخول الكويت إليها توجهاً نحو الاستثمار طويل الأجل في الأصول الرقمية ذات الطابع الإستراتيجي.
ويأتي هذا التحرك في وقت يشهد فيه قطاع الذكاء الاصطناعي عالمياً توسعاً سريعاً، حيث تشير تقديرات دولية إلى أن حجم الاستثمارات في هذا القطاع يتجاوز 100 مليار دولار سنوياً، مع تحول الذكاء الاصطناعي من تقنية مساندة إلى محرك رئيسي لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، خصوصاً في قطاعات الطاقة والتمويل والصناعة والخدمات.
قاعدة رقمية متقدمة
ويمتد هذا التوجه الكويتي إلى الاستفادة من قاعدة رقمية متقدمة نسبياً، حيث تشير بيانات مؤسسة «موردر انتيلجنس» إلى أن سوق تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الكويت بلغ 22.48 مليار دولار في 2024، مع توقعات بنموه إلى نحو 39.83 مليار دولار خلال 2029.
وتتمتع الكويت ببنية تحتية رقمية مرتفعة الجاهزية وانتشار شبكات الجيل الخامس بنسبة 100 %، ما يشكل بيئة مواتية لتوسيع تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتكاملها مع القطاعات الحكومية والمالية والخدمية.
اقتصاد المعرفة
اقتصادياً، يشير هذا التوجه إلى انتقال تدريجي نحو اقتصاد المعرفة، حيث لا يقتصر الدور الاستثماري على التمويل، بل يمتد إلى بناء شراكات تقنية ونقل خبرات وتطوير قدرات محلية في مجالات البيانات والذكاء الاصطناعي.
تعزيز دور القطاع المصرفي كأداة تمويلية للتحول الرقمي
كما يُتوقع أن يساهم دخول الكويت في هذه المنظومة في تعزيز دور القطاع المصرفي كأداة تمويلية للتحول الرقمي، عبر توجيه جزء من السيولة نحو مشاريع البنية التحتية التكنولوجية، بما يرسخ نموذجاً جديداً للتمويل التنموي القائم على التكنولوجيا.
وتشير تقديرات تحليلية إلى أن هذه الخطوة يمكن أن تحقق 3 نتائج رئيسية، بدءا من تعزيز موقع الكويت في الاقتصاد الرقمي العالمي، وتوسيع نطاق نقل المعرفة التقنية عبر الشراكات الدولية، ودعم تطوير بنية تحتية رقمية متقدمة تتماشى مع أهداف رؤية الكويت 2035.
وفي هذا السياق، تم تصنيف الكويت ضمن الاقتصادات التي تطبق تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى جانب 30 دولة عالمياً، وفق دراسة لمجموعة بوسطن كونسلتينغ غروب، وهو تصنيف يعكس دخول الدولة فعلياً مرحلة الاستخدام المؤسسي للتقنيات الذكية، مع وجود فرص للانتقال إلى مستويات أكثر تقدماً خلال المرحلة المقبلة.
الكويت الرابعة عربياً بالرقمنة الشاملة
وعزّزت الكويت حضورها على خريطة الاقتصاد الرقمي العالمية بعدما جاءت في المركز الـ31 عالمياً والرابع عربياً على مؤشر الرقمنة الشامل، بحسب تقرير «حالة الاقتصاد الرقمي في الهند 2026» الصادر عن مركز المجلس الهندي لبحوث العلاقات الاقتصادية الدولية بالتعاون مع مركز «بروسوس» للاقتصاد الرقمي والإنترنت.
وكشف التقرير عن تحقيق الكويت نتائج متقدمة في عدد من المؤشرات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي، حيث احتلت المركز الـ18 عالمياً في مؤشر الاتصال الرقمي، بما يعكس تطور البنية التحتية الرقمية ومستويات الربط الإلكتروني، كما جاءت في المرتبة الـ26 عالمياً في مؤشر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، في دلالة على اتساع نطاق استخدام الحلول الرقمية والتقنيات المتقدمة في مختلف القطاعات.
وفي المقابل، سجلت الكويت المركز الـ70 عالمياً في مؤشر الابتكار، وهو ما يشير إلى أهمية تعزيز جهود البحث والتطوير ودعم بيئة الابتكار لرفع تنافسية الاقتصاد الرقمي خلال السنوات المقبلة.
شراكة بـ 10 مليارات دولار مع إنفيديا
وفي خطوة وضعت الكويت كراسم لمستقبل الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، أعلنت شركة الاسثتمار الأميركية العملاقة كيه كيه آر عن إطلاق شركة متخصصة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بقيمة 10 مليارات دولار بالشراكة مع شركة «إنفيديا» الرائدة عالمياً في معالجات الذكاء الاصطناعي، وفيسترا إحدى أكبر شركات إنتاج الكهرباء والطاقة في الولايات المتحدة، والهيئة العامة للاستثمار الكويتية في أحدث مؤشر على تزايد استثمارات شركات الأسهم الخاصة في تطوير مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
ويتمثل الجانب الأبرز في هذه الخطوة في توجه الهيئة العامة للاستثمار خلال الفترة الأخيرة نحو عقد شراكات وتحالفات دولية مع شركات عالمية تُعد من الركائز الأساسية في بناء البنية التحتية لصناعة الذكاء الاصطناعي، وهذه ليست الشراكة الأولى للهيئة في هذا المجال، بل تعد الثالثة خلال نحو عام، إلا أن ما يميزها هذه المرة هو دخول الهيئة بصفة شريك مؤسس في الكيان الجديد، وليس مجرد مستثمر أو شريك مالي.
ويُنظر إلى هذا التوجه على أنه خطوة استراتيجية تعزز مكانة الكويت، عبر الهيئة العامة للاستثمار، على خريطة الاستثمارات العالمية في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، التي تمثل الأساس لنمو هذا القطاع، كما يعزز حضور الدولة واستثماراتها إلى جانب أبرز الشركاء العالميين العاملين في هذه الصناعة.
وتظهر دراسة حديثة لمؤسسة البيانات الدولية IDC» » التي توقعت تنامي إجمالي معدل الإنفاق على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الكويت، ليصل إلى 5.71 مليارات دولار خلال 2026.
بناء اقتصاد رقمي متقدم
وفي إطار هذا التحول، تظهر البيانات أن الخدمات الحكومية الإلكترونية تشهد تطورا ملموسا وملحوظا في كل الجهات الحكومية التي تقدم خدماتها للأفراد وقطاع الأعمال، ومن أبرز مظاهر هذا التقدم هو تطبيق «سهل»، الذي أصبح جزءا من الروتين اليومي للمواطنين والمقيمين، ليشكل بذلك مؤشرا عمليا على نجاح التحول الرقمي على أرض الواقع.
وساهم التوجه الاستراتيجي لمجلس الوزراء نحو رقمنة الخدمات الحكومية، واتخاذ قرارات حازمة في هذا المجال، في دعم التحول الرقمي، بما يتوافق مع رؤية «الكويت 2035» الرامية إلى بناء مركز اقتصادي ومالي متقدم، مع التركيز على تحسين جودة الحياة للمواطنين والمقيمين.
ولا يقتصر أثر دخول الشركات العالمية على تطوير الخدمات الحكومية، بل يمتد ليشمل تعزيز القدرات الوطنية في مجالات التحول الرقمي، الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، فمثلا، توفر غوغل كلاود خدمات بنية تحتية سحابية متقدمة، وتدعم أمازون ويب سيرفيسز تحول المؤسسات الحكومية والخاصة رقميا، بينما تركز مايكروسوفت على حلول الذكاء الاصطناعي والتكامل مع مختلف المؤسسات. وهذا التواجد ليس مجرد استثمار تقني، بل يمنح الكويت بعدا استراتيجيا إقليميا ويعزز التنمية الاقتصادية والاجتماعية عبر توفير فرص عمل، ونقل المعرفة، وبناء قدرات بشرية مؤهلة لمستقبل الاقتصاد الرقمي.
أما السوق الكويتي نفسه فهو من الأسواق الواعدة مقارنة بدول المنطقة في تبني التحول الرقمي والتقنيات المتقدمة، الطلب على الخدمات الرقمية والتقنيات الحديثة كبير سواء في القطاعين العام والخاص أو بين الشركات الصغيرة والمتوسطة حتى على مستوى الاستخدام الفردي، وهو ما يعكس ارتفاع مستوى المهارات الرقمية وتوسع الحاجة إلى حلول مبتكرة.
وقد بدأت الجهات الحكومية بالفعل بالتركيز على استقطاب وتوطين الاستثمارات الأجنبية والإقليمية في هذا المجال من خلال تقديم التسهيلات والمزايا، في ظل منافسة قوية عالمياً، بما يجعل التوجه نحو التحول الرقمي عاملا رئيسيا لتعزيز التنافسية للكويت.
وتترك الشراكات مع الشركات العالمية أثرا ملموسا على بناء القدرات الوطنية، فقد أطلقت مايكروسوفت مبادرة لتدريب الموظفين الحكوميين على استخدام منصات الذكاء الاصطناعي، وأعلنت وزارة المالية مؤخرا عن نظام «التراسل بلس» الذي يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، ما يعكس التزام الدولة ببناء قدرات بشرية مؤهلة لمواكبة التطورات الرقمية.