الكويت تواصل استقطاب تدفقات الاستثمار الأجنبي
تتسم البيئة الاقتصادية في الكويت بالاستقرار والمرونة، مدعومة باحتياطيات نفطية ضخمة وسياسات مالية حصيفة، وتسعى رؤية الكويت 2035 إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط، من خلال تطوير قطاعات غير نفطية مثل التكنولوجيا، والخدمات اللوجستية، والسياحة، ويخلق هذا التحول بيئة خصبة للمستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء، حيث تتوفر فرص استثمارية متنوعة في مشاريع البنية التحتية الكبرى، والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، والابتكارات التكنولوجية.
استقطاب تدفقات الاستثمار الأجنبي
ورغم التحديات الاقتصادية والجيوسياسية التي شهدها الاقتصاد العالمي خلال السنوات الأخيرة، واصلت الكويت استقطاب تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر مدعومة بحزمة من الإصلاحات التشريعية والتنظيمية والحوافز الاستثمارية التي عززت جاذبية بيئة الأعمال، وساهمت في ترسيخ مكانة البلاد كوجهة استثمارية واعدة في المنطقة.
قفزة في الاستثمار الأجنبي
وتظهر البيانات أن إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى البلاد خلال الفترة من 2021 إلى 2025 بلغ نحو 4.42 مليارات دولار، ما يعكس استمرار ثقة المستثمرين الأجانب في الاقتصاد الكويتي ومقوماته الأساسية، وفي مقدمتها الاستقرار المالي والنقدي، وقوة القطاع المصرفي، والمشروعات التنموية الكبرى التي تنفذها الدولة ضمن رؤيتها الاقتصادية طويلة الأجل.
15 عاماً إقامة للمستثمرين الأجانب
وفي خطوة جاذبة، قررت الكويت منح المستثمرين الأجانب إقامة مدة 15 عاماً، وحددت فئات من المستثمرين الذين يحقُّ لهم الحصول على إقامة في البلاد تمتد إلى 15 عاماً، كما حددت حجم الاستثمار بما لا يقل عن 16 مليون دولار.
وتضم الفئات المستهدفة: مالكي الكيانات الاستثمارية المرخصة، والشركاء المعتمدين فيها، والمديرين وأفراد الإدارة العليا ممن يحملون المسميات الوظيفية المعتمدة، إلى جانب أفراد أسر هذه الفئات جميعها، وتشمل: الوالدين، والأزواج، والأولاد.
ونص القرار الذي صدر في الجريدة الرسمية (الكويت اليوم) في 14 يونيو الجاري على أنه يجوز للإدارة العامة لشؤون الإقامة بوزارة الداخلية –بناءً على كتاب من هيئة تشجيع الاستثمار المباشر- الترخيص بإقامة مستثمر للفئات المذكورة، متى توفرت فيهم الشروط والضوابط والمعايير.
معايير الحصول على
ترخيص استثماري
وحددت تلك الشروط والمعايير بأن يكون «الكيان الاستثماري» حاصلاً على ترخيص استثماري ساري المفعول، صادر عن هيئة تشجيع الاستثمار المباشر؛ وأن يكون المستثمر، أو الشريك، أو المدير، أو أحد أفراد الإدارة العليا مسجلاً ضمن الكيان الاستثماري، وفقاً لما هو معتمد لدى الهيئة العامة للقوى العاملة والجهات المختصة، وأن تكون مسمياتهم الوظيفية ضمن قائمة المسميات المعتمدة من الهيئة؛ وتقديم صحيفة حالة جنائية تفيد بعدم وجود سوابق أمنية أو قضائية تمنع إصدار الإقامة، وفقاً للمرسوم بقانون رقم 114 لسنة 2024 المشار إليه؛ وأن يكون جواز السفر ساري المفعول، ويتبقى على انتهاء مدته ما لا يقل عن 6 أشهر؛ وتعهُّد الكيان الاستثماري بتحمُّل المسؤولية القانونية عن صحة البيانات والمستندات المقدمة.
حجم الاستثمار 5 ملايين دينار
ونصت المادة 4 من القرار على أنه يشترط في الكيان الاستثماري الذي تُمنح على أساسه إقامة مستثمر استيفاء الشروط والضوابط والمعايير الفنية، بألا تقل قيمة حجم الاستثمار عن 5 ملايين دينار (16.22 مليون دولار)، ورأس المال عن مليون دينار (3.2 مليون دولار)، مع تقديم ما يثبت إيداع مبلغ رأس المال للكيان الاستثماري داخل الكويت، وذلك للأنشطة الاستثمارية المسموح لها، وفقاً لأحكام القانون رقم 116 لسنة 2013 المشار إليه، ويجوز تعديل هذه الحدود بقرار من الوزير المختص بناءً على توصية الهيئة.
كما يشترط أن يكون للكيان الاستثماري مقر عمل فعلي، ويمارس نشاطه بصورة فعلية داخل الكويت. وأن يلتزم الكيان الاستثماري بتوظيف الحد الأدنى من الكويتيين، وفق النسب التي تحددها الهيئة بالتنسيق مع الجهات المختصة.
تنويع الاقتصاد واستقطاب الكفاءات
ويرى الخبراء أن القرار يأتي في إطار سعي الكويت إلى تنويع مصادر دخلها، وعدم الاعتماد بصورة رئيسة على الإيرادات النفطية، من خلال تشجيع المستثمرين الأجانب على العمل والاستثمار داخل البلاد، ضمن الأطر القانونية المعتمدة، ويخفف منح إقامة طويلة للمستثمرين انشغالهم بإجراءات الإقامة وتجديدها، ويمنحهم استقراراً أكبر للتركيز على تطوير مشاريعهم وأفكارهم الاستثمارية، بما يمكن أن يسهم في رفد الاقتصاد الكويتي بإيرادات غير نفطية.
ويمثل القرار كذلك خطوة تحفيزية مهمة، نحو خلق بيئة أعمال مستقرة وتنافسية طال انتظارها، ويأتي ضمن تنفيذ «رؤية الكويت 2035» الرامية إلى إعادة الكويت مركزاً مالياً وتجارياً جاذباً للاستثمار، كما أن القرار يحقق قدراً أكبر من الشفافية والتكامل في بيئة الأعمال، ويدعم استمرار الشركات، ونقل الكفاءات والخبرات، وتعزيز ثقة المستثمرين في الكويت، بوصفها وجهة إستراتيجية للاستثمار الدولي.
أكثر من 6 مليارات دولار
إجمالي الاستثمارات
وفي ظل استمرار الجهود الحكومية الرامية إلى تعزيز بيئة الأعمال وتنويع القاعدة الاقتصادية وجذب الاستثمارات النوعية ذات القيمة المضافة، تجاوز حجم الاستثمارات المباشرة خلال عام 2025 ، 222.855 مليون دينار (نحو 725 مليون دولار).
وفي تقريرها السنوي العاشر للسنة المالية 2024 – 2025 كشفت هيئة تشجيع الاستثمار المباشر أن إجمالي الاستثمارات الموافق عليها تراكميا منذ 1 يناير 2015 حتى 31 مارس 2025 ارتفع ليصل إلى مليار و 972 مليون دينار (نحو 6.41 مليارات دولار) موزعة على 105 كيانات استثمارية من 34 دولة تغطي 16 قطاعا حيويا.
وأسهمت هذه الاستثمارات في دعم الاقتصاد الوطني من خلال توفير فرص العمل وتنمية قدرات الكوادر الوطنية ونقل وتوطين التكنولوجيا وتعزيز المحتوى المحلي والصادرات إضافة إلى ارتفاع إجمالي الإنفاق المحلي للكيانات المرخصة بنسبة 17.6 % ليبلغ مليار و 870 ألف دينار (نحو 3.5 مليارات دولار) وفق نموذج الكويت لقياس المنفعة الاقتصادية.
وتشير أحدث البيانات الصادرة عن بورصة الكويت إلى أن إجمالي قيمة الملكيات الأجنبية في السوق الأول يبلغ نحو 6.57 مليارات دينار، وهو مستوى يعكس استمرار الثقة في بيئة السوق وقدرته على توفير توازن بين العائد والمخاطر حتى في ظل ظروف إقليمية معقدة.
كما أن قيمة استثمارات الأجانب في قطاع المصارف المدرج في بورصة الكويت بلغت 4.868 مليارات دينار، نحو 14.896 مليار دولار حتى نهاية الربع الأول من 2026 بما يعادل 15.37 % من القيمة الرأسمالية للقطاع.
ويسيطر قطاع المصارف على القيمة الرأسمالية للبورصة إذ يستحوذ على 61.5 % ويعد الأكثر جذبا للاستثمار الأجنبي غير المباشر ومن أعلى القطاعات سيولة إذ استحوذ على 38.1 % من إجمالي سيولتها خلال الأشهر الثلاثة الأول من العام الجاري.
وتؤكد هذه الأرقام أن الكويت نجحت خلال السنوات الأخيرة في الحفاظ على تدفقات إيجابية للاستثمار الأجنبي المباشر رغم التقلبات الاقتصادية العالمية، مستفيدة من متانة اقتصادها وموقعها الاستراتيجي وبيئتها التشريعية المتطورة، فيما تبقى المشروعات التنموية الكبرى والإصلاحات الاقتصادية المستمرة من أبرز المحركات الداعمة لجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية خلال السنوات المقبلة.