الكويت وإيطاليا.. شراكة تصنع فرصا جديدة
تستند العلاقات الاقتصادية بين الكويت وإيطاليا إلى مصالح تتجاوز حركة الصادرات والواردات، لتشمل استثمارات صناعية وشراكات مالية وحضوراً كويتياً داخل سوق الطاقة الإيطالية. وتكشف التقارير والبيانات الرسمية عن علاقة تجمع بين رأس المال الكويتي والخبرة الإنتاجية الإيطالية، وتتجه بصورة متزايدة إلى مجالات الوقود الحيوي والخدمات المرتبطة بتحول الطاقة، مع استمرار أهمية التجارة في المعدات والمنتجات الصناعية.
ويأتي لقاء سمو أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، في الكويت يوم 23 أكتوبر 2026، ليضع هذه المصالح الاقتصادية ضمن سياق التواصل السياسي رفيع المستوى بين البلدين، بحسب ما وثقته رئاسة مجلس الوزراء الإيطالية. وتوفر المشروعات القائمة قاعدة عملية يمكن البناء عليها لتوسيع التعاون، وتحويل العلاقات المؤسسية إلى فرص إنتاج وتشغيل واستثمار طويلة الأجل.
تجارة تتجاوز ملياري يورو
وفقاً لتقرير وكالة التجارة الإيطالية «ICE»، المنشور في أبريل 2026 استناداً إلى بيانات المعهد الوطني الإيطالي للإحصاء «ISTAT»، بلغت الصادرات الإيطالية إلى الكويت نحو 1.85 مليار يورو خلال 2025، مقابل واردات من الكويت بنحو 264 مليوناً، بما يضع إجمالي تجارة السلع عند نحو 2.114 مليار يورو، بحساب مجموع الرقمين.
وتصدّر قطاع الطيران الصادرات الإيطالية بنحو 904 ملايين يورو، تليه بنود تشمل الأنابيب والمنتجات الفولاذية بنحو 117 مليوناً، والآلات بمختلف الفئات الواردة في التقرير بأكثر من 130 مليوناً. كما تجاوزت صادرات الأدوية والمستحضرات الصيدلانية 41 مليون يورو، مقابل 17 مليوناً في 2024.
وفي الاتجاه المقابل، بلغت واردات إيطاليا من المنتجات النفطية المكررة الكويتية نحو 199 مليون يورو. وتكشف هذه التركيبة عن تكامل بين الإمدادات المرتبطة بالطاقة والسلع الصناعية، لكنها تُظهر أيضاً تأثير الصفقات الكبيرة في النتائج السنوية، ما يجعل توسيع قاعدة المنتجات والشركات المشاركة مدخلاً لتجارة أكثر استقراراً.
حضور كويتي كبير
تقدم شركة البترول الكويتية العالمية «Q8»، التي تأسست عام 1983، نموذجاً للاستثمار الذي يتجاوز تصدير المنتجات إلى امتلاك أنشطة التكرير والتسويق والخدمات في الأسواق الخارجية. وتدرج الشركة مصفاة ميلاتسو الإيطالية ضمن مشروعات التكرير المشتركة التابعة لها، إلى جانب مشروعاتها في عُمان وفيتنام.
وتكمن أهمية هذا النموذج، من زاوية اقتصادية، في أنه يتيح للمستثمر المشاركة في مراحل متعددة من سلسلة القيمة، بدلاً من الاقتصار على بيع مادة أولية أو منتج نهائي. فوجود أصول تشغيلية وشبكات توزيع يجعل العلاقة بالسوق المستقبلة للاستثمار أكثر استمرارية، ويربطها بالمستهلكين والموردين والخدمات المحلية.
وبذلك، لا تعكس أرقام التجارة الثنائية وحدها الحجم الكامل للعلاقة؛ فالمنتجات التي تصنعها أو تسوقها شركة كويتية داخل إيطاليا تدخل ضمن نشاطها هناك، ولا تُحتسب تلقائياً صادرات من الكويت إلى السوق الإيطالية.
15 مليار يورو إيرادات تشغيلية
بحسب البيان الرسمي المصاحب لتقرير استدامة «Q8 إيطاليا» للسنة المالية الممتدة من أول أبريل 2025 إلى 31 مارس 2026، سجلت الشركة إيرادات تقارب 15 مليار يورو، وسددت نحو 6 مليارات يورو من الضرائب الانتقائية على المنتجات. وتعبر هذه الأرقام عن حجم نشاط تشغيلي واسع داخل الاقتصاد الإيطالي، وليست تقديراً لقيمة الاستثمارات الكويتية المتراكمة أو الأرباح المحققة.
وتظهر بيانات الشركة شبكة تضم 2897 نقطة بيع، وخدمات في 18 مطاراً، إلى جانب أنشطة تزويد السفن بالوقود في الموانئ الإيطالية الرئيسية. وتمتد عملياتها عبر هيكل يضم 12 شركة تابعة و10 شركات مرتبطة، ويشمل التكرير والخدمات اللوجستية والزيوت والطيران والطاقة الحيوية.
وتشير هذه الخريطة التشغيلية إلى أن الحضور الكويتي يرتبط بحركة النقل والإمداد اليومية، وليس بمجال استثماري منفصل عن الاقتصاد المحلي. كما تمنح شبكة التوزيع القائمة فرصة لتسويق منتجات جديدة، بما يساعد على ربط الاستثمار في الإنتاج بقنوات وصول مباشرة إلى العملاء.
«بريولو».. مرحلة جديدة للطاقة
في الثالث من فبراير 2026، أعلنت «إيني» و«Q8 إيطاليا» مشروعاً مشتركاً لإنشاء وتشغيل مصفاة حيوية في بريولو بجزيرة صقلية، بعد حصول خطة التحول على موافقة مجلسي إدارة «إيني» ومؤسسة البترول الكويتية. ويستند المشروع إلى شراكة بين الجانبين بدأت مع مصفاة ميلاتسو في 1996.
وتبلغ الطاقة الإنتاجية المخططة للمصفاة الجديدة 500 ألف طن سنوياً، مع مرونة لإنتاج الديزل الحيوي المعالج بالهيدروجين «HVO» ووقود الطيران المستدام «SAF». ويحدد البيان نهاية 2028 موعداً متوقعاً لاستكمال الأعمال، إلى جانب المتطلبات التعاقدية والتراخيص اللازمة.
وتوضح «إيني» أن المشروع يعتمد أساساً على مخلفات وبقايا نباتية لا تنافس السلسلة الغذائية، إضافة إلى الدهون الحيوانية وزيوت الطهي المستعملة، ويتضمن وحدات لمعالجة المواد الأولية وإنتاج الهيدروجين. ويعكس ذلك انتقال التعاون إلى نشاط يجمع بين الصناعة وإعادة استخدام الموارد، مع توظيف الخبرة التكنولوجية لتطوير منتجات موجهة إلى أسواق النقل.
عقد صناعي بـ700 مليون يورو
اتخذ مشروع بريولو خطوة تنفيذية في أبريل 2026، عندما أعلنت «سايبم» توقيع العقد الرئيسي مع «إيني إندستريال إيفوليوشن» لإنجاز المصفاة، بقيمة تقارب 700 مليون يورو عند اكتماله، على أن تنتهي الأعمال بنهاية 2028.
ويشمل العقد الهندسة التفصيلية وتوريد المواد وإنشاء الوحدات الرئيسية. وتمثل القيمة المعلنة حجم هذا العقد تحديداً، ولا تعني أنها التكلفة الإجمالية للمشروع أو المساهمة المالية المنفردة للطرف الكويتي.
ومن منظور اقتصادي، توضح هذه الخطوة كيف تتحول الشراكة الاستثمارية إلى طلب على الخدمات الهندسية والمعدات وأعمال الإنشاء. كما تُبرز أهمية متابعة مراحل التنفيذ؛ فالإعلان عن مشروع يفتح فرصة اقتصادية، بينما يحدد تقدم العقود والإنشاء والتشغيل توقيت انتقالها إلى إنتاج وإيرادات فعلية.
الاستثمار السيادي يوسع القاعدة
يمتد التعاون إلى الاستثمار المالي المؤسسي. ويوثق التقرير المالي للصندوق الاستراتيجي الإيطالي لعام 2015 تأسيس شركة الاستثمار المشترك «FSI Investimenti» في 2014، بمشاركة الهيئة العامة للاستثمار الكويتية بحصة تقارب 23 %، مقابل نحو 77 % للطرف الإيطالي.
وبحسب التقرير، تضمن الاتفاق التزامات استثمارية تصل إلى 500 مليون يورو لكل طرف، وكان الجانب الكويتي قد دفع نحو 352 مليون يورو عند تأسيس الشركة. وهذه أرقام تاريخية تخص ترتيباً استثمارياً محدداً، وليست حصراً للقيمة الحالية لجميع الأصول الكويتية في إيطاليا.
وتكمن دلالة التجربة في توفير قناة مؤسسية للمشاركة في الشركات وفرص نموها، إلى جانب الاستثمار المباشر في الطاقة. وتسمح هذه الصيغة، من حيث طبيعتها، بتوزيع الاستثمار على أنشطة مختلفة، والاستفادة من معرفة الشريك المحلي بالشركات والأسواق، مع إخضاع الفرص للتقييم المالي والتجاري.
فرص المرحلة المقبلة
تتيح قراءة هذه المشروعات معاً تحديد مسارات عملية لتطوير العلاقات: توسيع الشراكات الصناعية، وربط التمويل بخطط إنتاج واضحة، وتعزيز التعاون بين الموردين ومقدمي الخدمات، والاستفادة من الخبرات المكتسبة في مشروعات الطاقة الجديدة.
ومن الناحية التحليلية، يمكن أن تحقق العلاقة قيمة أكبر للكويت عندما تقترن الاستثمارات الخارجية بتطوير الكفاءات ونقل الخبرات التشغيلية، وبناء روابط مع الشركات الكويتية القادرة على المشاركة في سلاسل التوريد. كما يمكن للجانب الإيطالي الاستفادة من الشراكات طويلة الأجل في توسيع الأنشطة الإنتاجية وتطوير التكنولوجيا.
وتبقى جودة التنفيذ أهم من كثرة الإعلانات؛ إذ تُقاس النتائج ببدء التشغيل، وكفاءة استخدام رأس المال، واستقرار العوائد، ومدى اتساع المشاركة الاقتصادية. وتوفر التجارب القائمة أساساً ملموساً لهذا المسار، بما يجعل التعاون الكويتي الإيطالي قابلاً للتطور من صفقات منفردة إلى مشروعات مترابطة تخدم مصالح الطرفين.