تضع الكويت الذكاء الاصطناعي في قلب معادلة المستقبل
تخطو الكويت خطوات متسارعة نحو دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن خططها الاستراتيجية، حيث دخلت رسمياً قائمة الدول المطبقة لهذه التقنيات مؤسسياً، وتشمل الجهود الوطنية استثمارات ضخمة في البنية التحتية، وتطوير الخدمات الحكومية الذكية، وبناء القدرات الوطنية.
وتتجه الكويت إلى توسيع استثماراتها في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية، ضمن مساعيها لتنويع مصادر الدخل، وتعزيز دور التكنولوجيا في الأنشطة المالية والصناعية والخدمات الحكومية واللوجستية، ولم يعد هذا التوجه مقتصراً على تبني التطبيقات الذكية، بل بات يرتبط ببناء قدرات حوسبة متقدمة، وتطوير مراكز البيانات، واستقطاب الشركات العالمية، فضلا عن توظيف رؤوس الأموال في التقنيات التي يُتوقع أن تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي.
وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة في ظل سعي الدولة إلى تقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية، ورفع إنتاجية القطاع الخاص، وتطوير بيئة أعمال قادرة على استقطاب الاستثمارات النوعية.
وتمثل مراكز البيانات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي بنية أساسية للاقتصاد الرقمي، وتتيح فرصاً في مجالات الخدمات التقنية والأمن السيبراني وتحليل البيانات وتطوير البرمجيات، إضافة إلى دعم كفاءة القطاعات التقليدية.
مراكز البيانات في صدارة التحول الرقمي
تُعد مراكز البيانات إحدى الركائز الأساسية التي تراهن عليها الكويت لتطوير اقتصاد رقمي أكثر تنوعاً، إذ توفر البيئة اللازمة لتخزين المعلومات ومعالجتها وتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، مع إتاحة خدمات رقمية أكثر سرعة واستقراراً للمؤسسات الحكومية والشركات.
وتبرز في هذا المسار مشروعات غوغل كلاود ومايكروسوفت، اللتان ترتبطان باتفاقيات مع الحكومة الكويتية لتطوير البنية التحتية الرقمية، وتوسيع استخدام الخدمات السحابية، ودمج تطبيقات الذكاء الاصطناعي في العمل الحكومي والأنشطة الاقتصادية.
مشروع غوغل كلاود
يمثل مشروع غوغل كلاود أحد أبرز المشروعات التي تعمل الكويت على تطويرها في مجال البنية التحتية الرقمية، ويتضمن إنشاء ثلاثة مراكز بيانات سحابية في مواقع جنوب مدينة المطلاع السكنية، ومدينة جابر الأحمد السكنية، ومنطقة الصليبية الزراعية.
وفي منتصف سبتمبر الماضي، أعلنت الهيئة العامة للاتصالات وتقنية المعلومات أنها بحثت مستجدات أعمال الإنشاء واحتياجات البنية التحتية للمشروع، بمشاركة ممثلين عن وزارتي الأشغال العامة والكهرباء والماء والطاقة المتجددة وشركة غوغل كلاود وركز الاجتماع على جاهزية المواقع، ومتطلبات التنفيذ، والتنسيق بين الجهات الحكومية لتسريع إنجاز الأعمال وفق الخطط المعتمدة.
ولا تقتصر أهمية المشروع على إنشاء منشآت تقنية، بل تمتد إلى توفير بيئة محلية لتشغيل الخدمات السحابية، وتطوير تطبيقات تحليل البيانات، ودعم الحلول الذكية للجهات الحكومية والشركات، بما يعزز قدرة المؤسسات على الاستفادة من البيانات في اتخاذ القرارات وتحسين الكفاءة التشغيلية.
وطرحت وزارة الكهرباء والماء والطاقة المتجددة خلال أبريل الماضي أعمالاً مرتبطة بتوفير وتركيب ثلاث محطات تحويل كهربائية رئيسية بجهد 132/11 كيلوفولت لخدمة المشروع، بميزانية تبلغ نحو 22 مليون دينار. ويعكس ذلك أهمية الربط بين الاستثمار التقني وتطوير البنية التحتية للطاقة، إذ تتطلب مراكز البيانات إمدادات كهربائية مستقرة وقدرات تشغيلية تتناسب مع أحمال الحوسبة والتبريد.
وتعمل الكويت، بالتوازي مع البنية المادية، على تطوير الاستخدامات الحكومية لخدمات غوغل كلاود، شملت المنصة الوطنية لتبادل البيانات، ومشروع نقل الأنظمة الحكومية إلى السحابية، وتدريب الكوادر الوطنية على التقنيات السحابية، فضلا عن تفعيل أكثر من 67 واجهة رقمية من ثماني جهات حكومية، وتدريب أكثر من ألفي متدرب على تقنيات غوغل كلاود.
مايكروسوفت وتوسيع البنية التحتية
تسعى الشركة إلى توسيع البنية التحتية السحابية في الكويت وتطوير قدرات الذكاء الاصطناعي، عبر اتفاقية استراتيجية مع الحكومة، ممثلة بالجهاز المركزي لتكنولوجيا المعلومات والهيئة العامة للاتصالات وتقنية المعلومات، تتضمن التوجه نحو إنشاء منطقة سحابية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتطوير مركز للابتكار التقني، ومركز للتميز في الحوسبة السحابية، وتعزيز الأمن السيبراني، وتدريب الكوادر الوطنية، كما شملت الاتفاقية خططاً لدمج أدوات في العمليات الحكومية، بما يتيح استخدام الذكاء الاصطناعي في تحرير المستندات وتحليل المعلومات وتلخيص المحتوى وتحسين الإنتاجية.
افتتاح أكبر مركز للابتكار الرقمي بالمنطقة
وفي سبتمبر الماضي، ناقش سمو ولي العهد الشيخ صباح الخالد مع نائب رئيس مجلس إدارة مايكروسوفت، براد سميث، تقدم الشراكة الاستراتيجية والاستعدادات لافتتاح أكبر مركز للابتكار الرقمي بالمنطقة في الكويت خلال الفترة المقبلة، إلى جانب فرص التعاون في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي ومراكز البيانات وبناء قدرات الكوادر الوطنية.
وتعكس هذه الخطوات توجهاً نحو الجمع بين البنية التحتية والتطبيقات والتدريب؛ فامتلاك القدرة على تشغيل الخدمات السحابية محلياً يتيح فرصاً لتطوير حلول تتناسب مع احتياجات المؤسسات الكويتية، بينما يساعد مركز الابتكار في تحويل التقنيات العالمية إلى تطبيقات عملية وتطوير المهارات المطلوبة لتشغيلها.
استثمارات الكويت في الذكاء الاصطناعي
وكشف التقرير السنوي الصادر عن «غلوبال إس دبليو أف» لعام 2026 استثمار الهيئة العامة للاستثمار نحو 9 مليارات دولار في قطاعي الذكاء الاصطناعي والاستثمار الرقمي خلال السنوات الـ 5 الماضية، بواقع 6 مليارات في القطاع الرقمي و3 مليارات بالذكاء الاصطناعي.
من جانبها ذكرت منصة «Kr 36» الاقتصادية الصينية أن الكويت عزّزت حضورها في منظومة الاستثمارات الخليجية بقطاع الذكاء الاصطناعي، من خلال مشاركة الهيئة العامة للاستثمار كمستثمر محدود في صناديق ومنصات إقليمية متخصصة في هذا المجال، في وقت تتجه فيه رؤوس الأموال الخليجية بصورة متزايدة إلى الاستثمار في مختلف حلقات سلسلة القيمة للذكاء الاصطناعي.
وأضافت، أن الكويت تشارك كمستثمر في صندوق الذكاء الاصطناعي التابع لشركة «بروكفيلد»، إلى جانب مشاركتها في منصة «شركاء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي»، التي تضم «إم جي إكس» و«بلاك روك» و«جي آي بي» و«مايكروسوفت»، وتستهدف جمع 300 مليار دولار للاستثمار في مراكز البيانات والقدرات الحوسبية للذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي وتنويع الاقتصاد الكويتي
ويمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة على التأثير في مجموعة واسعة من الأنشطة الاقتصادية، ولا تتوقف منافعه عند الشركات التقنية، وتبرز أهميته للكويت في إمكانية تحسين الإنتاجية، وخفض تكاليف التشغيل، وتطوير خدمات جديدة، ورفع كفاءة استخدام الموارد.
ويتيح توسع مراكز البيانات والحوسبة السحابية تطوير خدمات استضافة البيانات، وإدارة الأنظمة، والأمن السيبراني، وتحليل المعلومات، وتوفير حلول تقنية للشركات المحلية والإقليمية، ويمكن أن يفتح ذلك المجال أمام شركات كويتية متخصصة في البرمجيات والخدمات الرقمية.
ويمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل الائتمان، وكشف الاحتيال، وإدارة المخاطر، وتطوير الخدمات المصرفية الرقمية، وأتمتة الإجراءات. ويسهم ذلك في تعزيز كفاءة المؤسسات المالية وتطوير منتجات تتناسب مع احتياجات الأفراد والشركات.
رفع كفاءة قطاع النفط والطاقة
يمكن توظيف النماذج الذكية في التنبؤ بأعطال المعدات، وتحسين عمليات الصيانة، وتحليل البيانات الجيولوجية، ورفع كفاءة استهلاك الطاقة. ويمنح ذلك الكويت فرصة لتحسين إنتاجية قطاعها النفطي الرئيسي بالتوازي مع توسيع الأنشطة غير النفطية.
وتدعم تقنيات التنبؤ وتحليل البيانات إدارة المخزون، وتخطيط حركة الشحن، وتحسين كفاءة الموانئ وسلاسل الإمداد، ويمكن ربط هذه التطبيقات بخطط تطوير البنية التحتية اللوجستية والمناطق التجارية.
الحكومة الرقمية والإنتاجية
يتيح دمج الذكاء الاصطناعي في الخدمات الحكومية معالجة الطلبات، وتلخيص الوثائق، وتحسين خدمة المراجعين، وتسهيل تبادل البيانات بين الجهات، فضلا عن خفض زمن إنجاز المعاملات وتحسين كفاءة الإنفاق التشغيلي.
ويمكن أن يفتح انتشار الأدوات الذكية المجال أمام مشروعات ناشئة في تطوير التطبيقات، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، وأتمتة الأعمال. ويتطلب تحويل هذه الفرص إلى قيمة محلية توفير التدريب والتمويل والوصول إلى الأسواق.
التحرك في مسارين متكاملين
وتتحرك الكويت حاليا في مسارين متكاملين لبناء حضور في اقتصاد الذكاء الاصطناعي الأول يتمثل في تطوير البنية التحتية المحلية عبر مشروعات ، غوغل كلاود ومايكروسوفت وتعزيز التعاون التقني مع شركات مثل هواوي، والثاني يتمثل في توظيف رأس المال السيادي في المنظومة العالمية للبنية التحتية الرقمية، كما يظهر في التحالف الذي أطلقته شركة الاستثمار الأميركية العملاقة كيه كيه آر و إنفيديا وفيسترا إحدى أكبر شركات إنتاج الكهرباء والطاقة في الولايات المتحدة، وهيئة الاستثمار الكويتية خلال يونيو 2026.
أهمية هذه التحركات تكمن في إمكانية نقل الكويت من مجرد مستهلك للتقنيات الحديثة إلى مستفيد اقتصادي من تطويرها وتشغيلها وتمويلها، غير أن تحقيق هذا الهدف يتوقف على سرعة التنفيذ، وتوافر الطاقة والاتصالات، إضافة إلى تطوير المهارات، ورفع مساهمة الشركات المحلية، وتحويل الاتفاقيات إلى استثمارات تشغيلية قابلة للقياس.
وبالنسبة إلى التنويع الاقتصادي، فإن المعيار الأهم ليس عدد مراكز البيانات التي يجري الإعلان عنها، بل مقدار القيمة المضافة التي تنتجها داخل الكويت، وحجم الأعمال الجديدة التي تتيحها، وقدرتها على توفير مصادر دخل مستدامة تتجاوز الاعتماد على النفط.