الكويت والصين.. شراكة استراتيجية متجددة
تُعد العلاقات الكويتية- الصينية واحدة من أنجح نماذج العلاقات الثنائية بين الدول العربية والقوى الاقتصادية الكبرى، فقد نجحت على مدار أكثر من خمسة عقود في بناء شراكة استراتيجية متينة، تقوم على الاحترام المتبادل والثقة، والتعاون الاقتصادي، والتنموي المشترك.
وما بين رؤية «كويت جديدة 2035» ومبادرة «الحزام والطريق» الصينية أفق واسع رسمته الرؤى الاستشرافية الاحترافية في البلدين الصديقين استنادا إلى دروس التاريخ والجغرافيا السياسية بكل ما يعنيه ذلك من تعاون في المجالات الحيوية اقتصاديا وتنمويا وفرص متعددة تمكنهما من مجابهة التحديات والتطورات في المنطقة والعالم.
وبدأ التحوّل الأبرز في سبتمبر عام 2023، عندما توّجت مباحثات سمو الأمير الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، حين كان وليّاً للعهد، والرئيس الصينيّ شي جين بينغ بتوقيع 7 مذكّرات تفاهم شملت المدن الإسكانيّة وميناء مبارك الكبير والطاقة المتجدّدة والصرف الصحيّ والمناطق الحرّة والاقتصاد والبيئة.
ميناء مبارك نقلة نوعية بين البلدين
بعد مرحلة طويلة من الترتيبات الفنّيّة والقانونيّة، بدأت الاتّفاقات تتحوّل إلى مشاريع بمليارات الدولارات، ففي نهاية العام الماضي، وقّعت الكويت عقد الهندسة والتوريدات والبناء لاستكمال ميناء مبارك الكبير مع الشركة الصينيّة الحكوميّة للبناء والمواصلات، بقيمة تصل إلى نحو 4 مليارات دولار، ليصبح المشروع باكورة التنفيذ العمليّ للشراكة الجديدة.
ومثل توقيع عقد الهندسة والتوريدات والبناء لاستكمال تنفيذ مشروع ميناء مبارك الكبير خطوة بارزة ضمن المسار التنموي لدولة الكويت وترجمة عملية للاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقعة بين حكومتي الكويت والصين.
ويعد مشروع ميناء مبارك الكبير نقلة نوعية في دعم الاقتصاد الوطني وتحويل الكويت إلى مركز مالي وتجاري إقليمي، وتمثل البنية التحتية ركيزة أساسية للتنمية وفي مقدمتها الموانئ البحرية ومطار الكويت الدولي الذي يقترب من مراحله النهائية على أن تستكمل بقية المشاريع الداعمة للبنية التحتية والتنمية المستدامة.
اتفاقية أخرى تدخل حيز التنفيذ
وفي يوليو من العام الحالي، وبحضور سمو الشيخ أحمد العبدالله، رئيس مجلس الوزراء، شهدت الكويت توقيع عقد إنشاء وتشغيل وصيانة محطة تنقية كبد الشمالية لمعالجة مياه الصرف الصحّي، بقيمة تبلغ نحو 3.3 مليارات دولار، كثاني اتّفاقيّة مع الصين تدخل حيّز التطبيق بين البلدين.
وتشمل الأعمال الأساسية للمشروع إنشاء شبكات لتجميع ونقل مياه الصرف الصحي بطول 180 كيلومتراً، وأنفاق دقيقة بقطر يصل إلى 3000 مليمتر، وثلاث محطات ضخ رئيسية، إضافة إلى محطة معالجة بسعة تدفق قصوى تبلغ 500 ألف متر مكعب يومياً، وخزان بسعة تخزينية إجمالية تصل إلى 600 ألف متر مكعب.
ويعتبر مشروع محطة تنقية كبد الشمالية الخطوة التنفيذية الأحدث ضمن سلسلة من الخطوات المتسارعة التي تهدف إلى الارتقاء بجودة البنية التحتية وتعزيز الاستدامة البيئية علاوة على رفع كفاءة منظومة معالجة مياه الصرف الصحي بما يواكب النمو العمراني في البلاد ويدعم تحقيق مستهدفات التنمية المستدامة ورؤية دولة الكويت المستقبلية.
قفزة في حجم التبادل التجاري
وخلال العقود الماضية، تطورت العلاقات الثنائية بوتيرة متسارعة حتى أصبحت الصين اليوم أكبر شريك تجاري للكويت، فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 18.58 مليار دولار في عام 2025، فيمـا تتصـدر الصين قائمـة الدول المصدرة للسوق الكويتي بحصة 10 % من الواردات، بينما تمثل الصين الوجه الأكبر للنفط الكويتي الخام الذي يمثل 90 % من صادرات البلاد، بينما استمرت العلاقات التجارية في النمو رغم التحديات الاقتصادية العالمية.
ويشكّل قطاع الطاقة العمود الفقري للعلاقات الاقتصادية بين البلدين، حيث استوردت بكين من الكويت خلال 2025 نحو 19.02 مليون طن من النفط الخام، إذ تعادل هذه الكمية تقريبًا 380 ألف برميل يومياً في المتوسط، أو نحو 3.4 % من إجمالي واردات الصين النفطية وفق بيانات الجمارك الصينية.
عشرات الشركات الصينية
تعمل بالكويت
ولم يقتصر التعاون على التجارة والطاقة فقط، بل امتد إلى مشاريع البنية التحتية والتنمية الكبرى، وتعمل حاليًا نحو 70 شركة صينية في المشاريع الكبرى، دعمًا لاستراتيجية التنمية الوطنية للكويت، ومساهمة في دفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومع التقدم في تنفيذ رؤية الكويت 2035، تتسع آفاق التعاون في مجالات الارتقاء الصناعي والتنمية الخضراء والاقتصاد الرقمي والذكي، فيما بدأت منتجات «الصناعة الذكية الصينية»، مثل السيارات والاتصالات والروبوتات، بالدخول تدريجياً إلى آلاف المنازل في الكويت.
«الصابرية» أكبر ثمار الشراكة الاستراتيجية
وتعمل الكويت على تعزيز شراكتها التنموية مع الصين عبر مشروع مدينة الصابرية الجديدة، الذي يُعد من أبرز المشاريع الإسكانية والعمرانية المطروحة ضمن مسار التعاون بين البلدين، ويستهدف معالجة جانب من الطلب الإسكاني، إلى جانب تطوير بنية تحتية ومدن حديثة في شمال البلاد.
ورشّحت الصين عددًا من شركاتها العملاقة لتنفيذ مشروع تطوير مدينة الصابرية السكنية، التي تضم نحو 55 ألف وحدة سكنية، إضافة إلى مدينتين للعمال، وقد تضمن العرض الصيني استثمارًا يصل إلى 22 مليار دولار نحو 6.7 مليارات دينار يشمل التصميم، والإنشاء، والتطوير، إضافة إلى متطلبات البنية التحتية من محطات للكهرباء والصرف الصحي.
ويمثل موقع الصابرية امتداداً مهماً للتوسع العمراني في شمال الكويت، ويمكن للمشروع أن يساهم في إعادة توزيع النمو السكاني بعيداً عن المناطق الحضرية القائمة، خصوصاً مع توفير وحدات سكنية ومرافق تجارية وخدمية وترفيهية متكاملة.
كما أن حجم المشروع، الذي يعادل مدينة سكنية كبيرة، يمنحه أهمية تتجاوز توفير المساكن إلى خلق منطقة عمرانية جديدة تستوعب أنشطة اقتصادية وخدمية متنوعة، وتحتاج إلى شبكة متكاملة من الطرق والمرافق والبنية التحتية.
وتأتي الصابرية ضمن مجموعة من المدن السكنية الجديدة التي تعمل الدولة على تطويرها، إذ أشارت المؤسسة العامة للرعاية السكنية إلى أن مدن الخيران ونواف الأحمد والصابرية يمكن أن توفر مجتمعة نحو 170 ألف وحدة سكنية متنوعة، بما يدعم خطط معالجة القضية الإسكانية والتوسع العمراني.
استثمارات الكويت في الصين
في مؤشر يعكس عمق الروابط الاقتصادية بين البلدين، تبلغ القيمة الإجمالية للاستثمار المالي الكويتي في الصين أكثر من 10 مليارات دولار، وذلك وفق لتصريجات نائب رئيس البعثة بسفارة الصين في الكويت ليو شيانغ، فيما عزّزت هيئة الاستثمار الكويتية وجودها في السوق الصينية، حيث ظهرت ضمن أكبر 10 مالكين للأسهم القابلة للتداول الحر.
وزادت هيئة الاستثمار حصصها في شركات متنوعة منها شركة مجموعة «فلايكو» المحدودة المتخصصة في الأجهزة المنزلية، بشراء 1.63 مليون سهم ليصل إجمالي حيازتها إلى 8.17 مليون سهم بنحو 301 مليون يوان، وشركة مجموعة «آنهوي يينغليو»، المصنعة للطائرات المروحية، بزيادة 540 ألف سهم، لتتجاوز قيمة حيازتها 182 مليون يوان.
وتوزعت الاستثمارات على قطاعات متعددة تشمل الأجهزة المنزلية والآلات وقطع غيار السيارات والمعدات الكهربائية، فيما تمثل شركة «ساتالايت كيميكال» وشركة «تشجيانغ سانهوا إنتيليجنت كونترولز» أكبر حيازتين للهيئة في سوق الأسهم الصينية، حيث تجاوزت القيمة السوقية لكل منهما نصف مليار يوان.
الكويت تقتحم قطاع
البتروكيماويات الصيني
واستحوذت الكويت على 25 % من «وانهوا كميكال» الصينية، وذلك بعدما وقعت شركة صناعة الكيماويات البترولية اتفاقية مع مجموعة وانهوا كميكال الصينية، تقضي بموجبها الاستحواذ على 25 % في مجموعة من المصانع البتروكيماوية الواقعة في منطقة ينتاي بجمهورية الصين الشعبية.
ووفقا لبيان صادر عن مؤسسة البترول، تشمل الاتفاقية وحدات صناعية متخصصة لإنتاج كل من «البروبيلين أوكسيد وتيرت بيوتيل الكحول بالإضافة إلى الأكريليك أسيد وأكريلات البيوتيل» وعدة منتجات أخرى، مما يسهم في تنوع محفظة الشركة من المنتجات عالية القيمة.
وترى المؤسسة أن هذا الاستحواذ يمثل خطوة كبيرة لشركة صناعة الكيماويات البترولية في تحقيق التوجهات الاستراتيجية للمؤسسة وشركاتها التابعة لسنة 2040 الخاصة بقطاع البتروكيماويات، كما تفتح فصلا جديدا في التعاون بين القطاع النفطي الكويتي وقطاع البتروكيماويات في الصين، وتجسد الاهتمام المشترك بدفع عجلة تطويره بين البلدين بشكل خاص وعلى مستوى العالم بشكل عام.
اتفاقيات وشراكات ثنائية بين الكويت والصين تؤكد أن العلاقات بين البلدين تمضي بثبات نحو آفاق أرحب من التعاون الاستراتيجي والتنموي، وترسّخ شراكة متنامية تتكامل فيها المصالح والرؤى لبناء مستقبل أكثر ازدهاراً واستدامة.