المستثمرون يهجرون الذهب مع تصاعد رهانات رفع الفائدة
تواصلت خسائر الذهب خلال تعاملات الأربعاء، في ظل تصاعد المخاوف المرتبطة بالتضخم العالمي وعودة الرهانات على تشديد السياسة النقدية من قبل البنوك المركزية الكبرى، بالتزامن مع استمرار التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب في الخليج وتعثر إعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل.
ورغم أن الذهب يُنظر إليه تقليدياً باعتباره ملاذاً آمناً في أوقات الاضطرابات السياسية والعسكرية، فإن التطورات الأخيرة كشفت عن تحول مهم في سلوك الأسواق العالمية، حيث بات المستثمرون أكثر حساسية تجاه اتجاهات أسعار الفائدة وعوائد السندات مقارنة بالتوترات الجيوسياسية وحدها.
وتراجع المعدن النفيس إلى نحو 4465 دولاراً للأونصة، بعد خسائر قاربت 2 % خلال جلسة الثلاثاء، فيما يواصل التداول داخل نطاق ضيق نسبياً منذ أسابيع، وسط غياب محفزات قوية تدفعه نحو موجة صعود جديدة.
ضغوط العوائد
ويأتي الضغط الأكبر على الذهب من الارتفاع الحاد في عوائد السندات الأمريكية طويلة الأجل، إذ صعد العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عاماً إلى مستويات شوهدت آخر مرة قبيل الأزمة المالية العالمية في عام 2007.
ويمثل هذا التطور عاملاً سلبياً مباشراً بالنسبة للذهب، لأن المعدن الأصفر لا يدر أي عائد، ما يجعله أقل جاذبية عندما ترتفع العوائد المتاحة على أدوات الدين الحكومية.
وخلال السنوات الماضية، استفاد الذهب بشكل كبير من بيئة أسعار الفائدة المنخفضة والسيولة الضخمة التي ضختها البنوك المركزية في الأسواق العالمية، لكن المشهد بدأ يتغير تدريجياً مع عودة التضخم وارتفاع تكاليف الطاقة والشحن العالمية.
ويرى محللون أن الأسواق باتت تتوقع بقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول مما كان متوقعاً سابقاً، خاصة بعد الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز نتيجة الحرب في الخليج واضطرابات الملاحة في مضيق هرمز.
مخاوف التضخم
وأعادت أزمة الطاقة الحالية المخاوف التضخمية بقوة إلى الواجهة، إذ أدى استمرار تعطل حركة الشحن جزئياً عبر مضيق هرمز إلى ارتفاع تكاليف النقل البحري وأسعار الوقود، وهو ما بدأ ينعكس تدريجياً على أسعار السلع والخدمات عالمياً.
وتخشى الأسواق من أن يؤدي استمرار الأزمة إلى موجة تضخم جديدة تشبه تلك التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية، عندما قفزت أسعار الطاقة والغذاء بشكل كبير وأجبرت البنوك المركزية على رفع أسعار الفائدة بوتيرة عنيفة.
ويُنظر إلى ارتفاع التضخم باعتباره سلاحاً ذا حدين بالنسبة للذهب. فمن جهة، يعزز الذهب عادة مكانته كأداة للتحوط ضد تآكل القوة الشرائية للعملات، لكن من جهة أخرى فإن التضخم المرتفع يدفع البنوك المركزية إلى تشديد السياسة النقدية ورفع أسعار الفائدة، وهو ما يضغط على المعدن النفيس.
وفي المرحلة الحالية، يبدو أن الأسواق تمنح وزناً أكبر لمخاطر الفائدة المرتفعة مقارنة بدور الذهب كملاذ آمن، وهو ما يفسر الأداء الضعيف للمعدن رغم استمرار الحرب والتوترات الإقليمية.
ترمب وإيران
وزادت التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب من حالة الترقب داخل الأسواق، بعدما لوّح بإمكانية استئناف الضربات العسكرية ضد إيران خلال أيام قليلة إذا لم تستجب للمطالب الأمريكية.
لكن تأثير هذه التصريحات على الذهب جاء محدوداً نسبياً، في مؤشر على أن المستثمرين أصبحوا أقل اندفاعاً نحو شراء الملاذات الآمنة بمجرد صدور تهديدات سياسية، خاصة بعد تكرار سيناريو التصعيد والتراجع خلال الأشهر الماضية.
وفي المقابل، أظهر مجلس الشيوخ الأمريكي إشارات على وجود تحفظات داخلية تجاه توسيع نطاق الحرب، ما خفف جزئياً من المخاوف المرتبطة بانفجار عسكري واسع في المنطقة.
ويرى مراقبون أن الأسواق أصبحت تنتظر تطورات ميدانية فعلية، مثل استهداف منشآت نفطية كبرى أو إغلاق كامل لمضيق هرمز، قبل أن تبدأ موجة صعود حادة جديدة في الذهب.
رهانات الفيدرالي
وكانت الأسواق قبل اندلاع الحرب تراهن بقوة على أن يبدأ الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي خفض أسعار الفائدة خلال النصف الثاني من العام، مع تراجع معدلات التضخم وظهور مؤشرات على تباطؤ الاقتصاد الأمريكي.
لكن التطورات الجيوسياسية الأخيرة قلبت هذه التوقعات رأساً على عقب، إذ أدى ارتفاع أسعار النفط والطاقة إلى زيادة احتمالات بقاء التضخم مرتفعاً لفترة أطول، وهو ما قد يجبر الفيدرالي على تأجيل أي تخفيضات للفائدة.
كما بدأت بعض التوقعات تتحدث عن احتمال اضطرار بعض البنوك المركزية العالمية إلى تنفيذ زيادات إضافية في أسعار الفائدة إذا تفاقمت الضغوط التضخمية خلال الأشهر المقبلة.
ويعد هذا السيناريو من أكثر السيناريوهات السلبية بالنسبة للذهب، لأن استمرار الفائدة المرتفعة يقلص جاذبية الأصول غير المدرة للعائد، ويدفع المستثمرين نحو السندات والدولار.
الذهب والاستثمار
ورغم التراجعات الأخيرة، فإن عدداً من المؤسسات المالية الكبرى ما يزال يحتفظ بنظرة إيجابية تجاه الذهب على المدى الطويل، مستنداً إلى استمرار مشتريات البنوك المركزية العالمية وتصاعد حالة عدم اليقين الجيوسياسي.
وترى هذه المؤسسات أن الذهب ما يزال يمثل أداة تحوط مهمة ضد الأزمات المالية وتقلبات العملات، خصوصاً في ظل ارتفاع مستويات الدين العالمي واتساع العجوزات المالية في الاقتصادات الكبرى.
لكن في المقابل، تشير بيانات السوق إلى تباطؤ واضح في التدفقات الاستثمارية الجديدة نحو الصناديق المتداولة المدعومة بالذهب، وهو ما يعكس حالة التردد الحالية داخل الأسواق.
وأوضح محللون أن المستثمرين ينتظرون محفزاً أوضح لتحديد الاتجاه المقبل للذهب، سواء عبر تصعيد جيوسياسي أكبر أو تغير مفاجئ في سياسة البنوك المركزية.
الفضة تتراجع
ولم تكن الفضة بعيدة عن موجة الضغوط التي تضرب المعادن النفيسة، إذ واصلت التراجع بعد موجة صعود قوية دفعتها في وقت سابق نحو مستويات قاربت 90 دولاراً للأونصة.
وتراجعت الفضة إلى نحو 73.6 دولاراً للأونصة، فيما فقدت أكثر من خمس قيمتها منذ أواخر فبراير، متأثرة بموجة جني أرباح قوية وتصاعد المخاوف المرتبطة بالفائدة والتضخم.
وكانت الفضة قد استفادت سابقاً من التفاؤل المتعلق بقطاع الذكاء الاصطناعي والطلب المتزايد على المعادن المستخدمة في البنية التحتية لمراكز البيانات والطاقة النظيفة.
لكن التحول المفاجئ في مزاج الأسواق العالمية أدى إلى تراجع شهية المخاطرة، ما انعكس سلباً على أداء المعادن الصناعية والنفيسة معاً.
الدولار والمعادن
كما تعرض الذهب لضغوط إضافية نتيجة الارتفاع الطفيف في الدولار الأمريكي، إذ أدى صعود العملة الأمريكية إلى زيادة تكلفة شراء الذهب بالنسبة للمستثمرين من حاملي العملات الأخرى.
ويُنظر إلى العلاقة بين الدولار والذهب باعتبارها من أكثر العلاقات حساسية داخل الأسواق المالية، حيث يؤدي ارتفاع الدولار غالباً إلى الضغط على أسعار الذهب والعكس صحيح.
وفي ظل استمرار قوة الاقتصاد الأمريكي نسبياً مقارنة ببعض الاقتصادات الأخرى، يتوقع محللون أن يحافظ الدولار على جزء كبير من مكاسبه خلال الفترة المقبلة، ما قد يحد من قدرة الذهب على التعافي السريع.
سوق متوترة
وتعيش الأسواق العالمية حالياً حالة من التوتر المعقد، حيث تتداخل المخاطر الجيوسياسية مع المخاوف الاقتصادية والنقدية في وقت واحد، ما يجعل حركة الذهب أكثر حساسية للتغيرات المفاجئة.
ويرى مراقبون أن المعدن النفيس دخل مرحلة جديدة تختلف عن المراحل التقليدية السابقة، إذ لم يعد يتحرك فقط باعتباره ملاذاً آمناً، بل أصبح مرتبطاً بشكل أكبر بمسار أسعار الفائدة والسيولة العالمية.
كما أن استمرار الحرب في الخليج دون حسم واضح يبقي الأسواق في حالة ترقب دائم، إذ يخشى المستثمرون من أن يؤدي أي تطور مفاجئ إلى قفزات حادة في أسعار الطاقة وبالتالي في معدلات التضخم العالمية.
وفي المقابل، فإن أي مؤشرات على تهدئة التوترات أو إعادة فتح كامل لمضيق هرمز قد تدفع الأسواق إلى إعادة تسعير توقعات الفائدة مجدداً، وهو ما قد يغيّر اتجاه الذهب بسرعة كبيرة.
ترقب المرحلة المقبلة
وخلال الأسابيع المقبلة، ستبقى الأنظار مركزة على ثلاثة عوامل رئيسية تحدد مسار الذهب العالمي؛ أولها تطورات الحرب في الخليج ومصير الملاحة في مضيق هرمز، وثانيها اتجاهات التضخم العالمية، وثالثها قرارات البنوك المركزية الكبرى وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.
ويرى محللون أن الذهب قد يظل عالقاً داخل نطاقات متقلبة إلى حين ظهور اتجاه أكثر وضوحاً بشأن السياسة النقدية الأمريكية، خصوصاً أن الأسواق باتت تتفاعل بقوة مع أي بيانات اقتصادية مرتبطة بالتضخم أو سوق العمل أو النمو.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبدو أن المستثمرين يعيشون حالياً مرحلة إعادة تموضع واسعة داخل المحافظ الاستثمارية، حيث تتم إعادة تقييم الأصول الآمنة والمخاطر المحتملة في عالم يشهد واحدة من أكثر الفترات الاقتصادية والجيوسياسية حساسية منذ سنوات طويلة.
وبينما يواصل الذهب فقدان جزء من بريقه على المدى القصير، فإن حالة عدم اليقين العالمية تبقي الباب مفتوحاً أمام عودة المعدن الأصفر إلى الواجهة مجدداً إذا تصاعدت الأزمات أو بدأت البنوك المركزية بالتراجع عن تشديدها النقدي مستقبلاً.