المشتقات التقليدية تقفز 33 ضعفاً بمنصات الكريبتو
تتجه منصات تداول العملات المشفرة إلى لعب دور أكبر في أسواق المشتقات المالية المرتبطة بالأسهم والمؤشرات والسلع الأساسية، في تحول يعكس تسارع التقارب بين عالم الأصول الرقمية والأسواق المالية التقليدية، وتوسع المستثمرين في استخدام منصات الكريبتو لتداول أصول لا ترتبط مباشرة بالعملات المشفرة.
وتكشف الأرقام عن نمو استثنائي لهذا النشاط خلال فترة زمنية قصيرة، إذ ارتفعت حصة العقود المرتبطة بالأصول التقليدية إلى 23.48 % من إجمالي حجم تداول العقود الدائمة على كبرى منصات الأصول الرقمية خلال أغسطس، مقارنة بنحو 0.5 % فقط في نوفمبر الماضي، وفق بيانات صندوق «فاسانارا ديجيتال».
ولا يعكس هذا التحول زيادة في الحصة فقط، وإنما قفزة ضخمة في قيمة التداولات الفعلية، إذ ارتفع الحجم الشهري لهذه العقود عبر المنصات إلى 778 مليار دولار، مقابل 23.5 مليار دولار خلال الفترة نفسها، ما يعني تضاعفه بنحو 33 مرة.
ويشير هذا النمو إلى أن منصات العملات المشفرة لم تعد تعتمد فقط على تداول «بيتكوين» والعملات الرقمية الأخرى، وإنما تتحول تدريجياً إلى ساحات أوسع لتداول مجموعة متنوعة من الأصول المالية العالمية.
تقارب الأسواق
يمثل صعود المشتقات المرتبطة بالأسهم والمؤشرات والسلع على منصات الكريبتو مرحلة جديدة في العلاقة بين التمويل التقليدي والأصول الرقمية، بعدما كانت السوقان تعملان لسنوات ضمن منظومتين منفصلتين نسبياً.
وبحسب نيكيتا فادييف، الشريك الإداري في «فاسانارا ديجيتال»، قفز حجم تداول هذه العقود من 23.5 مليار دولار إلى 778 ملياراً شهرياً، وهو توسع يوضح سرعة انتقال المتداولين نحو الأدوات التي تجمع بين أصول الأسواق التقليدية وآليات التداول المستخدمة في عالم العملات المشفرة.
وتوفر هذه المنصات للمستثمرين إمكانية الحصول على تعرض لتحركات أسعار الأسهم أو المؤشرات أو السلع دون الحاجة إلى امتلاك الأصل الأساسي بصورة فعلية، وهي سمة تتشابه مع المشتقات التقليدية، لكنها تأتي ضمن بيئة تداول مختلفة من حيث ساعات العمل والرافعة المالية وسهولة الوصول.
ويعني ذلك أن المنافسة المستقبلية قد لا تبقى محصورة بين منصات العملات المشفرة نفسها، بل يمكن أن تمتد إلى بعض الخدمات التي توفرها البورصات والمؤسسات المالية التقليدية.
عقود دائمة
وتعد العقود الدائمة المحرك الأساسي لهذا النمو، وهي مشتقات مالية تسمح للمستثمر بالمراهنة على ارتفاع أو انخفاض سعر أصل معين دون امتلاكه فعلياً، ولا تتضمن تاريخ انتهاء محدداً كما هو الحال في العديد من العقود الآجلة التقليدية.
وتمنح هذه الخاصية المستثمر مرونة أكبر في إدارة مراكزه، كما تتضمن العقود عادة رافعة مالية تسمح بالتعرض لمراكز تفوق قيمة رأس المال المستخدم، وهو ما يمكن أن يضاعف الأرباح المحتملة، لكنه يزيد في المقابل حجم الخسائر والمخاطر.
ويبدو أن الجمع بين هذه الخصائص والأصول التقليدية أصبح جذاباً لشريحة متنامية من المتداولين، وهو ما يفسر ارتفاع حصة هذه الأدوات من 0.5 % إلى أكثر من 23 % من تداولات العقود الدائمة على المنصات الكبرى.
ويشير ذلك أيضاً إلى تحول في طبيعة النشاط داخل أسواق الكريبتو، إذ لم يعد المتداول مضطراً إلى الاختيار بين منصة للأصول الرقمية وأخرى للأسهم والسلع، مع توسع المنتجات التي تتيح له التعامل مع فئات مختلفة من الأصول عبر بيئة واحدة.
ومن شأن استمرار هذا الاتجاه أن يدفع منصات الأصول الرقمية إلى تطوير المزيد من المنتجات المرتبطة بالأسواق التقليدية، خصوصاً إذا استمر الطلب القوي من المستثمرين.
جاذبية متزايدة
وتقف عدة عوامل وراء هذا الإقبال، أبرزها قدرة منصات العملات المشفرة على توفير التداول على مدار الساعة، وهي ميزة تختلف عن البورصات التقليدية التي تعمل عادة خلال ساعات وجلسات محددة.
كما توفر الرافعة المالية عامل جذب إضافياً للمتداولين الباحثين عن تحقيق عوائد أكبر من تحركات الأسعار المحدودة، وإن كانت هذه الخاصية ترفع في الوقت نفسه مستوى المخاطر بدرجة كبيرة.
وساعد اختلاف مستويات التقلب أيضاً في زيادة الإقبال على العقود المرتبطة بالأصول التقليدية. ففي الوقت الذي شهدت فيه بعض العملات المشفرة فترات من هدوء نسبي في تحركات الأسعار، سجلت بعض الأسهم تقلبات أكبر، ما دفع المتداولين الباحثين عن الحركة والفرص قصيرة الأجل إلى التوجه نحوها.
وتصبح المنصات بذلك قادرة على الاحتفاظ بالمتداول حتى عندما تقل الفرص في سوق العملات الرقمية، عبر منحه إمكانية الانتقال إلى الأسهم والمؤشرات والسلع دون مغادرة بيئة التداول نفسها.
ويمنح هذا النمو منصات الكريبتو فرصة لتنويع مصادر النشاط والإيرادات، لكنه يضعها في الوقت ذاته أمام تحديات أكبر مرتبطة بإدارة المخاطر والتنظيم مع تزايد ارتباطها بالنظام المالي التقليدي.
الكريبتو يقتحم الأسواق التقليدية
تكشف القفزة من 23.5 مليار دولار إلى 778 ملياراً في التداولات الشهرية للمشتقات المرتبطة بالأصول التقليدية عن تحول يتجاوز مجرد إضافة منتجات جديدة إلى منصات العملات المشفرة. فاستحواذ هذه العقود على 23.48 % من تداولات العقود الدائمة يعني أن الحدود بين التمويل التقليدي والرقمي أصبحت أقل وضوحاً. وإذا استمر هذا النمو، فقد تتحول منصات الكريبتو تدريجياً إلى منصات تداول متعددة الأصول تنافس المؤسسات التقليدية على جزء من نشاط الأسهم والمؤشرات والسلع، مستفيدة من التداول المستمر والرافعة المالية، لكن مع ارتفاع موازٍ في المخاطر التي يواجهها المستثمرون.