المشروعات الصغيرة والمتوسطة رهان الكويت على اقتصاد أكثر تنوعاً
في الوقت الذي تسعى فيه الكويت إلى تنويع اقتصادها بعيداً عن الاعتماد على النفط، تبرز المشروعات الصغيرة والمتوسطة ركيزة مهمة في دعم النمو وخلق فرص عمل محلية.
وفي هذا الإطار أطلقت الكويت عدة مبادرات متكاملة لتعزيز هذا القطاع، مثل الصندوق الوطني لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، الذي يعد الركيزة الأساسية في الدعم، ويوفر فرص للحصول على التمويل بهدف توفير فرص عمل والقضاء على البطالة ورغبة في تمكين الشباب والقطاع الخاص من المشاركة في تحقيق النمو الاقتصادي.
وفي حديث خاص لـ «عالم الاقتصاد» أكد الخبير و الباحث في الشؤون الاقتصادية سلطان الجزاف أن قطاع المشاريع الصغيرة تطور بشكل كبير في الكويت خلال هذه المرحلة وبخاصة في قطاعات التكنولوجيا المالية، والتجارة الإلكترونية.
وإليكم تفاصيل اللقاء:
● تعد المشروعات الصغيرة والمتوسطة المحرك الأساسي للاقتصاد الحديث.. ما هي أهم تطورات هذا القطاع حاليا في الكويت؟
المشروعات الصغيرة والمتوسطة اليوم هي أحد الركائز الرئيسية المعتمدة في تنويع الاقتصاد الكويتي، التي تضمنتها خطة التنمية 2035، واعتمدتها كمحرك -يعني أساسي- للابتكار، وزيادة مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي.
وشهد القطاع في الفترة الأخيرة تطورات كبيرة مهمة أبرزها أن الحكومة مستمرة في تقديم الدعم والتمويل من خلال الصندوق الوطني لرعاية وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، كذلك تقديم برامج دعم تدريبي من خلال مراكز ريادة الأعمال، بالإضافة لتوسع الحكومة أيضاً في الخدمات الرقمية، لتسهيل تأسيس الشركات والحصول على التراخيص اللازمة، فضلا عن تسهيل إجراءات جلب العمالة، سواءً المحلية أو الخارجية، وأيضاً أعطتهم الأولوية في المناقصات والمشاريع الحكومية؛ بمعنى جعلت هناك نسبة معينة يجب أن تُقدَّم من قبل الشركات والمشاريع الصغيرة والمتوسطة.
ونلاحظ أن قطاع المشاريع الصغيرة تطور بشكل كبير في هذه المرحلة حيث كان تركيز الشباب على قطاعات الضيافة والمطاعم والمقاهي والتجارة التقليدية، الآن أصبحوا أكثر تجربة ووعياً، ويتجهون في أعمالهم إلى التكنولوجيا المالية، والتجارة الإلكترونية، كما دخلوا في الصناعات الحرفية الخفيفة، وتقديم خدمات رقمية.
وهذه القطاعات بالتأكيد تحقق عائد مالي كبير، ويعطي قيمة مضافة للاقتصاد، وأيضاً تنعكس على يعني توظيف عمالة وطنية.
وأرى أن قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة بحاجة إلى بيئة أعمال أكثر تنافسية، ولديها القدرة على النمو والتوسع، وأعتقد أن هناك أولويات مهمة في المرحلة القادمة ممكن أن تعمل عليها الحكومة لدعم المشاريع الشبابية، ويأتي في مقدمتها توسيع فرص الاستثمار بالنسبة لهم، وتسهم في فعالية هذه المشاريع الصغيرة أكثر في النمو الاقتصادي المستدام.
● حدثنا عن التحديات التي تواجه القطاع، والجهود الحكومية في هذا الأمر؟
قطاع المشروعات الصغيرة يواجه عدة تحديات يأتي في مقدمتها عامل الخبرة للشباب كونهم حديثين التجربة وحديثين الخبرة، ويتمثل التحدي الثاني في أن السوق الكويتي صغير وفي منافسة شديدة، وهناك محدودية في فرص الاستثمار نوعاً ما، حيث لا نقارن بالدول أو الاقتصاديات الكبرى، والتحدي الثالث، وهذا عائق كبير جداً، وهو تكاليف التشغيل، منها تكاليف الإيجارات.
ولكن في المقابل الحكومة تعمل جاهدة على معالجة هذه التحديات، من خلال تطوير بيئة الأعمال خاصة في البيئة التشريعية، وسرّعت الخدمات الإلكترونية بحيث يكون وقت إصدار العمل عليها في وقت أقصر، وكذلك الدعم الذي تقدمه من خلال تمويل المشاريع، وأصدرت بعض قوانين تعطيهم فرصة، في المشاركة في المناقصات والمشاريع الحكومية، وهي الآن بصدد إنشاء مناطق حرفية واقتصادية مخصصة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة.
● تعد البيروقراطية وارتفاع تكاليف التشغيل من أهم التحديات التي تواجه رواد الأعمال.. كيف يتم العمل على إزالة هذه العوائق ؟
مواجهة هذه التحديات تتطلب عمل وجهد كبير، وعلى أكثر من اتجاه أو محور أولها تسهيل الإجراءات وتبسيطها، وربط الجهات الحكومية إلكترونياً حتى تقلل الوقت الجهد، ومواجهة ارتفاع التكاليف من خلال عمل حاضنات لرعاية هذه المشاريع، خاصة في سنواتها الأولى يعني، حتى تقف على رجليها، فاعتقد من خلال عمل هذه الحاضنات يكون هناك صناعات خفيفة وحرفية تدعم الصادرات، أيضاً ممكن توفر أراضي بأسعار رمزية أو بأسعار ممكن يتقبلها المشروع الصغير، إضافة إلى تقديم حوافز ضريبية أو مالية للقطاعات خاصة الواعدة والتي لها مستقبل واعد، فضلا عن تشجيع رواد الأعمال على استعمال التقنيات الحديثة في إدارة أعمالهم.
● لطالما كانت الوظيفة الحكومية هي الحلم للشباب في الكويت هل تغير هذا المفهوم في ظل التوجهات الاقتصادية الحالية؟
هناك تغير كبير وتحول تدريجي في ثقافة الشباب، رغم ذلك لا يحقق هذا الطموح التغيير، ولكن ما زلنا في بداية الطريق لأن الوظيفة الحكومية ، كما هو معلوم هي تمثل خيار رئيسي ومهم بسبب الاستقرار والمزايا التي تقدمها الحكومة.
ولكن في الفترة الأخيرة لاحظنا أن هناك جيل جديد أصبح عنده أكثر اهتمام بريادة الأعمال والعمل في القطاع الخاص، وساعد على ذلك وجود خطة للحكومة، في ظل التوجهات الاقتصادية التي تقوم فيها عبر تنويع مصادر الدخل، ما جعل الشباب يتجه أكثر إلى ريادة الأعمال وإنشاء مشاريعهم الخاصة.
ونلاحظ ذلك من خلال نسبة إجمالي عدد العمالة الوطنية في سوق العمل، التي قفزت من 2%، خلال السنوات الماضية إلى أكثر من 16%، وهذا يعني قفزة كبيرة الحقيقة في اتجاه ورغبة الشباب الكويتي في العمل في القطاع الخاص، وهذا التحول طبعاً يحتاج مزيد من الاستمرار في الإصلاحات الاقتصادية وتوفير الحوافز المشجعة والكافية، حتى يتجه أكبر عدد ممكن من العمالة الوطنية والعمل في القطاع الخاص.
● في ظل الأزمة الأخيرة التي شهدتها المنطقة وتعرض قطاع الشحن والتجارة إلى توقف في بعض المسارات.. كيف يتم تنمية التجارة الخارجية للكويت على مستوى الصادرات والواردات ؟
الحقيقة الأحداث الجيوسياسية الأخيرة كانت بالنسبة للكويت مهمة، وأكدت على أهمية تنويع سلاسل الإمداد، وعدم الاعتماد على مسار واحد للتجارة الخارجية، سواءً بالاستيراد أو بالتصدير، طبعاً هذه تجربة كانت قاسية، وأيضاً أعطتنا واحدة من أهم الدروس المستفادة وهي لابد من تنويع منافذ الاستيراد والتصدير، وهذا فعلاً ما حدث من بداية الأزمة فالكويت ودول مجلس التعاون تفاعلوا مع هذه القضية بشكل سريع، حيث كان في تحرك سريع، تم تفعيل الطرق البرية والتنسيق مع المملكة العربية السعودية، تم توسيع المنافذ، والطرق لاستيعاب أكبر عدد ممكن من الشاحنات.
أيضاً هناك قرارات على مستوى دول مجلس التعاون للإسراع في تطوير شبكة السكك الحديدية، وتطوير النقل البري، وكذلك خطة في إنشاء مراكز مخازن استراتيجية، وتطوير الموانئ من ناحية البحر الأحمر.
وفي الحقيقة هذا ليس كافي بعد بالنسبة للكويت، التي يجب أن تركز في أسرع وقت ممكن على تطوير موانئها وخدماتها اللوجستية، والأهم من ذلك، توسيع شراكاتها مع أسواق جديدة، غير المعتمدة عليها حالياً، وأيضاً تجديد اتفاقيات اقتصادية وإقليمية ودولية كبرى، حتى تعطيها دعم أكبر في استمرار الواردات والصادرات، فضلا عن تشجيع الصناعات الوطنية، التي تحمي الكويت في المستقبل من أي أزمات قد تواجهها مثل ما حدث مؤخراً.
● هناك رغبة سامية في استقطاب الشركات العالمية للكويت، ما هي الإجراءات والخطوات التي من المفترض أن تقوم بها الحكومة في هذا الملف؟
الحقيقة، الحكومة الكويتية لديها هدف ورؤية ورغبة كبيرة جداً في استقطاب الاستثمارات الخارجية والشركات العالمية، وهذا الحقيقة قامت بترجمتها الحكومة بشكل سريع، عبر إصلاحات تشريعية واقتصادية كبيرة جداً لتعزيز التنمية الاقتصادية، وأصدرت حزمة من القوانين والقرارات التي من شأنها تحسين طبعاً بيئة الأعمال، واستقطاب الشركات العالمية، وتوفير بيئة تنافسية على مستوى المنطقة أيضاً، ليس فقط في الكويت.
وأعتقد أن من أهم الإصلاحات والإجراءات والقوانين هي تسريع إجراءات تأسيس الشركات خاصة الأجنبية ومنح التراخيص لها، من خلال التحول الرقمي وتقليل الفترة الزمنية، وكذلك تشريعات واضحة ومستقرة تحمي المستثمر الأجنبي، وأهمها إتاحة الملكية بنسبة 100%، وفتح فروع للشركات، وتسهيل إجراءات جلب العمالة والكفاءات.
الجانب الضريبي أيضا كان له دور مهم عبر إصدار قانون منع الازدواج الضريبي، وتوفير إعفاءات ضريبية وحوافز أخرى للشركات، وتطوير البنية التحتية الرقمية واللوجستية، إلى جانب إنشاء مناطق اقتصادية متخصصة تساعد على استقطاب الشركات الأجنبية، وتعزيز الشراكة بين القطاع العام والخاص، خاصة في المشاريع الكبرى والاستراتيجية، مثل القطاع النفطي، قطاع الطاقة، والبيئة، هذه الأعمال تشجع الشركات الأجنبية على الاستثمار بسبب حجمها ومبالغها الكبيرة، والترويج الإقليمي للكويت كمركز للاستثمار والخدمات والأعمال.
وهناك نقطة مهمة أيضاً وهي تنشيط القطاع السياحي من خلال تسهيل استخراج التأشيرات، سواء السياحية أو التجارية وغيرها، هذا عامل مهم لاستقطاب الشركات الأجنبية والاستثمار في هذا القطاع، وخلال فترة قصيرة، حقق القطاع السياحي للكويت مدخولاً عالياً جداً؛ فحسب آخر تقرير، يُقدّر مدخول السنة الماضية بأكثر من 500 مليون دولار، وهو أمر مشجع جداً.
الإصلاحات الحكومية المتسارعة أتت بنتائج سريعة خلال الفترة القصيرة التي أُصدرت فيها التشريعات، حيث لاحظنا دخول شركات كبرى وعالمية للكويت مثل بلاك روك وهي أحد أكبر شركات الاستثمار، وغوغل ومايكروسوفت، وبوينغ، كما أن هناك صناديق استثمارية أجنبية كبيرة جداً تعمل الآن في سوق الأوراق المالية في الكويت، وشركات صينية لديها الرغبة في الاستثمار في القطاع السكني والمقاولات، هذه المؤشرات تؤكد أن الكويت أصبحت أكثر انفتاحاً على استقطاب الاستثمار الأجنبي، وتؤكد على قوة ومتانة الاقتصاد الكويتي.
● توقعاتك لمعدل النمو الاقتصادي في الكويت هذا العام ؟
واجهت الكويت ومنطقة الخليج بشكل عام، مشكلة في تصدير النفط، ونحن في الكويت نعتمد بشكل كبير على الإيرادات النفطية، وأتوقع تباطؤ النمو بسبب تداعيات الحرب، وتشير بعض التقارير أنَّ ربما يسجل اقتصاد الكويتي نمو ما بين 2.5 % إلى 3% حتى نهاية السنة 2026، وربما تعوض ارتفاع أسعار النفط نسبياً ما تم فقده بالسابق، وأيضاً الإنفاق الحكومي على المشروعات التنموية خاصة في هذه السنة، حيث رصدت الكويت مبلغ كبير يقدر بنحو 3 مليارات دينار لتنفيذ المشاريع التنموية، فهذه الإجراءات تدعم النمو حتى نهاية هذه السنة، وكذلك نأمل أن يكون هناك مساهمة أكبر من القطاع الخاص.