المصدات المالية الخليجية تكسر حصار «هرمز»
في وقتٍ تحبس فيه أسواق الطاقة العالمية أنفاسها جراء التهديدات الجيوسياسية المحيطة بـ «شريان الحياة الاقتصادي العالمي»، كشف الخبير النفطي كامل الحرمي عن خارطة التداعيات العميقة لتهديدات إغلاق مضيق هرمز على اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي. وبينما وضعت هذه الأزمة استقرار الطاقة العالمي على المحك، كشفت في الوقت ذاته عن «مصدات مالية» قوية وإستراتيجيات بديلة أعادت رسم موازين القوى في السوق النفطية، وسط تحركات دولية حثيثة لإنقاذ الاقتصاد العالمي من ركود محقق.
وأشار الحرمي، في حوار أجرته معه مجلة «عالم الاقتصاد» حول تداعيات تهديد إيران بالإغلاق الكامل لمضيق هرمز على اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي، إلى أن دول الخليج أظهرت قدراً كبيراً من المرونة المالية بفضل احتياطاتها النقدية الكبيرة، وسهولة وصولها إلى أسواق التمويل العالمية، فضلاً عن محافظها الاستثمارية وأصولها الخارجية السيادية.
وأكد الحرمي أن البنوك المركزية في الإمارات، وقطر، والكويت أبدت استعدادها التام لتوفير السيولة اللازمة عند الحاجة، سواء عبر أدوات التمويل التقليدية أو من خلال ترتيبات مؤقتة لتبادل العملات وتوفير الدولار الأمريكي مقابل العملات المحلية؛ وهو ما يحد من الضغوط على الأنظمة المصرفية ويحافظ على الاستقرار المالي خلال فترات تراجع الإيرادات النفطية.
تراجعات ملحوظة
في حركة التصدير
وحول تداعيات الإغلاق على الصادرات النفطية الخليجية، أوضح الحرمي أن كميات النفط المصدّرة تراجعت بصورة ملحوظة، حيث تراوحت الصادرات بين 5.5 و7 ملايين برميل يوميًا، مقارنة بالمستويات الطبيعية التي تقترب من 22 مليون برميل يوميًا. وأضاف أن هذا الانخفاض الحاد أثار تساؤلات إستراتيجية جوهرية حول مستقبل أمن الطاقة العالمي وإمكانية إيجاد بدائل مستدامة لمضيق هرمز.
وأشار الحرمي إلى أن أسواق النفط العالمية شهدت مرحلة من التراجع في الأسعار بعد فترة من الارتفاعات الحادة التي صاحبت التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج العربي. وقد بدأ هذا الانخفاض بالتزامن مع انطلاق المشاورات الجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، بهدف التوصل إلى تفاهمات تضمن إعادة فتح مضيق هرمز، واستعادة حرية الملاحة البحرية، وتدفق صادرات النفط بانتظام إلى الأسواق العالمية.
مؤشرات إيجابية
وانعكاسات متباينة
وبين الخبير النفطي أن هذه التطورات الدبلوماسية انعكست سريعًا على أسعار النفط؛ حيث انخفض سعر البرميل من مستويات تجاوزت 110 دولارات إلى نحو 91 دولارًا للبرميل، وسط توقعات بمزيد من التراجع في حال استمرار المؤشرات الإيجابية بشأن عودة حركة الشحن والنقل البحري إلى طبيعتها.
ورغم الارتفاعات القياسية التي سجلتها أسعار النفط خلال فترة الأزمة، فإن العديد من الدول الخليجية المنتجة والمصدرة للخام لم تستفد بصورة كاملة من تلك الأسعار المرتفعة، بسبب القيود الصارمة التي فرضها إغلاق مضيق هرمز على حركة التصدير الفعالة. وقد تأثرت بهذا الوضع بشكل خاص كل من الكويت، والعراق، وإيران؛ في حين كان تأثير الأزمة أقل حدة على المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، نظراً لامتلاكهما منافذ تصدير بديلة تمتد عبر البحر الأحمر وخليج عُمان.
مسارات بديلة لحماية الملاحة
وقال الحرمي: «مع استمرار تصاعد الأزمة، تزايدت الدعوات الدولية والإقليمية لتطوير مسارات تصدير بديلة للنفط الخليجي، سواء عبر توسيع خطوط الأنابيب المتجهة إلى البحر الأحمر أو من خلال إنشاء بنى تحتية جديدة تسمح بتجاوز المضيق بالكامل». غير أنه استدرك مؤكدًا أن هذه المشاريع الضخمة تواجه تحديات مالية، وفنية، وأمنية كبيرة، تشمل تكاليف الإنشاء الباهظة، ونفقات التشغيل، وآليات الرقابة والمتابعة، فضلاً عن ضمان استمرارية تدفقات النفط إلى الأسواق العالمية.
وبين أن بعض الخبراء يطرحون فكرة إنشاء آلية دولية دائمة لحماية الملاحة البحرية في الخليج العربي ومضيق هرمز، ربما تحت مظلة منظمة الأمم المتحدة أو من خلال تحالفات دولية متخصصة، بهدف ضمان حرية التجارة ومنع تعطيل أحد أهم الممرات الإستراتيجية في العالم. وأوضح أن هذا الطرح يأتي في ظل الإجماع العالمي على أنه لم يعد مقبولاً تعريض الاقتصاد الدولي لخسائر فادحة نتيجة إغلاق ممر حيوي يتدفق عبره ما يقارب 22 مليون برميل يوميًا من النفط، والمشتقات البترولية، والغاز الطبيعي المسال.
وأشار الحرمي إلى أن الأزمة الحالية أظهرت بوضوح حجم الترابط الوثيق بين اقتصاديات الخليج والاقتصاد العالمي؛ إذ إن تعطيل صادرات الطاقة لا يضر بالدول المنتجة والمصدرة فحسب، بل يمتد أثره المباشر إلى الدول الصناعية والمستهلكة، كما يعرقل في الوقت نفسه تدفق السلع والبضائع الحيوية إلى الأسواق الخليجية. ومن المفارقات، أن إيران نفسها واجهت تداعيات مماثلة، حيث تضررت قدرتها على تصدير النفط الخام نتيجة الظروف الجيوسياسية التي ساهمت هي في إيجادها.
تباطؤ اقتصادي وتفاوت في الأثر
وأوضح الحرمي أن استمرار توقف الصادرات النفطية لفترات طويلة كان سيؤدي حتمًا إلى تباطؤ اقتصادي واضح في معظم دول الخليج، مع تفاوت نسب التأثر من دولة إلى أخرى. وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن سلطنة عُمان كانت الأقل تضررًا بفعل موقعها الجغرافي المتميز خارج مضيق هرمز، مع توقعات باستمرار نمو اقتصادها، في حين كانت اقتصادات خليجية أخرى معرضة لانكماش يتراوح بين 3 % و8 %، وفقًا لدرجة اعتمادها المباشر على الصادرات المارة عبر المضيق.
وأضاف أن هذه الآثار السلبية ستبقى مؤقتة إذا ما نجحت الجهود السياسية والدبلوماسية في إعادة فتح المضيق نهائيًا واستئناف حركة التجارة والطاقة بصورة طبيعية، الأمر الذي من شأنه إعادة التوازن إلى الأسواق العالمية ودعم تعافي الاقتصادات المتضررة.
إلا أن التحدي الأهم مستقبلاً يكمن في العمل الإستراتيجي على منع تكرار إغلاق مضيق هرمز عبر آليات دولية فعالة، خاصة في ظل التوقعات التي تشير إلى ارتفاع الطلب العالمي على الطاقة خلال السنوات المقبلة؛ فاستقرار أسواق النفط يتطلب ضمان عدم خضوع أحد أهم الممرات البحرية العالمية للاعتبارات السياسية أو الأمنية التي قد تهدد حركة التجارة الدولية برمتها.