المعدن الأصفر يستعيد بريقه
شهدت أسواق الذهب العالمية موجة صعود قوية خلال تعاملات نهاية الأسبوع، في وقت عززت فيه توقعات تراجع التوترات الجيوسياسية في الخليج واحتمالات خفض أسعار الفائدة الأمريكية شهية المستثمرين تجاه المعدن الأصفر، الذي واصل تحقيق مكاسب أسبوعية ملحوظة رغم استمرار حالة الترقب بشأن تطورات الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران.
وارتفع سعر الذهب في المعاملات الفورية بنحو 0.7 بالمئة ليصل إلى 4719.68 دولار للأوقية، بينما سجل المعدن الأصفر مكاسب أسبوعية تجاوزت 2.3 بالمئة، في مؤشر واضح على عودة الزخم الشرائي إلى أسواق المعادن النفيسة بعد فترة من التقلبات الحادة المرتبطة بأسعار الفائدة والطاقة والتوترات الجيوسياسية
كما استقرت العقود الأمريكية الآجلة للذهب على ارتفاع بنحو 0.4 بالمئة عند مستوى 4730.70 دولار للأوقية، وسط تعاملات اتسمت بالحذر والترقب في ظل متابعة الأسواق لتطورات الحرب في الخليج ومسار السياسة النقدية الأمريكية خلال المرحلة المقبلة.
رهانات الفائدة
التحركات الأخيرة في أسعار الذهب تعكس تغيراً واضحاً في نظرة المستثمرين تجاه مستقبل أسعار الفائدة الأمريكية، خاصة بعد تراجع المخاوف المتعلقة بارتفاع أسعار الطاقة واحتمالات انحسار الضغوط التضخمية خلال الأشهر المقبلة.
فعادة ما يتعرض الذهب لضغوط عندما ترتفع أسعار الفائدة، نظراً لأن المعدن الأصفر لا يدر عائداً مالياً مقارنة بالأصول الأخرى مثل السندات أو الودائع، لكن الأسواق بدأت خلال الأيام الأخيرة تراهن بصورة متزايدة على احتمال اتجاه مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي نحو تخفيف السياسة النقدية مستقبلاً.
وجاء هذا التحول مدعوماً بانخفاض أسعار النفط وتراجع المخاوف من اتساع الحـرب في الخليج، وهو ما ساهم في تهدئة توقعات التضخم وأعاد الأمل للأسواق بإمكانية خفض أسعــار الفائدة خلال الفترات المقبلة.
ويرى محللون أن الذهب بات يتحرك حالياً وفق معادلة معقدة تجمع بين العـوامل الجيوسياسية وتوقعات السياسة النقدية الأمريكية وتحركات الدولار وأسعار الطاقة، ما يجعل السوق أكثر حساسية لأي بيانات اقتصادية أو تصريحات سياسية مؤثرة.
تغير السلوك
ومن اللافت في التحركات الأخيرة أن الذهب لم يعد يُتداول فقط كملاذ آمن تقليدي خلال الأزمات، بل أصبح يتحرك بصورة أكبر كأصل استثماري عالي الحساسية لتوقعات النمو والفائدة والسيولة العالمية.
وقال مدير تداول المعادن في شركة «هاي ريدج فيوتشرز» David Meger إن الذهب بات يُتداول «كأصل محفوف بالمخاطر أكثر من كونه ملاذاً آمناً»، مشيراً إلى أن انتعاش الأسعار يرتبط بصورة مباشرة باحتمالات تراجع التوترات مع إيران وانخفاض أسعار الطاقة.
وأوضح أن تراجع أسعار النفط يقلل الضغوط التضخمية ويزيد من احتمالات خفض أسعار الفائدة الأمريكية، وهو ما يدعم الذهب بصورة غير مباشرة عبر إضعاف الدولار وتحسين جاذبية المعدن الأصفر للمستثمرين.
ويرى مراقبون أن هذا التحول يعكس تغيراً عميقاً في طبيعة الأسواق العالمية، حيث أصبحت السياسات النقدية والسيولة المالية أكثر تأثيراً على حركة الذهب مقارنة بالعوامل التقليدية المرتبطة بالمخاطر الجيوسياسية وحدها.
الخليج والأسواق
ورغم موجة التفاؤل الحالية، فإن الأسواق لا تزال تتابع بحذر تطورات الأزمة في الخليج، خاصة بعد إعلان الولايات المتحدة انتظار رد إيراني على المقترحات الأمريكية الأخيرة لإنهاء الحرب، بالتزامن مع استمرار وقوع اشتباكات بين القوات الأمريكية والإيرانية في المنطقة.
ويؤكد محللون أن أي تصعيد عسكري جديد قد يعيد الذهب سريعاً إلى مسار الارتفاع القوي باعتباره ملاذاً آمناً، خصوصاً إذا تعرضت إمدادات الطاقة أو الملاحة في الخليج لمخاطر إضافية.
لكن في المقابل، فإن استمرار التهدئة السياسية قد يدفع الأسواق إلى التركيز بصورة أكبر على العوامل الاقتصادية والنقدية، وهو ما قد يغير طبيعة تحركات الذهب خلال المرحلة المقبلة.
كما أن المستثمرين باتوا يراقبون عن كثب العلاقة بين أسعار النفط والذهب، إذ يؤدي انخفاض أسعار الطاقة إلى تهدئة مخاوف التضخم وتقليل الحاجة إلى سياسة نقدية متشددة، ما يمنح المعدن الأصفر دعماً إضافياً.
الدولار الضعيف
ومن بين العوامل الرئيسية التي ساعدت الذهب على تحقيق مكاسب أسبوعية أيضاً تراجع مؤشر الدولار الأمريكي، حيث يؤدي ضعف العملة الأمريكية عادة إلى خفض تكلفة الـذهب بالنسبة للمستثمريـن الــذين يحملــون عمـلات أخرى، ما يزيد الطلب العالمي على المعدن النفيس.
وشهد الدولار خلال الأيام الماضية ضغوطاً واضحة نتيجة توقعات الأسواق المتعلقة بأسعار الفائدة، إلى جانب ترقب المستثمـريــن للسياسات الأمريكية تجاه الحرب في الخليج وتأثيراتها الاقتصادية المحتملة.
ويقول خبراء إن العلاقة العكسية بين الذهب والدولار لا تزال واحدة من أهم المحركات الأساسية للأسواق، خصوصاً في أوقات التوتر وعدم اليقين.
كما أن انخفاض الدولار يمنح الذهب ميزة تنافسية أكبر مقارنة بالأصول الأخرى، ما يدفع المؤسسات الاستثمارية وصناديق التحوط إلى زيادة مراكزها في المعادن النفيسة كوسيلة للتحوط وتنويع المحافظ الاستثمارية.
بيانات التوظيف
ورغم صدور بيانات أمريكية أظهرت ارتفاع معدل التوظيف بأكثر من المتوقع خلال أبريل، فإن الذهب تمكن من الحفاظ على مكاسبه ومواصلة الصعود لفترة وجيزة بعد صدور البيانات.
وعادة ما تؤدي البيانات الاقتصادية القوية إلى الضغط على الذهب لأنها تعزز احتمالات بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، لكن الأسواق بدت هذه المرة أكثر تركيزاً على تباطؤ التضخم وانخفاض أسعار الطاقة مقارنة بمتانة سوق العمل.
ويرى محللون أن المستثمرين باتوا يعتقدون أن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قد يبدأ قريباً في التفكير بخفض الفائدة حتى مع استمرار قوة الاقتصاد، خاصة إذا واصلت معدلات التضخم التراجع خلال الأشهر المقبلة.
كما أن الأسواق أصبحت تتعامل مع البيانات الاقتصادية بصورة أكثر مرونة، حيث لم تعد قوة سوق العمل وحدها كافية لتغيير توقعات المستثمرين بشأن السياسة النقدية بشكل كامل.
المعادن النفيسة
ولم تقتصر المكاسب على الذهب فقط، بل امتدت إلى بقية المعادن النفيسة التي سجلت أداءً قوياً خلال الأسبوع، مدعومة بزيادة الطلب الاستثماري والصناعي.
فقد ارتفعت أسعار الفضة في المعاملات الفورية بنحو 2.5 بالمئة لتصل إلى 80.4 دولار للأوقية، بينما صعد البلاتين بنسبة 1.3 بالمئة إلى 2047.88 دولار، وسط توقعات بتحقيق مكاسب أسبوعية قوية لكلا المعدنين.
في المقابل، تراجع البلاديوم بنحو 0.5 بالمئة إلى 1487.71 دولار، في ظل استمرار الضغوط المرتبطة بتباطؤ بعض القطاعات الصناعية العالمية، خاصة صناعة السيارات التي تعد من أكبر مستهلكي البلاديوم.
ويرى خبراء أن التحركات الحالية تؤكد عودة الاهتمام الاستثماري بقطاع المعادن النفيسة بشكل عام، سواء كأدوات للتحوط من المخاطر أو كفرص استثمارية مرتبطة بالتحولات الاقتصادية والصناعية العالمية.