المعدن الأصفر يسجل قاعاً جديداً بثلاثة أسابيع
تراجعت أسعار الذهب، الأربعاء، إلى أدنى مستوياتها في أكثر من ثلاثة أسابيع، مع صعود الدولار إلى أعلى مستوى في أسبوعين، بينما وجد المعدن النفيس نفسه أمام معادلة غير معتادة تجمع بين تصاعد التوترات الجيوسياسية التي تدعم عادة الطلب على الملاذات الآمنة، ومخاوف التضخم التي تعزز في المقابل احتمالات تشديد السياسة النقدية الأميركية.
وانخفض الذهب في المعاملات الفورية 0.1 % إلى 4323.59 دولار للأونصة بحلول الساعة 08:26 بتوقيت غرينتش، بعدما لامس في وقت سابق أدنى مستوى له منذ السابع من أغسطس، فيما هبطت العقود الأميركية الآجلة تسليم ديسمبر 0.6 % إلى 4370.40 دولار للأونصة.
وتعكس التحركات حجم الضغوط المتعارضة التي تحاصر السوق، إذ يفترض أن تمنح المواجهة المتجددة في الشرق الأوسط المعدن دعماً، إلا أن ارتفاع النفط وما يترتب عليه من مخاطر تضخمية دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم توقعاتهم بشأن أسعار الفائدة الأميركية.
دولار قوي
سجل الدولار أعلى مستوياته في أسبوعين مع إقبال المستثمرين على العملة الأميركية في ظل تزايد المخاوف بشأن التداعيات الاقتصادية لصدمة أسعار الطاقة. ويؤدي ارتفاع العملة الخضراء عادة إلى الضغط على المعدن النفيس لأنه يجعل شراءه أكثر تكلفة بالنسبة إلى المستثمرين الذين يحملون عملات أخرى.
وقال كبير محللي السوق لدى «ترادو دوت كوم» نيكوس تزابوراس إن استمرار الضبابية الجيوسياسية يدفع أسعار النفط إلى الارتفاع، وهو ما يبقي مخاطر التضخم قائمة ويزيد الضغوط على مجلس الاحتياطي الفيدرالي للتحرك نحو مزيد من التشديد، بما يدعم الدولار ويضاعف الضغوط على الذهب.
وعادت الولايات المتحدة وإيران إلى أجواء المواجهة العسكرية بعد أكبر تبادل لإطلاق النار منذ أسابيع، بالتزامن مع تهديد واشنطن بشن ضربات أكثر تدميراً، ما دفع أسعار النفط الثلاثاء إلى أعلى مستوياتها في خمسة أسابيع.
ورغم أن التصعيد العسكري يمثل عادة بيئة إيجابية للذهب، فإن انعكاسه على أسعار الطاقة والتضخم غيّر حسابات المستثمرين، خصوصاً مع تحول الأنظار إلى الخطوة المقبلة للاحتياطي الفيدرالي.
رهانات الفائدة
ازدادت الضغوط على الذهب بعدما أطلق مسؤولون في البنك المركزي الأميركي إشارات متشددة بشأن التضخم. وقال عضو مجلس الاحتياطي الفيدرالي مايكل بار إنه إذا لم يتراجع التضخم بالسرعة المطلوبة، فقد يحين الوقت لرفع أسعار الفائدة.
كما قال رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش إن البنك المركزي سيكون أمامه عمل يتعين القيام به إذا لم يكتسب صانعو السياسة الثقة الكافية في أن التضخم يتحرك باتجاه المستوى المستهدف البالغ 2 %.
وتظهر أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي.إم.إي» أن المتعاملين يسعرون حالياً احتمالاً يبلغ 68 % لرفع أسعار الفائدة خلال اجتماع السياسة النقدية هذا الشهر، ما يمثل عاملاً ضاغطاً مباشراً على المعدن الذي لا يدر عائداً.
وتكمن المفارقة في أن الذهب يعد تقليدياً وسيلة للتحوط من ارتفاع التضخم، لكن إذا دفع تسارع الأسعار البنك المركزي إلى زيادة الفائدة، تصبح السندات والأصول المدرة للعائد أكثر جاذبية مقارنة به.
وبذلك أصبحت تحركات أسعار الطاقة عاملاً مزدوج التأثير؛ فهي تعزز القلق الاقتصادي والجيوسياسي من جهة، لكنها ترفع في الوقت نفسه توقعات التشديد النقدي وقوة الدولار من جهة أخرى.
بيانات حاسمة
تتحول أنظار المستثمرين الآن إلى سوق العمل الأميركية بحثاً عن مؤشرات قد ترجح اتجاه السياسة النقدية، إذ يترقب المتعاملون تقرير التوظيف الصادر عن مؤسسة «إيه.دي.بي»، قبل صدور بيانات الوظائف غير الزراعية الأميركية يوم الجمعة.
وأي أرقام تشير إلى استمرار قوة سوق العمل قد تمنح الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر لمواجهة التضخم عبر رفع الفائدة، بينما قد يؤدي ضعف التوظيف إلى تعقيد مهمة البنك المركزي بين احتواء الأسعار وتجنب إلحاق ضرر أكبر بالنشاط الاقتصادي.
وتعرضت المعادن النفيسة الأخرى لضغوط مماثلة، إذ انخفضت الفضة في المعاملات الفورية 0.3 % إلى 64.04 دولار للأونصة، وتراجع البلاتين 0.6 % إلى 1729.83 دولار، بينمـا خسـر البلاديوم 0.5 % ليصل إلى 1304.50 دولار.
الوظائف ترسم مسار المعدن
يدخل الذهب مرحلة حساسة بعدما فقد جزءاً من الدعم الذي كان يفترض أن توفره التوترات الجيوسياسية، إذ أصبحت توقعات الفائدة وقوة الدولار أكثر تأثيراً في اتجاهه قصير الأجل. ومع وجود احتمال بنسبة 68 % لزيادة تكاليف الاقتراض هذا الشهر، ستظل بيانات سـوق العمـل والتضخـم فـي صدارة العوامل التي يراقبها المستثمرون.
وقد يؤدي استمرار ارتفاع النفط إلى زيادة الضغوط التضخمية ودعم الدولار والعوائد، ما يفرض مزيداً من الضغوط على المعدن النفيس. وفي المقابل، فإن ظهور مؤشرات على تباطؤ سوق العمل أو انحسار الضغوط السعرية قد يقلص رهانات التشديد النقدي ويمنح الذهب فرصة لاستعادة جزء من خسائره، لتصبح البيانات الأميركية المقبلة العامل الحاسم في تحديد اتجاه الأسعار.