تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعدن‭ ‬الأصفر‭ ‬يعيد‭ ‬تسعير‭ ‬الخوف‭ ‬العالمي

المعدن‭ ‬الأصفر‭ ‬يعيد‭ ‬تسعير‭ ‬الخوف‭ ‬العالمي

دخل‭ ‬الذهب‭ ‬عام‭ ‬2026‭ ‬بزخم‭ ‬استثنائي،‭ ‬مدفوعاً‭ ‬بمزيج‭ ‬نادر‭ ‬من‭ ‬المخاوف‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬وضعف‭ ‬الدولار‭ ‬وعودة‭ ‬الطلب‭ ‬الاستثماري‭ ‬والمؤسسي،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬تسجيل‭ ‬مستويات‭ ‬قياسية‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬خلال‭ ‬يناير‭. ‬وفي‭ ‬ذروة‭ ‬هذه‭ ‬الموجة،‭ ‬تجاوز‭ ‬المعدن‭ ‬الأصفر‭ ‬حاجز‭ ‬5‭,‬500‭ ‬دولار‭ ‬للأونصة‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬يناير،‭ ‬في‭ ‬انعكاس‭ ‬واضح‭ ‬لانتقال‭ ‬المستثمرين‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬‮«‬تعظيم‭ ‬العائد‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬‮«‬شراء‭ ‬الحماية‮»‬‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬الصعود‭ ‬مجرد‭ ‬اندفاعة‭ ‬مضاربية،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬نتاجًا‭ ‬لتراكم‭ ‬عوامل‭ ‬هيكلية‭ ‬تشمل‭ ‬الطلب‭ ‬الرسمي‭ ‬من‭ ‬المصارف‭ ‬المركزية،‭ ‬والتحوط‭ ‬من‭ ‬الضبابية‭ ‬السياسية‭ ‬والنقدية،‭ ‬وإعادة‭ ‬تموضع‭ ‬المحافظ‭ ‬العالمية‭ ‬تجاه‭ ‬الأصول‭ ‬الدفاعية‭.‬
لكن‭ ‬هذا‭ ‬الصعود‭ ‬اللافت‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬دخلت‭ ‬مساراً‭ ‬مستقيماً‭ ‬إلى‭ ‬الأعلى‭. ‬فالذهب،‭ ‬رغم‭ ‬مكانته‭ ‬كملاذ‭ ‬آمن،‭ ‬يظل‭ ‬شديد‭ ‬الحساسية‭ ‬لأي‭ ‬تغير‭ ‬في‭ ‬توقعات‭ ‬الفائدة‭ ‬والعوائد‭ ‬الحقيقية‭ ‬واتجاه‭ ‬الدولار‭. ‬ولذلك،‭ ‬كان‭ ‬واضحًا‭ ‬منذ‭ ‬نهاية‭ ‬يناير‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬دخلت‭ ‬منطقة‭ ‬تتطلب‭ ‬حذراً‭ ‬أعلى،‭ ‬خاصة‭ ‬بعدما‭ ‬بدأت‭ ‬المخاطر‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬تتحول‭ ‬من‭ ‬‮«‬عامل‭ ‬داعم‭ ‬للذهب‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬عامل‭ ‬تضخمي‮»‬‭ ‬يهدد‭ ‬بإبقاء‭ ‬الفائدة‭ ‬مرتفعة‭ ‬لفترة‭ ‬أطول‭. ‬وهذه‭ ‬النقطة‭ ‬بالتحديد‭ ‬كانت‭ ‬المدخل‭ ‬الحقيقي‭ ‬لفهم‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬لاحقًا‭ ‬في‭ ‬مارس‭.‬

تصحيح‭ ‬عنيف

في‭ ‬مارس،‭ ‬انقلبت‭ ‬المعادلة‭ ‬سريعًا‭. ‬فبدلًا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تترجم‭ ‬التوترات‭ ‬الإقليمية‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الدعم‭ ‬التلقائي‭ ‬للذهب،‭ ‬قادت‭ ‬قفزة‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬والطاقة‭ ‬إلى‭ ‬عودة‭ ‬قوية‭ ‬لمخاوف‭ ‬التضخم،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬الأسواق‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تسعير‭ ‬مسار‭ ‬الفائدة‭ ‬عالميًا،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وأوروبا‭. ‬وبدلاً‭ ‬من‭ ‬الرهان‭ ‬على‭ ‬تخفيضات‭ ‬سريعة‭ ‬للفائدة،‭ ‬بدأت‭ ‬السوق‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬سيناريو‭ ‬أكثر‭ ‬تشدداً،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬سحب‭ ‬جزءاً‭ ‬مهماً‭ ‬من‭ ‬الزخم‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يدعم‭ ‬المعدن‭ ‬الأصفر‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬البيئة،‭ ‬فقد‭ ‬الذهب‭ ‬جزءاً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬مكاسبه،‭ ‬ليدخل‭ ‬في‭ ‬أقوى‭ ‬تصحيح‭ ‬شهري‭ ‬منذ‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬بحسب‭ ‬تغطيات‭ ‬حديثة‭ ‬لرويترز‭.‬
هذا‭ ‬الهبوط‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬‮«‬إلغاءً‮»‬‭ ‬للاتجاه‭ ‬الصاعد،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬إعادة‭ ‬تسعير‭ ‬قاسية‭ ‬لسوق‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬اندفعت‭ ‬بسرعة‭ ‬شديدة‭ ‬خلال‭ ‬أسابيع‭ ‬قليلة‭. ‬ومن‭ ‬الناحية‭ ‬الفنية‭ ‬والاستثمارية،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬في‭ ‬مارس‭ ‬يعكس‭ ‬حقيقة‭ ‬مهمة‭: ‬الذهب‭ ‬ليس‭ ‬أصلاً‭ ‬يتحرك‭ ‬فقط‭ ‬مع‭ ‬الخوف،‭ ‬بل‭ ‬يتحرك‭ ‬أيضًا‭ ‬مع‭ ‬كيفية‭ ‬ترجمة‭ ‬هذا‭ ‬الخوف‭ ‬إلى‭ ‬تضخم‭ ‬وفائدة‭ ‬وعوائد‭. ‬فإذا‭ ‬قادت‭ ‬الحرب‭ ‬أو‭ ‬الصدمات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬إلى‭ ‬خفض‭ ‬الفائدة‭ ‬أو‭ ‬إضعاف‭ ‬الدولار،‭ ‬يستفيد‭ ‬الذهب‭. ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬قادت‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬النفط‭ ‬وتعقيد‭ ‬مهمة‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية،‭ ‬فقد‭ ‬يتحول‭ ‬الأثر‭ ‬مؤقتاً‭ ‬إلى‭ ‬ضغط‭ ‬على‭ ‬الأسعار‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬دعمها‭. ‬وهذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬مارس‭ ‬2026‭.‬

ارتداد‭ ‬أبريل

مع‭ ‬بداية‭ ‬أبريل،‭ ‬بدأت‭ ‬السوق‭ ‬تعيد‭ ‬التوازن‭ ‬من‭ ‬جديد‭. ‬فقد‭ ‬تراجع‭ ‬الدولار‭ ‬نسبيًا،‭ ‬وظهرت‭ ‬رهانات‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬تهدئة‭ ‬محتملة‭ ‬في‭ ‬بؤر‭ ‬التوتر‭ ‬قد‭ ‬تُخفف‭ ‬ضغط‭ ‬الطاقة‭ ‬وتسمح‭ ‬بعودة‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬خفض‭ ‬الفائدة‭ ‬لاحقاً،‭ ‬ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬استعاد‭ ‬الذهب‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬خسائره‭ ‬وحقق‭ ‬أربع‭ ‬جلسات‭ ‬صعود‭ ‬متتالية‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬أبريل،‭ ‬مقترباً‭ ‬من‭ ‬مستويات‭ ‬4‭,‬800‭ ‬دولار‭ ‬للأونصة‭. ‬وهذا‭ ‬الارتداد‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬استعادت‭ ‬‮«‬راحة‭ ‬كاملة‮»‬،‭ ‬لكنه‭ ‬يعكس‭ ‬أن‭ ‬الذهب‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يحتفظ‭ ‬بجاذبيته‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬كلما‭ ‬ظهرت‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬الدولار‭ ‬أو‭ ‬انحسار‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬مسار‭ ‬الفائدة‭.‬
وهنا‭ ‬تظهر‭ ‬الطبيعة‭ ‬الجديدة‭ ‬لسوق‭ ‬الذهب‭ ‬في‭ ‬2026‭: ‬ليست‭ ‬سوقاً‭ ‬صاعدة‭ ‬هادئة،‭ ‬بل‭ ‬سوقاً‭ ‬صاعدة‭ ‬عالية‭ ‬التذبذب‭. ‬فالأسعار‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تتحرك‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬المعروض‭ ‬والطلب‭ ‬التقليديين،‭ ‬بل‭ ‬باتت‭ ‬مرآة‭ ‬فورية‭ ‬لتوقعات‭ ‬التضخم،‭ ‬والعوائد،‭ ‬والنفط،‭ ‬والسياسة‭ ‬النقدية،‭ ‬والمخاطر‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬قراءة‭ ‬الذهب‭ ‬اليوم‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً،‭ ‬لكنه‭ ‬أيضاً‭ ‬ما‭ ‬يمنحه‭ ‬أهمية‭ ‬أكبر‭ ‬داخل‭ ‬المحافظ‭ ‬الاستثمارية‭ ‬الكبرى‭. ‬لأنه‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬أقل‭ ‬يقيناً،‭ ‬تصبح‭ ‬قيمة‭ ‬الأصل‭ ‬الدفاعي‭ ‬أعلى‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬رحلته‭ ‬مليئة‭ ‬بالاهتزازات‭.‬

طلب‭ ‬رسمي

ورغم‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬التذبذب،‭ ‬فإن‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬عوامل‭ ‬قوة‭ ‬الذهب‭ ‬لم‭ ‬يتغير‭: ‬الطلب‭ ‬الرسمي‭ ‬من‭ ‬المصارف‭ ‬المركزية‭. ‬فبحسب‭ ‬مجلس‭ ‬الذهب‭ ‬العالمي،‭ ‬بلغ‭ ‬إجمالي‭ ‬مشتريات‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬في‭ ‬2025‭ ‬نحو‭ ‬863‭.‬3‭ ‬طنًا،‭ ‬وهي‭ ‬مستويات‭ ‬تبقى‭ ‬مرتفعة‭ ‬جدًا‭ ‬تاريخيًا،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬جاءت‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬ذروة‭ ‬2024‭. ‬والأهم‭ ‬من‭ ‬الرقم‭ ‬نفسه‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬مضاربة،‭ ‬بل‭ ‬يعكس‭ ‬قراراً‭ ‬سيادياً‭ ‬طويل‭ ‬الأجل‭ ‬لدى‭ ‬عدد‭ ‬متزايد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬بتنويع‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬وتقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬المفرط‭ ‬على‭ ‬الدولار‭ ‬والأصول‭ ‬المقومة‭ ‬به‭.‬
هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الطلب‭ ‬يختلف‭ ‬جذرياً‭ ‬عن‭ ‬الطلب‭ ‬الاستثماري‭ ‬قصير‭ ‬الأجل‭. ‬فعندما‭ ‬تشتري‭ ‬المصارف‭ ‬المركزية‭ ‬الذهب،‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تفعل‭ ‬ذلك‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬مكسب‭ ‬سريع،‭ ‬بل‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬الدفاعات‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬تتزايد‭ ‬فيه‭ ‬الانقسامات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬والضغوط‭ ‬على‭ ‬العملات‭ ‬والاحتياطيات‭. ‬ولهذا‭ ‬السبب،‭ ‬فإن‭ ‬استمرار‭ ‬هذه‭ ‬المشتريات‭ ‬يمنح‭ ‬الذهب‭ ‬أرضية‭ ‬دعم‭ ‬هيكلية‭ ‬تجعل‭ ‬أي‭ ‬تراجعات‭ ‬حادة‭ ‬أقل‭ ‬قابلية‭ ‬للتحول‭ ‬إلى‭ ‬انهيار‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭. ‬ومن‭ ‬منظور‭ ‬استراتيجي،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬العامل‭ ‬وحده‭ ‬كافٍ‭ ‬لتفسير‭ ‬لماذا‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬بيوت‭ ‬الخبرة‭ ‬يتعاملون‭ ‬مع‭ ‬الذهب‭ ‬باعتباره‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬صاعدة‭ ‬ممتدة،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬موجة‭ ‬عابرة‭.‬

سيولة‭ ‬استثمارية

إلى‭ ‬جانب‭ ‬الطلب‭ ‬الرسمي،‭ ‬برز‭ ‬عامل‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭: ‬عودة‭ ‬السيولة‭ ‬الاستثمارية‭ ‬المنظمة‭ ‬إلى‭ ‬الذهب،‭ ‬وخصوصًا‭ ‬عبر‭ ‬صناديق‭ ‬المؤشرات‭ ‬المتداولة‭ ‬المدعومة‭ ‬بالذهب‭. ‬فقد‭ ‬أظهرت‭ ‬بيانات‭ ‬مجلس‭ ‬الذهب‭ ‬العالمي‭ ‬أن‭ ‬حيازات‭ ‬صناديق‭ ‬الذهب‭ ‬المتداولة‭ ‬ارتفعت‭ ‬بنحو‭ ‬801‭ ‬طن‭ ‬خلال‭ ‬2025،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬أقوى‭ ‬التدفقات‭ ‬السنوية‭ ‬المسجلة‭ ‬تاريخيًا‭. ‬كما‭ ‬تجاوز‭ ‬إجمالي‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬الذهب‭ ‬5‭,‬000‭ ‬طن‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬عند‭ ‬احتساب‭ ‬التعاملات‭ ‬خارج‭ ‬البورصة،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تتحرك‭ ‬فقط‭ ‬بدافع‭ ‬الأفراد‭ ‬أو‭ ‬المضاربين،‭ ‬بل‭ ‬بدافع‭ ‬إعادة‭ ‬تموضع‭ ‬استثماري‭ ‬واسع‭ ‬النطاق‭.‬
هذا‭ ‬التطور‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية‭ ‬لأن‭ ‬الذهب،‭ ‬خلال‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬كان‭ ‬يُعامل‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المحافظ‭ ‬بوصفه‭ ‬‮«‬إضافة‭ ‬ثانوية‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬تأميناً‭ ‬احتياطياً‮»‬‭. ‬أما‭ ‬الآن،‭ ‬فقد‭ ‬عاد‭ ‬ليصبح‭ ‬أصلًا‭ ‬أساسياً‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ارتفاع‭ ‬تقلبات‭ ‬الأسهم،‭ ‬وتزايد‭ ‬الشكوك‭ ‬بشأن‭ ‬السندات،‭ ‬واستمرار‭ ‬هشاشة‭ ‬البيئة‭ ‬الكلية‭. ‬فالمستثمر‭ ‬المؤسسي‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬يشتري‭ ‬الذهب‭ ‬فقط‭ ‬لأنه‭ ‬يتوقع‭ ‬ارتفاعه،‭ ‬بل‭ ‬لأنه‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬أداة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬امتصاص‭ ‬الصدمات‭ ‬عندما‭ ‬تفشل‭ ‬الأدوات‭ ‬التقليدية‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭. ‬وهذا‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬التفكير‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬الذهب‭ ‬يحتفظ‭ ‬بمكانته‭ ‬رغم‭ ‬موجات‭ ‬التراجع‭ ‬المؤقتة‭.‬

معركة‭ ‬الفائدة

تبقى‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الذهب‭ ‬والفائدة‭ ‬هي‭ ‬المعادلة‭ ‬المركزية‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬الاتجاه‭ ‬المقبل‭ ‬للأسعار‭. ‬فالذهب‭ ‬بطبيعته‭ ‬أصل‭ ‬لا‭ ‬يدر‭ ‬عائدًا،‭ ‬ولذلك‭ ‬تتراجع‭ ‬جاذبيته‭ ‬نسبياً‭ ‬عندما‭ ‬ترتفع‭ ‬العوائد‭ ‬الحقيقية‭ ‬أو‭ ‬تتشدد‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يزدهر‭ ‬عادة‭ ‬عندما‭ ‬تميل‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬إلى‭ ‬التيسير‭ ‬أو‭ ‬عندما‭ ‬يضعف‭ ‬الدولار،‭ ‬ولهذا،‭ ‬فإن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يراقبه‭ ‬المستثمرون‭ ‬الآن‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬‮«‬هل‭ ‬سيخفض‭ ‬الفيدرالي‭ ‬الفائدة؟‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬‮«‬هل‭ ‬سيسمح‭ ‬التضخم‭ ‬بذلك‭ ‬أصلًا؟‮»‬‭.‬
هذه‭ ‬النقطة‭ ‬حساسة‭ ‬للغاية‭ ‬في‭ ‬2026،‭ ‬لأن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬لا‭ ‬يواجه‭ ‬تباطؤاً‭ ‬تقليدياً‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يواجه‭ ‬خطر‭ ‬تداخل‭ ‬النمو‭ ‬الضعيف‭ ‬مع‭ ‬ضغوط‭ ‬الطاقة‭ ‬والتضخم‭. ‬وقد‭ ‬أشارت‭ ‬رويترز‭ ‬نقلاً‭ ‬عن‭ ‬مسؤولي‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬قد‭ ‬يرفع‭ ‬التضخم‭ ‬العالمي‭ ‬ويضغط‭ ‬على‭ ‬النمو،‭ ‬وهو‭ ‬سيناريو‭ ‬معقد‭ ‬بالنسبة‭ ‬للذهب‭: ‬فمن‭ ‬جهة‭ ‬يدعم‭ ‬المخاوف‭ ‬والطلب‭ ‬على‭ ‬الملاذات،‭ ‬لكنه‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬قد‭ ‬يؤخر‭ ‬خفض‭ ‬الفائدة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يضغط‭ ‬على‭ ‬الأسعار‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬الذهب‭ ‬يعيش‭ ‬اليوم‭ ‬داخل‭ ‬معادلة‭ ‬مزدوجة‭: ‬الخوف‭ ‬يدعمه،‭ ‬لكن‭ ‬الخوف‭ ‬نفسه‭ ‬إذا‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬تضخم‭ ‬مزمن‭ ‬قد‭ ‬يضغط‭ ‬عليه‭ ‬مؤقتًا‭.‬

مخاطر‭ ‬جيوسياسية

لا‭ ‬يمكن‭ ‬فصل‭ ‬الذهب‭ ‬اليوم‭ ‬عن‭ ‬الجغرافيا‭ ‬السياسية‭. ‬فالسوق‭ ‬لا‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬المعدن‭ ‬الأصفر‭ ‬فقط‭ ‬باعتباره‭ ‬أصلًا‭ ‬ماليًا،‭ ‬بل‭ ‬باعتباره‭ ‬لغة‭ ‬عالمية‭ ‬للتحوط‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬انعدام‭ ‬اليقين‭. ‬ومع‭ ‬كل‭ ‬تصعيد‭ ‬يتعلق‭ ‬بالطاقة‭ ‬أو‭ ‬الممرات‭ ‬التجارية‭ ‬أو‭ ‬التوترات‭ ‬العسكرية،‭ ‬يعود‭ ‬الذهب‭ ‬إلى‭ ‬واجهة‭ ‬التداول‭ ‬العالمي‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬شهدناه‭ ‬بوضوح‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬العام،‭ ‬حين‭ ‬تزامن‭ ‬تصاعد‭ ‬القلق‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬مع‭ ‬عودة‭ ‬‮«‬شهية‭ ‬الخوف‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬شريحة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المستثمرين‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬انكشافهم‭ ‬على‭ ‬الأصول‭ ‬الدفاعية‭.‬
لكن‭ ‬المثير‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدورة‭ ‬أن‭ ‬التوترات‭ ‬لا‭ ‬تدعم‭ ‬الذهب‭ ‬فقط‭ ‬عبر‭ ‬قناة‭ ‬‮«‬الملاذ‭ ‬الآمن‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬عبر‭ ‬قنوات‭ ‬أخرى‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭: ‬النفط،‭ ‬التضخم،‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة،‭ ‬والدولار‭. ‬ولذلك،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬تصعيد‭ ‬جديد‭ ‬قد‭ ‬يحمل‭ ‬للذهب‭ ‬أثراً‭ ‬مزدوجاً‭: ‬دعماً‭ ‬مباشراً‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الخوف،‭ ‬وضغطاً‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬إذا‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬الطاقة‭ ‬وتعقيد‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬قراءة‭ ‬الذهب‭ ‬اليوم‭ ‬أكثر‭ ‬حساسية‭ ‬من‭ ‬دورات‭ ‬سابقة،‭ ‬لأن‭ ‬السوق‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تكتفي‭ ‬بسؤال‭: ‬‮«‬هل‭ ‬هناك‭ ‬خطر؟‮»‬‭ ‬بل‭ ‬تسأل‭: ‬‮«‬كيف‭ ‬سيؤثر‭ ‬هذا‭ ‬الخطر‭ ‬على‭ ‬التضخم‭ ‬والعوائد‭ ‬والفائدة؟‮»‬‭.‬

التوقعات‭ ‬المقبلة

على‭ ‬مستوى‭ ‬التوقعات،‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬الصورة‭ ‬العامة‭ ‬إيجابية‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬أكثر‭ ‬حذراً‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬القصير‭. ‬فقد‭ ‬رفعت‭ ‬مؤسسات‭ ‬مالية‭ ‬كبرى‭ ‬أهدافها‭ ‬السعرية‭ ‬للذهب‭ ‬خلال‭ ‬الأسابيع‭ ‬الماضية،‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬الرهان‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الطلب‭ ‬الرسمي‭ ‬والاستثماري‭ ‬سيبقيان‭ ‬داعمين‭ ‬رئيسيين‭ ‬للسوق‭. ‬ووفقاً‭ ‬لتقارير‭ ‬نقلتها‭ ‬رويترز،‭ ‬أبقى‭ ‬JPMorgan‭ ‬على‭ ‬هدف‭ ‬عند‭ ‬6‭,‬300‭ ‬دولار‭ ‬بنهاية‭ ‬2026،‭ ‬بينما‭ ‬تحدثت‭ ‬تقديرات‭ ‬أخرى‭ ‬عن‭ ‬متوسطات‭ ‬مرتفعة‭ ‬للأسعار‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬واحتمالات‭ ‬صعود‭ ‬جديدة‭ ‬إذا‭ ‬استمر‭ ‬ضعف‭ ‬الدولار‭ ‬أو‭ ‬تجددت‭ ‬موجات‭ ‬التوتر‭ ‬أو‭ ‬عاد‭ ‬مسار‭ ‬الفائدة‭ ‬إلى‭ ‬التيسير‭.‬
لكن‭ ‬القراءة‭ ‬المهنية‭ ‬الأكثر‭ ‬توازناً‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تُبنى‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬الصعود‭ ‬الدائم‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الذهب‭ ‬مرشح‭ ‬للبقاء‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬صاعدة‭ ‬متقلبة‭. ‬أي‭ ‬أن‭ ‬الاتجاه‭ ‬العام‭ ‬قد‭ ‬يظل‭ ‬داعماً،‭ ‬لكن‭ ‬عبر‭ ‬مسار‭ ‬غير‭ ‬منتظم،‭ ‬تتخلله‭ ‬تصحيحات‭ ‬حادة‭ ‬وقفزات‭ ‬مفاجئة‭ ‬بحسب‭ ‬تغير‭ ‬المعطيات،‭ ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬الرسالة‭ ‬الأساسية‭ ‬للمستثمرين‭ ‬وصناع‭ ‬القرار‭ ‬وحتى‭ ‬القراء‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬واضحة‭: ‬الذهب‭ ‬لم‭ ‬يفقد‭ ‬بريقه،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬أصلًا‭ ‬يمكن‭ ‬اختزاله‭ ‬في‭ ‬عنوان‭ ‬واحد‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬يرتفع‭ ‬مع‭ ‬الخوف‮»‬‭. ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬أصلًا‭ ‬يعكس‭ ‬تركيبة‭ ‬معقدة‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والسياسة‭ ‬والطاقة‭ ‬والنقد،‭ ‬وهذه‭ ‬تحديداً‭ ‬هي‭ ‬القصة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للذهب‭ ‬في‭ ‬2026‭.‬

اتجاه‭ ‬صاعد‭ ‬استراتيجي

الذهب‭ ‬لم‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬السوق‭ ‬الصاعدة،‭ ‬لكنه‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬الصعود‭ ‬السهل‭.‬
فالمعدن‭ ‬النفيس‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬مدعوماً‭ ‬بـشراء‭ ‬المصارف‭ ‬المركزية‭ ‬والطلب‭ ‬الاستثماري‭ ‬والاضطرابات‭ ‬الجيوسياسية،‭ ‬لكنه‭ ‬أصبح‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬أكثر‭ ‬تعرضاً‭ ‬لتقلبات‭ ‬النفط‭ ‬والتضخم‭ ‬والفائدة‭. ‬وعليه،‭ ‬فإن‭ ‬التوصيف‭ ‬الأدق‭ ‬لسوق‭ ‬الذهب‭ ‬حاليًا‭ ‬ليس‭ ‬‮«‬صعوداً‭ ‬مفتوحاً‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬اتجاه‭ ‬صاعد‭ ‬استراتيجي‭ ‬داخل‭ ‬بيئة‭ ‬شديدة‭ ‬الحساسية‭ ‬والتذبذب‭.‬

رجوع لأعلى