المعدن النفيس يتمسك بمكاسبه
تمسك الذهب بمكاسبه خلال تعاملات الخميس، في وقت تواصل فيه الأسواق العالمية إعادة تقييم مسار أسعار الفائدة الأميركية واحتمالات التوصل إلى تهدئة سياسية في الشرق الأوسط، وهو ما أبقى المعدن النفيس في قلب المشهد الاستثماري العالمي باعتباره أحد أبرز أدوات التحوط ضد التقلبات الاقتصادية والجيوسياسية.
واستقر الذهب قرب مستوى 4540 دولاراً للأونصة، بعدما سجل مكاسب قوية خلال الجلسة السابقة بلغت نحو 1.4 %، مدعوماً بتراجع الدولار الأميركي وانخفاض عوائد سندات الخزانة الأميركية، إلى جانب تصاعد رهانات المستثمرين على تقلص احتمالات استمرار التشديد النقدي من جانب الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.
وجاء هذا الأداء بعدما جدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب حديثه عن قرب التوصل إلى تفاهم مع إيران، قائلاً إن الولايات المتحدة باتت في «المراحل النهائية» من المفاوضات، ما أعاد إلى الأسواق احتمال انتهاء الحرب في الشرق الأوسط وعودة تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز بصورة طبيعية.
ورغم أن هذا السيناريو يبدو إيجابياً للاقتصاد العالمي من زاوية استقرار أسواق الطاقة وتراجع الضغوط التضخمية، فإنه في الوقت ذاته يدعم الذهب عبر تقليص توقعات بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة طويلة، وهي المعادلة التي دفعت المستثمرين إلى زيادة مراكزهم في المعدن النفيس خلال الساعات الماضية.
ويُنظر إلى الذهب تقليدياً باعتباره من أبرز الأصول المستفيدة من بيئة الفائدة المنخفضة، نظراً لأنه أصل لا يدر عائداً، وبالتالي تصبح جاذبيته أكبر عندما تتراجع العوائد الحقيقية على السندات والأدوات النقدية الأخرى.
دعم الدولار
كان تراجع الدولار الأميركي أحد أبرز العوامل التي دعمت الذهب خلال تعاملات الأسبوع، إذ انخفض مؤشر العملة الأميركية بعد موجة صعود استمرت لفترة طويلة مدفوعة بالتوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة.
ويؤدي ضعف الدولار عادة إلى دعم أسعار الذهب، لأن المعدن النفيس يُسعر بالعملة الأميركية، ما يجعله أقل تكلفة للمشترين من حائزي العملات الأخرى.
كما ساهم تراجع عوائد سندات الخزانة الأميركية في تعزيز الطلب على الذهب، إذ انخفضت جاذبية أدوات الدخل الثابت نسبياً مقارنة بالمعدن النفيس.
ورغم ذلك، فإن الأسواق لا تزال حذرة من أي تحول مفاجئ في السياسة النقدية الأميركية، خصوصاً بعد صدور محضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي الأخير، الذي أظهر أن غالبية المسؤولين لا يستبعدون الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة مجدداً إذا استمر التضخم فوق المستويات المستهدفة.
ويعكس هذا الموقف استمرار القلق داخل البنك المركزي الأميركي من بقاء الضغوط التضخمية مرتفعة، رغم التباطؤ النسبي الذي شهدته بعض المؤشرات الاقتصادية خلال الأشهر الماضية.
معادلة التضخم
تتفاعل أسعار الذهب حالياً مع معادلة شديدة التعقيد تربط بين التضخم وأسعار الفائدة والأوضاع الجيوسياسية، إذ بات المستثمرون يحاولون استشراف أي السيناريوهات سيكون الأكثر تأثيراً خلال المرحلة المقبلة.
ففي حال نجاح الجهود السياسية في إنهاء التوترات بالشرق الأوسط وإعادة فتح مضيق هرمز بصورة كاملة، يتوقع أن تتراجع أسعار الطاقة تدريجياً، ما سيخفف الضغوط التضخمية على الاقتصادات الكبرى ويقلص الحاجة إلى إبقاء الفائدة مرتفعة لفترة طويلة.
أما في حال استمرار الحرب أو تعطل الملاحة لفترة أطول، فإن العالم قد يواجه سيناريو «الركود التضخمي»، حيث يجتمع التضخم المرتفع مع تباطؤ النمو الاقتصادي، وهو من أكثر السيناريوهات دعماً للذهب تاريخياً.
ويعتقد عدد من المستثمرين أن الذهب لا يزال يلعب دور أداة التحوط الأساسية في مواجهة هذه الاحتمالات، خاصة مع تصاعد حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي والسياسات النقدية.
تقلبات حادة
ورغم المكاسب الأخيرة، فإن الذهب لا يزال يتحرك ضمن نطاق محدود نسبياً مقارنة بالقفزات التي شهدها في بداية الحرب، إذ تراجع المعدن النفيس بنحو 14 % منذ اندلاع الصراع في أواخر فبراير الماضي.
ويعزو محللون هذا الأداء إلى استمرار ارتفاع عوائد السندات الأميركية لأجل 10 سنوات قرب أعلى مستوياتها في نحو عام، وهو ما يحد من قدرة الذهب على تحقيق ارتفاعات أكبر.
كما أن الأسواق لا تزال تتعامل بحذر مع أي تفاؤل سياسي، في ظل استمرار تبادل التهديدات بين واشنطن وطهران واحتمال تجدد التصعيد العسكري في أي لحظة.
وتسببت هذه البيئة المضطربة في بقاء المستثمرين بين اتجاهين متناقضين، الأول يدفع نحو شراء الذهب كملاذ آمن، والثاني يفضل الاحتفاظ بالدولار أو السندات الأميركية تحسباً لأي تشدد نقدي جديد من الاحتياطي الفيدرالي.
رهانات المستثمرين
تظهر تحركات الأسواق أن المستثمرين باتوا أكثر ميلاً إلى المراهنة على تراجع وتيرة التشديد النقدي مقارنة بالأشهر الماضية، خاصة مع ظهور مؤشرات على تباطؤ بعض القطاعات الاقتصادية في الولايات المتحدة وأوروبا.
كما أن تصاعد المخاطر الجيوسياسية يدفع شريحة واسعة من مديري الأصول إلى الحفاظ على مراكز كبيرة في الذهب باعتباره أحد أهم أدوات التحوط ضد التقلبات.
وقال محللون في «سيتي غروب» إن انتهاء أزمة مضيق هرمز في نهاية المطاف قد يخفف الضغوط الكلية الحالية على الذهب، لكنه في الوقت نفسه قد يقود إلى استقرار السوق عند مستويات مرتفعة نسبياً مقارنة بما قبل الحرب.
وأضافوا أن استمرار إغلاق المضيق لفترة أطول سيعزز سيناريو الركود التضخمي، وهو وضع تميل المعادن النفيسة إلى تحقيق أداء قوي خلاله.
ترقب واسع
في المحصلة، تبدو أسواق الذهب أمام مرحلة شديدة الحساسية، إذ يتوقف اتجاه الأسعار خلال الفترة المقبلة على مزيج معقد من التطورات السياسية والنقدية والاقتصادية.
فأي تهدئة فعلية في الشرق الأوسط قد تدفع المستثمرين إلى إعادة تسعير توقعات التضخم والفائدة، بينما قد يؤدي استمرار التوترات أو عودة التصعيد إلى موجات جديدة من الإقبال على المعدن النفيس.
كما ستظل تصريحات الاحتياطي الفيدرالي وبيانات التضخم الأميركية ضمن أهم العوامل المؤثرة في تحركات الذهب، خاصة مع اقتراب الأسواق من مرحلة مفصلية بشأن مستقبل أسعار الفائدة.
وفي ظل هذه الظروف، يواصل الذهب لعب دوره التقليدي كملاذ آمن ووسيلة تحوط استراتيجية، في وقت تزداد فيه حالة الضبابية التي تحيط بالاقتصاد العالمي والأسواق المالية الدولية.