المهارات البشرية تتفوق في سباق التوظيف
في الوقت الذي يتسابق فيه الطلاب والخريجون الجدد لتعلم أدوات الذكاء الاصطناعي، اعتقاداً بأنها أصبحت جواز المرور إلى سوق العمل، تكشف نظرة أعمق إلى قرارات التوظيف أن الشركات لا تبحث فقط عمن يجيد التعامل مع التكنولوجيا، بل عن أشخاص يمتلكون مهارات يصعب على الآلات تقليدها.
وبينما يخشى كثير من الشباب أن تحل الخوارزميات والروبوتات محلهم في وظائف المستقبل، تشير تجارب أصحاب العمل إلى أن العامل البشري لا يزال يحتفظ بمكانته، إذ أصبحت مهارات التواصل والتعلم والاحترافية والمرونة عوامل حاسمة عند اختيار الموظفين الجدد.
ويرى باحثون يدرسون تأثير التكنولوجيا على بيئة العمل أن السؤال لم يعد فقط عما إذا كان المرشح يستطيع استخدام الذكاء الاصطناعي، بل أصبح يتعلق بقدرته على التعلم والتكيف والنمو داخل المؤسسة.
أولويات التوظيف
جاء هذا الاستنتاج بعد دراسة شملت أكثر من 600 جهة عمل من قطاعات وأحجام مختلفة، بهدف تحديد المهارات والصفات التي يبحث عنها أصحاب الشركات عند توظيف الخريجين والموظفين في بداية مسيرتهم المهنية.
وكانت النتيجة لافتة، إذ وضعت الشركات المهارات الشخصية، مثل التواصل والعمل الجماعي والاستعداد للتعلم، في مقدمة الأولويات، متقدمة على العديد من المهارات التقنية.
ولا يعني ذلك أن المعرفة التكنولوجية أو استخدام الذكاء الاصطناعي أصبحا غير مهمين، لكن أصحاب العمل يعتبرون أن هذه المهارات يمكن تطويرها داخل المؤسسة، بشرط أن يمتلك الموظف أساساً قوياً من القدرات الإنسانية التي تساعده على التعلم والتكيف.
وأوضح مسؤول موارد بشرية في شركة متوسطة للرعاية الصحية أن مهارات الكمبيوتر وخدمة العملاء والاعتمادية مهمة للغاية، بينما يمكن تدريب الموظفين لاحقاً على كثير من المهارات الأخرى.
وأكدت شركة صغيرة متخصصة في الأجهزة الطبية أن الموظفين يحتاجون إلى تحمل مسؤوليات متنوعة، ما يجعل المرونة والقدرة على التكيف لا تقلان أهمية عن الكفاءة التقنية.
قابلية التطور
تشير آراء أصحاب العمل إلى أن الشركات لا تبحث فقط عن شخص يمتلك مجموعة جاهزة من المهارات، وإنما عن موظف يستطيع التطور مع تغير احتياجات المؤسسة.
فالوظائف الحديثة تتغير بسرعة، وقد تفقد بعض المهارات التقنية أهميتها مع ظهور أدوات جديدة، لكن القدرة على التعلم المستمر والتعامل مع التحديات تظل قيمة أساسية.
ولهذا يرى أصحاب الشركات أن الموظف الذي يمتلك الفضول والرغبة في التطور يستطيع اكتساب مهارات جديدة بسهولة أكبر من شخص لديه معرفة تقنية محددة لكنه يفتقر إلى المرونة.
وقال أحد المشاركين في الدراسة، ويعمل في مؤسسة صغيرة غير ربحية، إن الموظفين يحتاجون إلى الفضول والقدرة على التكيف وتعلم مهارات جديدة بسرعة، لأن العاملين في المؤسسات الصغيرة غالباً ما يتطورون مع نمو المؤسسة نفسها.
وبالتالي، لا تضع الشركات المهارات التقنية والشخصية في مواجهة بعضها، بل تعتبر أن النجاح في سوق العمل الحديث يتطلب مزيجاً متوازناً من الاثنين.
مهارات التواصل
برز التواصل باعتباره من أكثر المهارات التي تكررت في آراء أصحاب العمل، إذ أشار مسؤولون إلى صعوبة العثور على خريجين قادرين على إجراء محادثات مباشرة أو التواصل هاتفياً أو التعبير عن أفكارهم بوضوح.
وقال مدير توظيف في شركة صناعية كبيرة إن بعض المتقدمين يفتقرون إلى الثقة في التواصل وجهاً لوجه، فيما أوضح مسؤول تنفيذي في شركة خدمات مهنية صغيرة أن ضعف مهارات الكتابة كان سبباً متكرراً لاستبعاد طلبات توظيف.
ولا تنظر الشركات إلى التواصل باعتباره مجرد القدرة على الحديث أو الكتابة، بل تربطه أيضاً بالاحترافية والمسؤولية وبناء العلاقات داخل المؤسسة وخارجها، إضافة إلى الالتزام بالوعود والمتابعة وفهم احتياجات الزملاء والعملاء.
التدريب العملي
توضح الدراسة أن التدريب العملي وبرامج التأهيل الداخلي لا تزال تلعب دوراً مهماً في قرارات التوظيف، لأنها تمنح الشركات فرصة لتقييم الموظف المحتمل بعيداً عن السيرة الذاتية.
فمن خلال التدريب تستطيع الشركات قياس مهارات التواصل والالتزام والتعامل مع الملاحظات والقدرة على العمل ضمن فريق. وأشار مسؤول في شركة خدمات مهنية إلى أن شركته توظف غالباً أشخاصاً سبق لهم التدريب لديها، لأنها تعرف قدراتهم ودافعيتهم ومدى توافقهم مع ثقافة المؤسسة.
كما أظهرت إحدى التجارب قدرة متدرب على إنجاز مشروعات معقدة قبل الموعد المحدد، والتأقلم سريعاً مع بيئة العمل، إلى جانب امتلاك مهارات تواصل ورغبة واضحة في التعلم، وهي صفات رفعت قيمته لدى صاحب العمل.
استخدام مسؤول
بالنسبة إلى الذكاء الاصطناعي، كانت رسالة أصحاب العمل واضحة: معرفة استخدام التكنولوجيا مهمة، لكن الأهم معرفة متى وكيف تستخدم بصورة مسؤولة.
وأشار أحد المشاركين إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي في إعداد طلبات التوظيف ليس مشكلة بحد ذاته، لكن المشكلة تبدأ عندما يعتمد عليه المتقدم دون مراجعة النتائج.
ولاحظ مسؤولون أن بعض المتقدمين استخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي لكتابة خطابات التقديم، لكنهم تركوا أخطاء واضحة، بينها ذكر مؤسسات أو وظائف لا علاقة لها بالجهة التي يتقدمون إليها. وبدلاً من تحسين فرصهم، دفعت هذه الأخطاء أصحاب العمل إلى التشكيك في قدرتهم على الانتباه للتفاصيل والمراجعة واتخاذ القرارات السليمة.