تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواهب‭ ‬تصنع‭ ‬الشركات‭… ‬والقادة‭ ‬يحتضنونها

المواهب‭ ‬تصنع‭ ‬الشركات‭... ‬والقادة‭ ‬يحتضنونها

في‭ ‬عالم‭ ‬تتسارع‭ ‬فيه‭ ‬المعرفة‭ ‬بوتيرة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬القيادة‭ ‬تُقاس‭ ‬بعدد‭ ‬سنوات‭ ‬الخبرة‭ ‬أو‭ ‬بقدرة‭ ‬المدير‭ ‬على‭ ‬امتلاك‭ ‬جميع‭ ‬الإجابات،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬مرتبطة‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬استقطاب‭ ‬أصحاب‭ ‬الكفاءات‭ ‬العالية،‭ ‬وإدارة‭ ‬اختلافاتهم،‭ ‬وتحويل‭ ‬قدراتهم‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬جماعية‭ ‬تصنع‭ ‬الإنجاز‭. ‬فالقائد‭ ‬الناجح‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬الأكثر‭ ‬ذكاءً‭ ‬داخل‭ ‬غرفة‭ ‬الاجتماعات،‭ ‬وإنما‭ ‬الأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬توظيف‭ ‬العقول‭ ‬المتميزة،‭ ‬ومنحها‭ ‬المساحة‭ ‬للإبداع،‭ ‬ثم‭ ‬توجيهها‭ ‬نحو‭ ‬هدف‭ ‬مشترك‭ ‬يخدم‭ ‬المؤسسة‭ ‬بأكملها‭.‬
ويطرح‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬سؤالاً‭ ‬مهماً‭: ‬كيف‭ ‬يستطيع‭ ‬المدير‭ ‬قيادة‭ ‬أشخاص‭ ‬يمتلكون‭ ‬خبرة‭ ‬أعمق‭ ‬أو‭ ‬معرفة‭ ‬أكبر‭ ‬منه؟‭ ‬والإجابة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬القيادة‭ ‬الحديثة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬التفوق‭ ‬الفردي،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التنسيق‭ ‬والإلهام‭ ‬وصناعة‭ ‬بيئة‭ ‬عمل‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬الطاقات‭.‬

استقطاب‭ ‬المواهب

يُروى‭ ‬أن‭ ‬ديفيد‭ ‬أوجلفي،‭ ‬الذي‭ ‬يُعد‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬رواد‭ ‬صناعة‭ ‬الإعلان‭ ‬الحديثة،‭ ‬كان‭ ‬يمنح‭ ‬كل‭ ‬مدير‭ ‬جديد‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الدمى‭ ‬الروسية‭ ‬المتداخلة،‭ ‬ويقول‭: ‬‮«‬إذا‭ ‬وظّفتم‭ ‬من‭ ‬هم‭ ‬أذكى‭ ‬منكم،‭ ‬ستصبحون‭ ‬شركة‭ ‬من‭ ‬العمالقة،‭ ‬وإذا‭ ‬وظّفتم‭ ‬أقل‭ ‬منكم‭ ‬ذكاءً،‭ ‬ستصبحون‭ ‬شركة‭ ‬من‭ ‬الأقزام‮»‬‭. ‬وتحولت‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬إلى‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أشهر‭ ‬قواعد‭ ‬القيادة،‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬مجرد‭ ‬رؤية‭ ‬فلسفية،‭ ‬بل‭ ‬تؤكدها‭ ‬تجارب‭ ‬الشركات‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬نجحت‭ ‬بفضل‭ ‬استقطاب‭ ‬أفضل‭ ‬العقول،‭ ‬لا‭ ‬بتهميشها‭.‬

اقتصاد‭ ‬المعرفة

في‭ ‬اقتصاد‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭ ‬والتقنيات‭ ‬المتغيرة‭ ‬باستمرار،‭ ‬أصبحت‭ ‬الخبرة‭ ‬موزعة‭ ‬بين‭ ‬تخصصات‭ ‬متعددة،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬المنطقي‭ ‬أن‭ ‬يمتلك‭ ‬شخص‭ ‬واحد‭ ‬المعرفة‭ ‬الكاملة‭ ‬بكل‭ ‬شيء‭. ‬ولذلك‭ ‬يحتاج‭ ‬المدير‭ ‬إلى‭ ‬فريق‭ ‬يضم‭ ‬خبرات‭ ‬متنوعة‭ ‬تكمل‭ ‬بعضها‭ ‬البعض‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الموظفين‭ ‬الأكثر‭ ‬ذكاءً‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يمتلكون‭ ‬قدرة‭ ‬أعلى‭ ‬على‭ ‬التعلم‭ ‬السريع‭ ‬والتكيف‭ ‬مع‭ ‬المتغيرات،‭ ‬وهي‭ ‬ميزة‭ ‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭ ‬من‭ ‬حجم‭ ‬المعرفة‭ ‬الحالية‭ ‬نفسها‭.‬
ولهذا‭ ‬قال‭ ‬مؤسس‭ ‬شركة‭ ‬أبل،‭ ‬ستيف‭ ‬جوبز،‭ ‬عبارته‭ ‬الشهيرة‭: ‬‮«‬نحن‭ ‬نوظف‭ ‬الأذكياء‭ ‬ليخبرونا‭ ‬بما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نفعله،‭ ‬وليس‭ ‬العكس‮»‬،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬قيمة‭ ‬القائد‭ ‬الحقيقية‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬حسن‭ ‬اختيار‭ ‬الأشخاص،‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬التفوق‭ ‬عليهم‭.‬

عقدة‭ ‬المدير

ورغم‭ ‬وضوح‭ ‬فوائد‭ ‬استقطاب‭ ‬أصحاب‭ ‬الكفاءات‭ ‬العالية،‭ ‬فإن‭ ‬بعض‭ ‬المديرين‭ ‬يترددون‭ ‬في‭ ‬توظيف‭ ‬أشخاص‭ ‬قد‭ ‬يتفوقون‭ ‬عليهم‭ ‬في‭ ‬المعرفة‭ ‬أو‭ ‬المهارة‭. ‬ويعود‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬أسباب‭ ‬متعددة،‭ ‬أبرزها‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬المقارنة،‭ ‬أو‭ ‬الشعور‭ ‬بأن‭ ‬وجود‭ ‬موظف‭ ‬أكثر‭ ‬كفاءة‭ ‬قد‭ ‬يهدد‭ ‬مكانتهم‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسة‭.‬
كما‭ ‬تدفع‭ ‬بعض‭ ‬التحيزات‭ ‬الشخصية‭ ‬المدير‭ ‬إلى‭ ‬اختيار‭ ‬من‭ ‬يشبهونه‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬التفكير‭ ‬أو‭ ‬الخلفية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬أو‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬المهارات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الكفاءة‭ ‬الحقيقية‭. ‬والنتيجة‭ ‬غالباً‭ ‬هي‭ ‬فرق‭ ‬عمل‭ ‬يسودها‭ ‬الانسجام‭ ‬الظاهري،‭ ‬لكنها‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭ ‬وتحقيق‭ ‬نتائج‭ ‬استثنائية‭.‬

ثقة‭ ‬القائد

القائد‭ ‬الواثق‭ ‬من‭ ‬نفسه‭ ‬لا‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬الموظف‭ ‬المتميز‭ ‬باعتباره‭ ‬منافساً،‭ ‬بل‭ ‬يراه‭ ‬إضافة‭ ‬حقيقية‭ ‬تعزز‭ ‬نجاح‭ ‬الفريق‭. ‬فالثقة‭ ‬بالنفس‭ ‬تمنح‭ ‬المدير‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تقبل‭ ‬الآراء‭ ‬المختلفة،‭ ‬والاستفادة‭ ‬من‭ ‬النقد‭ ‬البناء،‭ ‬وتشجيع‭ ‬النقاش‭ ‬المفتوح،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬إيجاباً‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬القرارات‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسة‭.‬
وتشير‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الأشخاص‭ ‬الأكثر‭ ‬كفاءة‭ ‬يدركون‭ ‬حدود‭ ‬معرفتهم‭ ‬بصورة‭ ‬أفضل،‭ ‬ما‭ ‬يجعلهم‭ ‬أكثر‭ ‬استعداداً‭ ‬للتعلم‭ ‬والتطوير،‭ ‬بينما‭ ‬يميل‭ ‬الأقل‭ ‬كفاءة‭ ‬أحياناً‭ ‬إلى‭ ‬المبالغة‭ ‬في‭ ‬تقدير‭ ‬قدراتهم،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬أخطاء‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬الفريق‭.‬

قيادة‭ ‬الأذكياء

لكن‭ ‬امتلاك‭ ‬فريق‭ ‬مليء‭ ‬بالمواهب‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬وحده‭ ‬لتحقيق‭ ‬النجاح‭. ‬فالمهمة‭ ‬الأساسية‭ ‬للقائد‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬هذه‭ ‬القدرات‭ ‬الفردية‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬عمل‭ ‬متكاملة‭. ‬ويبدأ‭ ‬ذلك‭ ‬بتهيئة‭ ‬بيئة‭ ‬يشعر‭ ‬فيها‭ ‬الجميع‭ ‬بالأمان‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬أفكارهم،‭ ‬دون‭ ‬خوف‭ ‬من‭ ‬الرفض‭ ‬أو‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬آرائهم‭.‬
وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬يحتاج‭ ‬المدير‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬توازن‭ ‬دقيق‭ ‬بين‭ ‬تقدير‭ ‬أصحاب‭ ‬الكفاءات‭ ‬ومنع‭ ‬تضخم‭ ‬الأنا‭ ‬لديهم،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تتحول‭ ‬الموهبة‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬انقسام‭ ‬داخل‭ ‬الفريق‭. ‬فالمطلوب‭ ‬أن‭ ‬يبرز‭ ‬كل‭ ‬فرد‭ ‬بقدراته،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يطغى‭ ‬على‭ ‬الآخرين‭ ‬أو‭ ‬يضعف‭ ‬روح‭ ‬العمل‭ ‬الجماعي‭.‬

بيئة‭ ‬الإبداع

كما‭ ‬أن‭ ‬الموظف‭ ‬المتميز‭ ‬يحتاج‭ ‬باستمرار‭ ‬إلى‭ ‬تحديات‭ ‬وفرص‭ ‬جديدة‭ ‬للتطور،‭ ‬لأن‭ ‬الموهبة‭ ‬وحدها‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬التميز‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يصبح‭ ‬دور‭ ‬المدير‭ ‬في‭ ‬توفير‭ ‬التدريب،‭ ‬وتوسيع‭ ‬المسؤوليات،‭ ‬وربط‭ ‬التطور‭ ‬المهني‭ ‬بأهداف‭ ‬واضحة‭ ‬تخدم‭ ‬الموظف‭ ‬والمؤسسة‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭.‬
وعندما‭ ‬يشعر‭ ‬أصحاب‭ ‬الكفاءات‭ ‬بأن‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭ ‬تشجعهم‭ ‬على‭ ‬الابتكار،‭ ‬فإنهم‭ ‬يصبحون‭ ‬أكثر‭ ‬استعداداً‭ ‬لتبادل‭ ‬المعرفة،‭ ‬ومساندة‭ ‬زملائهم،‭ ‬والمساهمة‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬مستوى‭ ‬الأداء‭ ‬الجماعي‭.‬

ميزة‭ ‬تنافسية

في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬يبقى‭ ‬توظيف‭ ‬أشخاص‭ ‬أذكى‭ ‬من‭ ‬المدير‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬اختبارات‭ ‬القيادة‭ ‬الحقيقية،‭ ‬لكن‭ ‬الاختبار‭ ‬الأكبر‭ ‬هو‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬توحيد‭ ‬هذه‭ ‬الطاقات‭ ‬المختلفة،‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬فريق‭ ‬يعمل‭ ‬بتناغم‭ ‬نحو‭ ‬هدف‭ ‬واحد‭. ‬فالمؤسسات‭ ‬الناجحة‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬أفراد‭ ‬لامعين‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬قائد‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬يستثمر‭ ‬اختلاف‭ ‬مهاراتهم،‭ ‬ويجعلها‭ ‬ميزة‭ ‬تنافسية‭ ‬مستدامة‭.‬
وهكذا،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬القائد‭ ‬الناجح‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الأذكى‭ ‬في‭ ‬المؤسسة،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬يمتلك‭ ‬الرؤية‭ ‬والثقة‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬إطلاق‭ ‬إمكانات‭ ‬الآخرين،‭ ‬وصناعة‭ ‬بيئة‭ ‬عمل‭ ‬يتحول‭ ‬فيها‭ ‬التفوق‭ ‬الفردي‭ ‬إلى‭ ‬نجاح‭ ‬جماعي،‭ ‬وتصبح‭ ‬القيادة‭ ‬فناً‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬العمالقة،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬إدارة‭ ‬للأفراد‭.‬

رجوع لأعلى