تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المونديال‭ ‬لا‭ ‬يحرك‭ ‬الجماهير‭ ‬فقط‭.. ‬خسارة‭ ‬المنتخبات‭ ‬قد‭ ‬تكلف‭ ‬أسواق‭ ‬الأسهم‭ ‬مليارات‭ ‬الدولارات

المونديال‭ ‬لا‭ ‬يحرك‭ ‬الجماهير‭ ‬فقط‭.. ‬خسارة‭ ‬المنتخبات‭ ‬قد‭ ‬تكلف‭ ‬أسواق‭ ‬الأسهم‭ ‬مليارات‭ ‬الدولارات

قبل انطلاق منافسات كأس العالم 2026، تتجه أنظار مليارات المشجعين نحو الحدث الرياضي الأكبر عالميًا، حيث تتنافس المنتخبات الوطنية على تحقيق المجد الكروي وحصد اللقب الأغلى في عالم كرة القدم. إلا أن تأثير البطولة لا يتوقف عند حدود الملاعب والمدرجات وشاشات البث التلفزيوني، بل يمتد إلى ساحات مختلفة من النشاط الاقتصادي والمالي، وفي مقدمتها أسواق الأسهم العالمية.
ففي الوقت الذي يركز فيه المشجعون على نتائج المباريات وأداء اللاعبين، يراقب الاقتصاديون والباحثون ظاهرة مختلفة تتمثل في انعكاس نتائج المنتخبات الوطنية على سلوك المستثمرين واتجاهات الأسواق المالية. وتظهر العديد من الدراسات أن المشاعر الجماعية المرتبطة بالرياضة يمكن أن تؤثر بصورة غير مباشرة في قرارات الاستثمار، ما يجعل كأس العالم حدثًا اقتصادياً ونفسياً يتجاوز كونه مجرد بطولة رياضية.
ومع اتساع قاعدة المشاركة الجماهيرية للبطولة وتزايد التغطية الإعلامية العالمية، أصبحت العلاقة بين الرياضة والأسواق المالية أكثر وضوحاً، خاصة في الدول التي تحظى فيها كرة القدم بمكانة استثنائية في الوعي الجمعي.

نتائج الدراسة
سلطت دراسة أكاديمية شهيرة بعنوان «المشاعر الرياضية وعوائد الأسهم» الضوء على العلاقة بين نتائج المنتخبات الوطنية وأداء الأسواق المالية، حيث أعد الدراسة باحثون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وعدد من الجامعات الدولية المتخصصة في الاقتصاد والتمويل.
وقامت الدراسة بتحليل بيانات عدد كبير من أسواق الأسهم حول العالم خلال الفترة الممتدة بين عامي 1973 و2004، مع التركيز على البطولات الكبرى والمباريات الإقصائية التي تحظى بمتابعة جماهيرية واسعة.
وأظهرت النتائج وجود نمط متكرر يتمثل في تسجيل أسواق الأسهم المحلية أداءً أضعف من المعتاد في اليوم التالي لخسارة المنتخب الوطني خلال الأدوار الإقصائية من كأس العالم، وهو ما يشير إلى وجود علاقة بين الحالة النفسية للجمهور والمستثمرين وبين حركة الأسواق المالية.
ورغم أن هذه العلاقة لا تعني أن نتائج المباريات هي العامل الرئيسي الذي يحدد اتجاه الأسواق، فإنها تقدم دليلًا مهماً على قدرة العوامل النفسية على التأثير في قرارات المستثمرين حتى في البيئات المالية المتقدمة.

أثر الخسارة
تُعد المباريات الإقصائية الأكثر حساسية بالنسبة للجماهير، لأنها تحدد استمرار المنتخب في المنافسة أو خروجه النهائي من البطولة. وعندما يتعرض المنتخب الوطني للهزيمة في هذه المرحلة، تتولد حالة من الإحباط الجماعي قد تنعكس على مختلف جوانب النشاط الاقتصادي، بما في ذلك سلوك المستثمرين.
وتشير الدراسات إلى أن التأثير النفسي للخسارة يتجاوز مجرد خيبة الأمل الرياضية، إذ يؤدي إلى تراجع الثقة قصيرة الأجل وزيادة الميل إلى الحذر وتجنب المخاطر، وهي عوامل تنعكس بصورة مباشرة على قرارات التداول والاستثمار.
ويبدو هذا التأثير أكثر وضوحًا في الدول التي تحظى فيها كرة القدم بشعبية استثنائية، حيث تتحول نتائج المنتخب الوطني إلى قضية وطنية يتفاعل معها ملايين المواطنين في وقت واحد، بما في ذلك المستثمرون ومديرو المحافظ المالية.
كما أن سرعة انتشار الأخبار عبر وسائل الإعلام التقليدية والمنصات الرقمية تضاعف من تأثير المشاعر الجماعية، ما يجعل انعكاسها على الأسواق أكثر وضوحاً مقارنة بفترات سابقة.

مونديال 2022
يستشهد عدد من المحللين ببطولة كأس العالم 2022 باعتبارها مثالاً حديثاً على العلاقة بين الأجواء الرياضية وأداء الأسواق المالية خلال فترة المنافسات الكبرى.
فخلال الأدوار الإقصائية للبطولة، تراجع مؤشر «إس آند بي 500» الأمريكي بنحو 5.4 %، في حين انخفضت الأسهم العالمية بما يقارب 4.6 % خلال الفترة نفسها، وهو ما أثار اهتمام الباحثين والمتابعين للعلاقة بين المزاج العام للمستثمرين واتجاهات الأسواق. ورغم وجود عوامل اقتصادية ونقدية عديدة كانت تؤثر على الأسواق في ذلك الوقت، فإن هذه الأرقام أعادت تسليط الضوء على النظريات التي تؤكد أن المشاعر الجماعية قد تلعب دوراً إضافياً في تضخيم التحركات المالية أو تعزيز اتجاهات قائمة بالفعل.
كما دفعت هذه النتائج عدداً من المؤسسات البحثية إلى إعادة دراسة العلاقة بين الأحداث الرياضية الكبرى وسلوك المستثمرين في ظل التطورات المتسارعة للأسواق المالية العالمية.

الاقتصاد السلوكي
يقدم علم الاقتصاد السلوكي التفسير الأكثر شيوعًا لهذه الظاهرة، إذ يفترض أن المستثمرين لا يتخذون قراراتهم بناءً على التحليل العقلاني فقط، بل تتأثر اختياراتهم أيضًا بالعواطف والانفعالات والمشاعر اليومية.
ومن هذا المنطلق، يمكن لخسارة المنتخب الوطني أن تؤثر سلباً في المزاج العام للمستثمرين، ما يدفع بعضهم إلى تقليص مراكزهم الاستثمارية أو تأجيل قرارات الشراء أو زيادة مستويات الحذر عند التعامل مع الأصول عالية المخاطر.
وتوضح الدراسات أن الإنسان يميل بطبيعته إلى المبالغة في تقدير الخسائر مقارنة بالمكاسب، وهو ما يعرف في الاقتصاد السلوكي بـ«نفور الخسارة»، الأمر الذي يفسر لماذا يكون تأثير الهزيمة الرياضية أقوى من تأثير الانتصارات على السلوك الاستثماري.
كما أن التأثير النفسي قد يظهر بصورة غير واعية، حيث لا يدرك المستثمر في كثير من الأحيان أن حالته المزاجية الناتجة عن حدث رياضي قد تؤثر في قراراته المالية.

تأثير عالمي
لا يقتصر تأثير نتائج المباريات على الدولة الخاسرة فقط، بل يمكن أن يمتد بصورة غير مباشرة إلى أسواق أخرى حول العالم، خاصة خلال البطولات الكبرى التي تستقطب اهتماماً عالمياً واسعاً.
ففي كل مباراة إقصائية يوجد منتخب فائز وآخر خاسر، إلا أن الدراسات تشير إلى أن الأثر النفسي السلبي للخسارة غالباً ما يكون أقوى من الأثر الإيجابي الناتج عن الفوز. ونتيجة لذلك تتكرر الضغوط النفسية في أكثر من سوق مالية مع تقدم البطولة واقترابها من مراحلها النهائية.
كما أن الترابط المتزايد بين الأسواق العالمية يجعل انتقال المشاعر الاستثمارية أكثر سهولة، سواء عبر المستثمرين الدوليين أو المؤسسات المالية الكبرى التي تنشط في عدة أسواق في الوقت نفسه.
وتزداد أهمية هذا العامل في ظل الانتشار الواسع لصناديق الاستثمار العالمية والتداولات العابرة للحدود، حيث أصبحت ردود الفعل النفسية تنتقل بسرعة بين الأسواق المختلفة.

حدود العلاقة
على الرغم من النتائج التي توصلت إليها الدراسات الأكاديمية، يؤكد الخبراء أن نتائج مباريات كرة القدم ليست العامل الحاسم أو الوحيد في تحديد اتجاهات الأسواق المالية، إذ تظل المؤشرات الاقتصادية وأسعار الفائدة وأرباح الشركات والتطورات السياسية هي المحركات الأساسية للأسهم.
ومع ذلك، تكمن أهمية هذه الدراسات في إبراز الدور الذي تلعبه العوامل النفسية في تشكيل قرارات المستثمرين، خاصة خلال الفترات التي ترتفع فيها مستويات عدم اليقين أو تتقارب فيها التوقعات الاقتصادية.
وتكشف هذه الظاهرة أن الأسواق المالية ليست مجرد أرقام ونماذج رياضية، بل هي انعكاس لسلوك بشري معقد يتأثر بالأحداث اليومية والمشاعر الجماعية والثقافة السائدة في كل مجتمع.
كما تؤكد أن فهم الأسواق يتطلب الجمع بين التحليل المالي التقليدي ودراسة السلوك الإنساني، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد بعلم الاقتصاد السلوكي في السنوات الأخيرة.

رجوع لأعلى