الميزانية العالمية بلغت 1.8 كوادريليون دولار خلال 2025
تتزايد المخاوف من اتساع الفجوة بين تضخم الأصول المالية وحجم الاقتصاد الحقيقي، في وقت ينصب فيه الاهتمام على الاختلالات التجارية والمالية العالمية. فالقيمة المتنامية للأسهم والسندات والعقارات أصبحت تنمو بوتيرة تفوق نمو الإنتاج والاستثمار، ما يعيد إلى الأذهان الظروف التي سبقت الأزمة المالية العالمية عام 2008، حين ارتفعت قيم الأصول والديون إلى مستويات لم تكن مدعومة بالنشاط الاقتصادي الحقيقي.
ميزانية قياسية
أظهرت دراسة لمعهد ماكينزي العالمي أن الميزانية العمومية العالمية بلغت نحو 1.8 كوادريليون دولار في عام 2025، بزيادة تقارب 100 تريليون دولار عن العام السابق، مقابل ناتج محلي إجمالي عالمي يبلغ نحو 117 تريليون دولار فقط.
وتضم هذه الميزانية الأصول والالتزامات العامة والخاصة والثروة الصافية، ما يوفر صورة أشمل للاقتصاد العالمي. وتبلغ قيمة الأصول الحقيقية نحو 620 تريليون دولار تشمل العقارات والبنية التحتية والمصانع والمعدات والملكية الفكرية، مقابل أصول مالية تقارب 550 تريليون دولار تضم الأسهم والسندات والقروض والعملات. أما الثروة الصافية العالمية فتبلغ نحو 600 تريليون دولار، وتستحوذ الأسر على الجزء الأكبر منها.
ثروة متسارعة
ارتفعت ثروة الأسر العالمية إلى أكثر من أربعة أضعاف مستواها في عام 2000، لكن معظم هذه الزيادة لم ينتج عن توسع مماثل في الإنتاج، بل جاء نتيجة ارتفاع أسعار الأصول القائمة.
وتظل الولايات المتحدة أكبر مركز للثروة المالية عالمياً بحوالي 175 تريليون دولار، مقابل نحو 75 تريليون دولار للصين. ويعكس ذلك قوة الأسواق المالية الأميركية، رغم استمرار الصين في توسيع قاعدتها الصناعية والاستثمارية.
الأسهم تقود
قادت الأسهم، ولا سيما الأميركية، النمو الأخير في الثروة العالمية، إذ ساهمت الولايات المتحدة بنحو 57% من الزيادة العالمية خلال العام الماضي، مدفوعة بارتفاع تقييمات شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
في المقابل، لم تمثل الأصول الحقيقية سوى 20 % من نمو الثروة، ما يشير إلى أن الجزء الأكبر من الزيادة جاء من إعادة تقييم الأصول المالية وليس من إنشاء أصول إنتاجية جديدة. ويصبح هذا الوضع أكثر خطورة إذا لم تدعمه زيادة فعلية في الأرباح والإنتاجية.
انفصال متزايد
بلغت قيمة الأصول في الولايات المتحدة نحو 3.7 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى يفوق بكثير متوسط العقود الماضية.
وأصبحت ثقة المستهلكين وإنفاقهم يعتمدان بدرجة أكبر على ارتفاع أسعار الأسهم والعقارات، بينما يستفيد أصحاب المحافظ الاستثمارية أكثر من غيرهم، الأمر الذي يزيد فجوة الثـروة بين ملاك الأصول ومن يعتمدون على الأجــور. كما قد تعطي الأسعار المرتفعــة انطبـاعاً مضللاً بقـوة الاقتصــاد، رغم تباطؤ نمو الإنتاجية والاستثمار الحقيقي.
ديون متحولة
شهدت خريطة الديون العالمية تغيراً واضحاً منذ أزمة 2008، إذ انخفضت مديونية الأسر في عدد من الاقتصادات الكبرى، خصوصاً الولايات المتحدة، ما خفف من مخاطر تكرار أزمة الرهن العقاري.
لكن في المقابل، ارتفعت الديون الحكومية بشكل كبير نتيجة تمويل الإنفاق خلال الأزمات، بينما تركزت الزيادة في الصين في ديون الشركات المرتبطة بالعقارات والبنية التحتية. وبالتالي، لم تختف المخاطر، وإنما انتقلت من الأسر إلى الحكومات والشركات.
فجوة الإنتاج
توضح المقارنة بين الولايات المتحدة والصين اختلافاً واضحاً في طبيعة الاستثمار.
فقد رفعت الصين استثماراتها في المصانع والطرق والموانئ وشبكات الطاقة بصورة كبيرة منذ عام 2000، بينما بقيت الاستثمارات الإنتاجية في الولايات المتحدة شبه مستقرة، مع تحول الاقتصاد بصورة أكبر نحو الخدمات والتمويل والأصول غير الملموسة.
ورغم أن بعض الاستثمارات الصينية قد تكون منخفضة الكفاءة، وأن بعض الأصول الرقمية الأميركية يصعب قياسها، فإن الفجوة بين نمو الأصول المالية والاستثمارات الإنتاجية تظل واضحة.
رهان الذكاء
تعتمد الأسواق الأميركية بدرجة كبيرة على قدرة الذكاء الاصطناعي على رفع الإنتاجية والأرباح خلال السنوات المقبلة، بما يبرر التقييمات المرتفعة الحالية.
ويأمل المستثمرون أن تسهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي في خفض التكاليف وزيادة الكفاءة وتسريع الابتكار، لكن هذه التوقعات لم تتحول بعد إلى مكاسب ملموسة على مستوى الاقتصاد الكلي. وإذا جاءت النتائج أقل من التوقعات، فقد تتعرض الأسواق لتصحيح يعيد تقييم الأسهم إلى مستويات أكثر ارتباطاً بالأرباح الفعلية.
فوائد التمويل
لا يعني تضخم القطاع المالي أن التوسع المالي سلبي بطبيعته، فالأسواق المالية تؤدي دوراً مهماً في تمويل الشركات وتوزيع المخاطر وتوجيه المدخرات إلى الاستثمار.
كما تمنح الأسواق الأميركية الحكومة قدرة كبيرة على تمويل عجزها وجذب رؤوس الأموال العالمية. إلا أن المشكلة تظهر عندما يصبح النشاط المالي منفصلاً عن الاقتصاد الحقيقي، ويتركز في المضاربة وإعادة تدوير الأصول بدلاً من تمويل الاستثمارات الإنتاجية.
أزمة الفائدة
يشكل ارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل تحدياً إضافياً مع ارتفاع مستويات الدين الحكومي، إذ تزيد كلفة خدمة الدين وتقل الموارد المتاحة للإنفاق على الخدمات العامة والاستثمار.
ويحذر صندوق النقد الدولي من أن استمرار هذا الاتجاه قد يدفع بعض الدول إلى خفض الإنفاق أو زيادة الضرائب أو إعادة هيكلة ديونها. ويبقى السيناريو الأفضل هو تحقيق طفرة في الإنتاجية تدعم النمو والإيرادات، إلا أن الرهان على الذكاء الاصطناعي لتحقيق ذلك لا يزال محفوفاً بعدم اليقين.
اقتصاد المستفيدين
يثير تضخم القطاع المالي تساؤلات حول طبيعة الاقتصاد، إذ قد تتحول الأرباح المالية إلى مصدر دخل أكثر جاذبية من الاستثمار في الإنتاج.
فعندما تحقق الشركات عوائد أكبر من إعادة شراء الأسهم أو إدارة المحافظ المالية مقارنة ببناء مصانع جديدة، يتراجع الاستثمار طويل الأجل. كما يستفيد ملاك الأصول بصورة أكبر من ارتفاع الأسواق، بينما يبقى أصحاب الدخول المعتمدة على الأجور أقل استفادة، ما يوسع فجوة الثروة داخل المجتمعات.