تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النظام‭ ‬النقدي‭ ‬العالمي‭ ‬بين‭ ‬هيمنة‭ ‬الدولار‭ ‬وصعود‭ ‬الصين

RDX33

شهد‭ ‬النظام‭ ‬النقدي‭ ‬الدولي،‭ ‬منذ‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬وحتى‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬هيمنة‭ ‬واضحة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬التي‭ ‬رسّخت‭ ‬موقعها‭ ‬كقلب‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي‭ ‬آنذاك‭. ‬وخلال‭ ‬الفترة‭ ‬الممتدة‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬1870،‭ ‬استطاعت‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬فائض‭ ‬مستمر‭ ‬في‭ ‬الحساب‭ ‬الجاري،‭ ‬بلغ‭ ‬في‭ ‬ذروته‭ ‬نحو‭ ‬9‭ % ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭. ‬وقد‭ ‬ارتكز‭ ‬هذا‭ ‬التفوق‭ ‬على‭ ‬قوة‭ ‬تجارتها‭ ‬الخارجية‭ ‬وتدفق‭ ‬الذهب‭ ‬إليها،‭ ‬ما‭ ‬مكّنها‭ ‬من‭ ‬تصدير‭ ‬الجنيه‭ ‬الإسترليني‭ ‬المدعوم‭ ‬بالذهب‭ ‬إلى‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬عجزاً،‭ ‬مثل‭ ‬أستراليا‭ ‬وكندا،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬الاستثمارات‭ ‬أو‭ ‬القروض‭. ‬وبهذا‭ ‬الأسلوب،‭ ‬أعادت‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭ ‬توجيه‭ ‬هذه‭ ‬الموارد‭ ‬نحو‭ ‬شراء‭ ‬السلع‭ ‬البريطانية،‭ ‬في‭ ‬حلقة‭ ‬اقتصادية‭ ‬عززت‭ ‬من‭ ‬مركزية‭ ‬العملة‭ ‬البريطانية‭ ‬وجعلت‭ ‬من‭ ‬بريطانيا‭ ‬أكبر‭ ‬دولة‭ ‬دائنة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬خلال‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة‭.‬
ومع‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬دخل‭ ‬النظام‭ ‬النقدي‭ ‬الدولي‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬اتسمت‭ ‬بالاضطراب‭ ‬وعدم‭ ‬الاستقرار،‭ ‬استمرت‭ ‬حتى‭ ‬تأسيس‭ ‬نظام‭ ‬بريتون‭ ‬وودز‭. ‬فقد‭ ‬تسببت‭ ‬الحرب،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تداعيات‭ ‬الكساد‭ ‬العظيم،‭ ‬في‭ ‬إضعاف‭ ‬نظام‭ ‬قاعدة‭ ‬الذهب‭ ‬التقليدي،‭ ‬ودفع‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬تبني‭ ‬سياسات‭ ‬نقدية‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة‭. ‬وفي‭ ‬محاولات‭ ‬متكررة‭ ‬لدعم‭ ‬اقتصاداتها‭ ‬أو‭ ‬تمويل‭ ‬عجزها‭ ‬المالي،‭ ‬لجأت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬خفض‭ ‬قيمة‭ ‬عملاتها‭ ‬أو‭ ‬التخلي‭ ‬المؤقت‭ ‬عن‭ ‬الارتباط‭ ‬بالذهب،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تعود‭ ‬إليه‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬الأزمات‭ ‬أو‭ ‬بدافع‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الثقة‭ ‬النقدية‭.‬

تحول‭ ‬الهيمنة

ورغم‭ ‬هذه‭ ‬التحولات،‭ ‬ظل‭ ‬الذهب‭ ‬يشكل‭ ‬قيداً‭ ‬جوهرياً‭ ‬على‭ ‬السياسات‭ ‬النقدية،‭ ‬حيث‭ ‬تطلب‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬مكانة‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬استمرار‭ ‬تحقيق‭ ‬فائض‭ ‬تجاري‭ ‬يضمن‭ ‬تدفق‭ ‬المعدن‭ ‬النفيس‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬برزت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬خلال‭ ‬أوائل‭ ‬ثلاثينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬كقوة‭ ‬اقتصادية‭ ‬صاعدة،‭ ‬بعدما‭ ‬حافظت‭ ‬على‭ ‬فائض‭ ‬في‭ ‬حسابها‭ ‬الجاري،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تحولت‭ ‬فيه‭ ‬بريطانيا‭ ‬من‭ ‬الفائض‭ ‬إلى‭ ‬العجز‭ ‬في‭ ‬تجارتها‭ ‬الخارجية‭. ‬وقد‭ ‬عكس‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬خللاً‭ ‬هيكلياً‭ ‬في‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬حيث‭ ‬بدأت‭ ‬القيادة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬بالانتقال‭ ‬تدريجياً‭ ‬من‭ ‬بريطانيا‭ ‬إلى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬
ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬مستعدة‭ ‬بعد‭ ‬لتحمل‭ ‬دور‭ ‬القيادة‭ ‬الكاملة‭ ‬للنظام‭ ‬النقدي‭ ‬الدولي،‭ ‬رغم‭ ‬امتلاكها‭ ‬مقومات‭ ‬التفوق‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬التردد‭ ‬لم‭ ‬يدم‭ ‬طويلاً،‭ ‬إذ‭ ‬تغيّر‭ ‬المشهد‭ ‬جذرياً‭ ‬مع‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬عام‭ ‬1945،‭ ‬لتبدأ‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الهيمنة‭ ‬الاقتصاديـة‭ ‬العالميـة‭ ‬بقيـادة‭ ‬أمريكية‭.‬

صعود‭ ‬الدولار‭ ‬وتحول‭ ‬النظام‭ ‬النقدي‭ ‬العالمي

شكّل‭ ‬تأسيس‭ ‬نظام‭ ‬بريتون‭ ‬وودز‭ ‬عام‭ ‬1945‭ ‬نقطة‭ ‬تحوّل‭ ‬حاسمة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬النظام‭ ‬النقدي‭ ‬الدولي،‭ ‬حيث‭ ‬رسّخ‭ ‬هيمنة‭ ‬الدولار‭ ‬الأميركي‭ ‬باعتباره‭ ‬محور‭ ‬النظام‭ ‬الجديد‭. ‬فقد‭ ‬قام‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬على‭ ‬ربط‭ ‬عملات‭ ‬الدول‭ ‬بالدولار،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬جرى‭ ‬تثبيت‭ ‬الدولار‭ ‬بالذهب،‭ ‬ما‭ ‬فرض‭ ‬على‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ضرورة‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬احتياطات‭ ‬ذهبية‭ ‬كافية‭ ‬لتغطية‭ ‬الكتلة‭ ‬النقدية‭ ‬المصدرة،‭ ‬وكما‭ ‬كان‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬قاعدة‭ ‬الذهب‭ ‬التقليدية،‭ ‬تطلب‭ ‬هذا‭ ‬الترتيب‭ ‬تحقيق‭ ‬فائض‭ ‬في‭ ‬الحساب‭ ‬الجاري‭ ‬لضمان‭ ‬تدفق‭ ‬الذهب‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬واجه‭ ‬تناقضاً‭ ‬جوهرياً،‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬إصدار‭ ‬الدولار‭ ‬لتلبية‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي‭ ‬المتزايد‭ ‬عليه،‭ ‬مقابل‭ ‬ضرورة‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬غطاء‭ ‬ذهبي‭ ‬كافٍ،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬عُرف‭ ‬اقتصادياً‭ ‬بـمعضلة‭ ‬تريفين،‭ ‬ومع‭ ‬تصاعد‭ ‬المنافسة‭ ‬من‭ ‬اقتصادات‭ ‬صناعية‭ ‬كبرى‭ ‬مثل‭ ‬اليابان‭ ‬وألمانيا،‭ ‬بات‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬التوازن،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬تفاقم‭ ‬العجز‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأميركية‭ ‬خلال‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭.‬
وفي‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬أدى‭ ‬هذا‭ ‬الخلل‭ ‬البنيوي‭ ‬إلى‭ ‬انهيار‭ ‬نظام‭ ‬بريتون‭ ‬وودز،‭ ‬لتدخل‭ ‬المنظومة‭ ‬النقدية‭ ‬الدولية‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بنظام‭ ‬النقد‭ ‬الائتماني،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تحرر‭ ‬الدولار‭ ‬بالكامل‭ ‬من‭ ‬الارتباط‭ ‬بالذهب،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬تصديره‭ ‬مشروطاً‭ ‬بوجود‭ ‬احتياطي‭ ‬ذهبي،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬الثقة‭ ‬والقدرة‭ ‬الاقتصادية‭.‬
ضمن‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬تبنّت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬نمطاً‭ ‬مختلفاً‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬تدفقاتها‭ ‬المالية،‭ ‬حيث‭ ‬بدأت‭ ‬بتصدير‭ ‬الدولار‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬عبر‭ ‬تسجيل‭ ‬عجز‭ ‬في‭ ‬حسابها‭ ‬الجاري،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬هذا‭ ‬الدولار‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬تدفقات‭ ‬رأسمالية‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬ذات‭ ‬الفوائض‭. ‬ويمكن‭ ‬تشبيه‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬بدورة‭ ‬مالية‭ ‬مستمرة،‭ ‬تشتري‭ ‬فيها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬السلع‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬بالدولار،‭ ‬ثم‭ ‬تستعيده‭ ‬عبر‭ ‬الاستثمارات‭ ‬والتدفقات‭ ‬المالية،‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬فائضاً‭ ‬في‭ ‬حساب‭ ‬رأس‭ ‬المال‭.‬
وقد‭ ‬سمح‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بالحفاظ‭ ‬على‭ ‬عجز‭ ‬مستمر‭ ‬في‭ ‬حسابها‭ ‬الجاري‭ ‬منذ‭ ‬منتصف‭ ‬السبعينيات،‭ ‬لتصبح‭ ‬الحالة‭ ‬الوحيدة‭ ‬تقريباً‭ ‬بين‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬حتى‭ ‬اليوم،‭ ‬مستندة‭ ‬إلى‭ ‬مكانة‭ ‬الدولار‭ ‬كعملة‭ ‬احتياط‭ ‬عالمية‭.‬

استدامة‭ ‬الهيمنة‭ ‬وحدود‭ ‬
الثقة‭ ‬الائتمانية

رغم‭ ‬تحرر‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬قيود‭ ‬الذهب،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬التحدي‭ ‬مرتبطاً‭ ‬بتغطية‭ ‬العملة‭ ‬بمعدن‭ ‬نفيس،‭ ‬بل‭ ‬بالحفاظ‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬بـ‮«‬القاعدة‭ ‬الائتمانية‮»‬‭ ‬لـالدولار‭ ‬الأميركي‭. ‬فمكانة‭ ‬الدولار‭ ‬كعملة‭ ‬عالمية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬الذهب،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬الجدارة‭ ‬الائتمانية‭ ‬للاقتصاد‭ ‬الأميركي،‭ ‬مدعومة‭ ‬بعوامل‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتكنولوجية،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬النفوذ‭ ‬العسكري‭. ‬ومن‭ ‬منظور‭ ‬التدفقات،‭ ‬يتطلب‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الجدارة‭ ‬تحقيق‭ ‬توازن‭ ‬نسبي‭ ‬بين‭ ‬الالتزامات‭ ‬والدخل،‭ ‬بحيث‭ ‬يواكب‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الأميركي‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬متوسط‭ ‬النمو‭ ‬العالمي،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬باستمرار‭ ‬العجز‭ ‬في‭ ‬الحساب‭ ‬الجاري‭ ‬ضمن‭ ‬حدود‭ ‬قابلة‭ ‬للاستدامة‭.‬
وخلال‭ ‬الفترة‭ ‬الممتدة‭ ‬من‭ ‬أواخر‭ ‬ثمانينات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬حتى‭ ‬عام‭ ‬2000،‭ ‬قادت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬موجة‭ ‬الثورة‭ ‬التكنولوجية‭ ‬والمعلوماتية،‭ ‬ما‭ ‬عزز‭ ‬قدرتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وساهم‭ ‬في‭ ‬احتواء‭ ‬مستويات‭ ‬العجز‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الديناميكية‭ ‬بدأت‭ ‬بالتراجع‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬2000،‭ ‬حيث‭ ‬فقد‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬زخمه،‭ ‬وارتفعت‭ ‬نسبة‭ ‬العجز‭ ‬في‭ ‬الحساب‭ ‬الجاري‭ ‬إلى‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي،‭ ‬متجاوزة‭ ‬5‭ % ‬قبيل‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬2008،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تنخفض‭ ‬نسبيًا‭ ‬لكنها‭ ‬بقيت‭ ‬فوق‭ ‬مستوى‭ ‬3‭ % ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬اللاحقة‭. ‬ويُعد‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬زخم‭ ‬التقدم‭ ‬التكنولوجي‭ ‬أحد‭ ‬المفاتيح‭ ‬الأساسية‭ ‬لدعم‭ ‬القاعدة‭ ‬الائتمانية‭ ‬للدولار‭ ‬واستمرار‭ ‬دوره‭ ‬العالمي‭.‬

اختلال‭ ‬الأصول

أما‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬‮«‬المخزون‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬صافي‭ ‬الأصول‭ ‬والخصوم‭ ‬الخارجية،‭ ‬فتتجلى‭ ‬صورة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭. ‬فقد‭ ‬شهد‭ ‬وضع‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الدولية‭ ‬الصافية‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تدهوراً‭ ‬تدريجياً‭ ‬منذ‭ ‬انهيار‭ ‬نظام‭ ‬بريتون‭ ‬وودز،‭ ‬إذ‭ ‬تحولت‭ ‬من‭ ‬وضع‭ ‬إيجابي‭ ‬في‭ ‬ثمانينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬الأصول‭ ‬الخارجية‭ ‬تفوق‭ ‬الخصوم،‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬سلبي‭ ‬في‭ ‬التسعينات‭. ‬ومع‭ ‬بداية‭ ‬الألفية‭ ‬الجديدة،‭ ‬تسارعت‭ ‬وتيرة‭ ‬تزايد‭ ‬الخصوم‭ ‬الخارجية،‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬22‭ % ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬مع‭ ‬اندلاع‭ ‬أزمة‭ ‬2008،‭ ‬ثم‭ ‬تجاوزت‭ ‬27‭ % ‬بحلول‭ ‬عام‭ ‬2013،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬ضغوطاً‭ ‬متنامية‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭.‬
ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬التدهور‭ ‬في‭ ‬الجدارة‭ ‬الائتمانية،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬التدفقات‭ ‬أو‭ ‬الأرصدة،‭ ‬عودة‭ ‬التناقض‭ ‬الكامن‭ ‬الذي‭ ‬يُعرف‭ ‬بـمعضلة‭ ‬تريفين،‭ ‬ولكن‭ ‬بصيغة‭ ‬جديدة‭. ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬كان‭ ‬التناقض‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬قاعدة‭ ‬الذهب‭ ‬يتمثل‭ ‬بين‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬قابلية‭ ‬تحويل‭ ‬العملة‭ ‬إلى‭ ‬ذهب‭ ‬وتلبية‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي‭ ‬عليها،‭ ‬أصبح‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬النظام‭ ‬الائتماني‭ ‬يدور‭ ‬بين‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الثقة‭ ‬الائتمانية‭ ‬للدولار‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والاستمرار‭ ‬في‭ ‬تلبية‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬
وفي‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬هيمنة‭ ‬الدولار،‭ ‬تبدو‭ ‬خيارات‭ ‬معالجة‭ ‬هذا‭ ‬التناقض‭ ‬محدودة‭. ‬فمن‭ ‬ناحية،‭ ‬يتطلب‭ ‬الأمر‭ ‬تسريع‭ ‬وتيرة‭ ‬الابتكار‭ ‬والتقدم‭ ‬التكنولوجي‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬نمو‭ ‬اقتصادي‭ ‬قوي‭ ‬يدعم‭ ‬الثقة‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬الأميركي‭. ‬ومن‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬يستدعي‭ ‬تعزيز‭ ‬معدلات‭ ‬الادخار‭ ‬المحلي‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬خفض‭ ‬صافي‭ ‬الخصوم‭ ‬الخارجية،‭ ‬بما‭ ‬يعيد‭ ‬التوازن‭ ‬إلى‭ ‬الأسس‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬عليها‭ ‬النظام‭ ‬النقدي‭ ‬العالمي‭.‬

رجوع لأعلى