تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هل‭ ‬تخسر‭ ‬أمريكا‭ ‬سباق‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬أمام‭ ‬الصين؟

RDX31

في‭ ‬أواخر‭ ‬العام‭ ‬الماضي،‭ ‬طرح‭ ‬جنسن‭ ‬هوانغ،‭ ‬الرئيس‭ ‬التنفيذي‭ ‬لشركة‭ ‬‮«‬إنفيديا‮»‬،‭ ‬سؤالاً‭ ‬لافتاً‭ ‬خلال‭ ‬نقاش‭ ‬حول‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭: ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتخلف‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬عن‭ ‬الصين؟‭ ‬ثم‭ ‬أجاب‭ ‬بنفسه‭: ‬نعم،‭ ‬هذا‭ ‬احتمال‭ ‬قائم‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬حافظت‭ ‬طوال‭ ‬العقد‭ ‬الماضي‭ ‬على‭ ‬تفوق‭ ‬واضح‭ ‬بفضل‭ ‬شركاتها‭ ‬الرائدة‭ ‬ورؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬الضخمة‭ ‬والرقائق‭ ‬المتقدمة،‭ ‬فإن‭ ‬القلق‭ ‬اليوم‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬تقنياً‭ ‬أو‭ ‬مالياً‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يرتبط‭ ‬بعنصر‭ ‬حاسم‭: ‬المواهب‭ ‬البشرية‭.‬
مع‭ ‬تسارع‭ ‬ثورة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬أصبحت‭ ‬العقول‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬والتطوير‭ ‬العامل‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثيراً‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬من‭ ‬سيقود‭ ‬المستقبل‭. ‬وحتى‭ ‬وقت‭ ‬قريب،‭ ‬كان‭ ‬معظم‭ ‬البحث‭ ‬الرائد‭ ‬يصدر‭ ‬من‭ ‬علماء‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وأوروبا،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة‭ ‬بدأت‭ ‬تتغير‭ ‬بسرعة‭.‬

الذكاء‭ ‬الاصطناعي

في‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬وللمرة‭ ‬الأولى،‭ ‬تجاوز‭ ‬عدد‭ ‬الدراسات‭ ‬التي‭ ‬يقودها‭ ‬باحثون‭ ‬مقيمون‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬نظيراتها‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وأوروبا‭ ‬ضمن‭ ‬مؤتمر‭ ‬‮«‬نيوربس‮»‬‭ (‬NeurIPS‭)‬،‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬وأكبر‭ ‬التجمعات‭ ‬العلمية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭. ‬وبالاستناد‭ ‬إلى‭ ‬تحليل‭ ‬أجرته‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬الإيكونوميست‮»‬‭ ‬لعينة‭ ‬من‭ ‬مئات‭ ‬الأوراق‭ ‬العلمية‭ ‬وآلاف‭ ‬الباحثين،‭ ‬ظهرت‭ ‬مؤشرات‭ ‬واضحة‭ ‬على‭ ‬تحول‭ ‬في‭ ‬خريطة‭ ‬المواهب‭ ‬العالمية‭.‬
أبرز‭ ‬النتائج‭ ‬تمثلت‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تسعًا‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬عشر‭ ‬جامعات‭ ‬تخرّج‭ ‬منها‭ ‬أكبر‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬المشاركين‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬الصين،‭ ‬مع‭ ‬تصدر‭ ‬جامعة‭ ‬تسينغهوا‭ ‬القائمة‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬ساهم‭ ‬معهد‭ ‬ماساتشوستس‭ ‬للتكنولوجيا‭ ‬بنسبة‭ ‬أقل‭ ‬بكثير‭. ‬كما‭ ‬أظهر‭ ‬التحليل‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ ‬35‭ % ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬أمريكية‭ ‬يحملون‭ ‬شهادات‭ ‬جامعية‭ ‬صينية،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬اعتمادًا‭ ‬ملحوظًا‭ ‬على‭ ‬الكفاءات‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬الصين‭.‬

المؤتمرات‭ ‬الأكاديمية

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬ينبغي‭ ‬قراءة‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬بحذر‭ ‬نسبي،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬المؤتمرات‭ ‬الأكاديمية‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬كامل‭ ‬النشاط‭ ‬البحثي،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬جزءاً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬الابتكار‭ ‬الأمريكي‭ ‬يتم‭ ‬داخل‭ ‬شركات‭ ‬خاصة‭ ‬تعمل‭ ‬بسرية،‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬أوبن‭ ‬إيه‭ ‬آي‮»‬‭ ‬و‮«‬غوغل‭ ‬ديب‭ ‬مايند‮»‬‭. ‬لكن‭ ‬مؤشرات‭ ‬أخرى‭ ‬تدعم‭ ‬الاتجاه‭ ‬نفسه،‭ ‬منها‭ ‬وجود‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬الصينيين‭ ‬في‭ ‬فرق‭ ‬تطوير‭ ‬نماذج‭ ‬متقدمة،‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬مختبرات‭ ‬شركات‭ ‬كبرى‭.‬
التحول‭ ‬الأهم‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬الباحثين‭ ‬الصينيين‭ ‬في‭ ‬الخارج،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬الصين‭ ‬المتزايدة‭ ‬على‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بمواهبها‭ ‬داخليًا‭. ‬فبحسب‭ ‬بيانات‭ ‬‮«‬ديجيتال‭ ‬ساينس‮»‬،‭ ‬تمتلك‭ ‬الصين‭ ‬اليوم‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬النشطين‭ ‬في‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬يفوق‭ ‬مجموع‭ ‬نظرائهم‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وأوروبا‭ ‬وبريطانيا‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬المجتمع‭ ‬البحثي‭ ‬الصيني‭ ‬أصغر‭ ‬سناً،‭ ‬إذ‭ ‬يشكل‭ ‬الطلاب‭ ‬نحو‭ ‬47‭ % ‬منه،‭ ‬مقارنة‭ ‬بحوالي‭ ‬30‭ % ‬في‭ ‬الغرب‭.‬
طلاب‭ ‬الجامعات‭ ‬

ويرتبط‭ ‬ذلك‭ ‬جزئياً‭ ‬بتركيز‭ ‬النظام‭ ‬التعليمي‭ ‬الصيني‭ ‬على‭ ‬تخصصات‭ ‬العلوم‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬والهندسة‭ ‬والرياضيات‭ (‬STEM‭)‬،‭ ‬حيث‭ ‬يدرس‭ ‬نحو‭ ‬40‭ % ‬من‭ ‬طلاب‭ ‬الجامعات‭ ‬هذه‭ ‬المجالات،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬ضعف‭ ‬النسبة‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬ليس‭ ‬كل‭ ‬هؤلاء‭ ‬سيقودون‭ ‬ابتكارات‭ ‬كبرى،‭ ‬فإن‭ ‬الحجم‭ ‬الكبير‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭ ‬يمنح‭ ‬الصين‭ ‬أفضلية،‭ ‬إذ‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬الاكتشافات‭ ‬ويسرّع‭ ‬انتشار‭ ‬التقنيات‭.‬
في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬تزداد‭ ‬قدرة‭ ‬الصين‭ ‬على‭ ‬استقطاب‭ ‬وإبقاء‭ ‬مواهبها‭. ‬فقد‭ ‬ارتفعت‭ ‬نسبة‭ ‬الباحثين‭ ‬الذين‭ ‬بقوا‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬بعد‭ ‬التخرج‭ ‬من‭ ‬نحـو‭ ‬الثلث‭ ‬فـي‭ ‬2019‭ ‬إلـى‭ ‬68‭ %‬‭ ‬في‭ ‬2025‭. ‬كما‭ ‬ارتفعت‭ ‬نسبة‭ ‬العائدين‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬تحسن‭ ‬البيئة‭ ‬البحثية‭ ‬المحلية‭ ‬وتزايد‭ ‬الحوافز‭ ‬الحكومية،‭ ‬مثل‭ ‬الرواتب‭ ‬المرتفعة‭ ‬والمنح‭ ‬السخية‭ ‬وبرامج‭ ‬استعادة‭ ‬الكفاءات‭.‬

الباحثون‭ ‬الأجانب

في‭ ‬المقابل،‭ ‬تراجعت‭ ‬جاذبية‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬الباحثين‭ ‬الأجانب‭ ‬نتيجة‭ ‬قيود‭ ‬التأشيرات،‭ ‬وتخفيضات‭ ‬التمويل،‭ ‬والمخاوف‭ ‬السياسية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالعلاقات‭ ‬مع‭ ‬الصين،‭ ‬وقد‭ ‬أدى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬بيئة‭ ‬أقل‭ ‬ترحيباً‭ ‬مقارنة‭ ‬بالماضي،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬بعض‭ ‬الباحثين‭ ‬إلى‭ ‬العودة‭ ‬لبلادهم‭ ‬أو‭ ‬اختيار‭ ‬عدم‭ ‬المغامرة‭ ‬بالهجرة‭ ‬أساسًا‭.‬
ورغم‭ ‬هذه‭ ‬التحولات،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تحتفظ‭ ‬بمزايا‭ ‬مهمة،‭ ‬أبرزها‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬جذب‭ ‬المواهب‭ ‬العالمية،‭ ‬واحتضانها‭ ‬لمراكز‭ ‬بحثية‭ ‬وشركات‭ ‬رائدة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬الصينيين‭ ‬الذين‭ ‬يدرسون‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬يختارون‭ ‬البقاء‭ ‬والعمل‭ ‬هناك‭.‬

ميزان‭ ‬المواهب

لكن‭ ‬الاتجاه‭ ‬العام‭ ‬يبدو‭ ‬واضحاً‭: ‬ميزان‭ ‬المواهب‭ ‬بدأ‭ ‬يميل‭ ‬تدريجياً‭ ‬نحو‭ ‬الصين‭. ‬وتشير‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ ‬37‭ % ‬من‭ ‬أفضل‭ ‬الباحثين‭ ‬يعملون‭ ‬حاليًا‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬صينية،‭ ‬مقابل‭ ‬32‭ % ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬وإذا‭ ‬استمر‭ ‬هذا‭ ‬المسار،‭ ‬فقد‭ ‬يتفوق‭ ‬عدد‭ ‬الباحثين‭ ‬المتميزين‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬على‭ ‬نظرائهم‭ ‬الأمريكيين‭ ‬بفارق‭ ‬كبير‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬القليلة‭ ‬المقبلة‭.‬
في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يلخص‭ ‬هوانغ‭ ‬معادلة‭ ‬السباق‭ ‬بعبارة‭ ‬بسيطة‭: ‬‮«‬الفوز‭ ‬بالمطورين‭ ‬هو‭ ‬كل‭ ‬شيء‮»‬‭. ‬وبناءً‭ ‬على‭ ‬المؤشرات‭ ‬الحالية،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬معركة‭ ‬المواهب‭ ‬وهي‭ ‬جوهر‭ ‬التفوق‭ ‬في‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬تتحول‭ ‬تدريجياً‭ ‬لصالح‭ ‬الصين،‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يعيد‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬القوة‭ ‬التكنولوجية‭ ‬عالمياً‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة‭.‬

رجوع لأعلى