هل تخسر أمريكا سباق الذكاء الاصطناعي أمام الصين؟
في أواخر العام الماضي، طرح جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، سؤالاً لافتاً خلال نقاش حول الذكاء الاصطناعي: هل يمكن أن تتخلف الولايات المتحدة عن الصين؟ ثم أجاب بنفسه: نعم، هذا احتمال قائم. ورغم أن الولايات المتحدة حافظت طوال العقد الماضي على تفوق واضح بفضل شركاتها الرائدة ورؤوس الأموال الضخمة والرقائق المتقدمة، فإن القلق اليوم لم يعد تقنياً أو مالياً فقط، بل يرتبط بعنصر حاسم: المواهب البشرية.
مع تسارع ثورة الذكاء الاصطناعي، أصبحت العقول القادرة على البحث والتطوير العامل الأكثر تأثيراً في تحديد من سيقود المستقبل. وحتى وقت قريب، كان معظم البحث الرائد يصدر من علماء في الولايات المتحدة وأوروبا، لكن هذه المعادلة بدأت تتغير بسرعة.
الذكاء الاصطناعي
في عام 2025، وللمرة الأولى، تجاوز عدد الدراسات التي يقودها باحثون مقيمون في الصين نظيراتها في الولايات المتحدة وأوروبا ضمن مؤتمر «نيوربس» (NeurIPS)، أحد أهم وأكبر التجمعات العلمية في مجال الذكاء الاصطناعي. وبالاستناد إلى تحليل أجرته مجلة «الإيكونوميست» لعينة من مئات الأوراق العلمية وآلاف الباحثين، ظهرت مؤشرات واضحة على تحول في خريطة المواهب العالمية.
أبرز النتائج تمثلت في أن تسعًا من أصل عشر جامعات تخرّج منها أكبر عدد من الباحثين المشاركين تقع في الصين، مع تصدر جامعة تسينغهوا القائمة. في المقابل، ساهم معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بنسبة أقل بكثير. كما أظهر التحليل أن نحو 35 % من الباحثين العاملين في مؤسسات أمريكية يحملون شهادات جامعية صينية، ما يعكس اعتمادًا ملحوظًا على الكفاءات القادمة من الصين.
المؤتمرات الأكاديمية
ومع ذلك، ينبغي قراءة هذه الأرقام بحذر نسبي، إذ إن المؤتمرات الأكاديمية قد لا تعكس كامل النشاط البحثي، خاصة أن جزءاً كبيراً من الابتكار الأمريكي يتم داخل شركات خاصة تعمل بسرية، مثل «أوبن إيه آي» و«غوغل ديب مايند». لكن مؤشرات أخرى تدعم الاتجاه نفسه، منها وجود نسبة كبيرة من الباحثين الصينيين في فرق تطوير نماذج متقدمة، وحتى في مختبرات شركات كبرى.
التحول الأهم لا يكمن فقط في عدد الباحثين الصينيين في الخارج، بل في قدرة الصين المتزايدة على الاحتفاظ بمواهبها داخليًا. فبحسب بيانات «ديجيتال ساينس»، تمتلك الصين اليوم عدداً من الباحثين النشطين في الذكاء الاصطناعي يفوق مجموع نظرائهم في الولايات المتحدة وأوروبا وبريطانيا. كما أن المجتمع البحثي الصيني أصغر سناً، إذ يشكل الطلاب نحو 47 % منه، مقارنة بحوالي 30 % في الغرب.
طلاب الجامعات
ويرتبط ذلك جزئياً بتركيز النظام التعليمي الصيني على تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM)، حيث يدرس نحو 40 % من طلاب الجامعات هذه المجالات، أي ما يقارب ضعف النسبة في الولايات المتحدة. ورغم أن ليس كل هؤلاء سيقودون ابتكارات كبرى، فإن الحجم الكبير بحد ذاته يمنح الصين أفضلية، إذ يزيد من فرص الاكتشافات ويسرّع انتشار التقنيات.
في الوقت ذاته، تزداد قدرة الصين على استقطاب وإبقاء مواهبها. فقد ارتفعت نسبة الباحثين الذين بقوا في البلاد بعد التخرج من نحـو الثلث فـي 2019 إلـى 68 % في 2025. كما ارتفعت نسبة العائدين من الخارج بشكل ملحوظ، ما يعكس تحسن البيئة البحثية المحلية وتزايد الحوافز الحكومية، مثل الرواتب المرتفعة والمنح السخية وبرامج استعادة الكفاءات.
الباحثون الأجانب
في المقابل، تراجعت جاذبية الولايات المتحدة لدى بعض الباحثين الأجانب نتيجة قيود التأشيرات، وتخفيضات التمويل، والمخاوف السياسية المرتبطة بالعلاقات مع الصين، وقد أدى ذلك إلى خلق بيئة أقل ترحيباً مقارنة بالماضي، ما دفع بعض الباحثين إلى العودة لبلادهم أو اختيار عدم المغامرة بالهجرة أساسًا.
ورغم هذه التحولات، لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بمزايا مهمة، أبرزها قدرتها على جذب المواهب العالمية، واحتضانها لمراكز بحثية وشركات رائدة. كما أن نسبة كبيرة من الباحثين الصينيين الذين يدرسون في أمريكا يختارون البقاء والعمل هناك.
ميزان المواهب
لكن الاتجاه العام يبدو واضحاً: ميزان المواهب بدأ يميل تدريجياً نحو الصين. وتشير التقديرات إلى أن نحو 37 % من أفضل الباحثين يعملون حاليًا في مؤسسات صينية، مقابل 32 % في الولايات المتحدة. وإذا استمر هذا المسار، فقد يتفوق عدد الباحثين المتميزين في الصين على نظرائهم الأمريكيين بفارق كبير خلال السنوات القليلة المقبلة.
في هذا السياق، يلخص هوانغ معادلة السباق بعبارة بسيطة: «الفوز بالمطورين هو كل شيء». وبناءً على المؤشرات الحالية، يبدو أن معركة المواهب وهي جوهر التفوق في الذكاء الاصطناعي تتحول تدريجياً لصالح الصين، ما قد يعيد رسم خريطة القوة التكنولوجية عالمياً في السنوات المقبلة.