تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النفط‭ ‬يترنح‭ ‬بين‭ ‬السلام‭ ‬والمخاطر‭.. ‬الأسواق‭ ‬تعيد‭ ‬تسعير‭ ‬الخليج‭ ‬بعد‭ ‬الانفراجة‭ ‬

النفط‭ ‬يترنح‭ ‬بين‭ ‬السلام‭ ‬والمخاطر‭.. ‬الأسواق‭ ‬تعيد‭ ‬تسعير‭ ‬الخليج‭ ‬بعد‭ ‬الانفراجة‭ ‬

شهدت‭ ‬أسواق‭ ‬النفط‭ ‬العالمية‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬موجات‭ ‬التراجع‭ ‬اليومية‭ ‬خلال‭ ‬الأسابيع‭ ‬الأخيرة،‭ ‬بعدما‭ ‬انخفضت‭ ‬الأسعار‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬5‭% ‬مع‭ ‬تصاعد‭ ‬الآمال‭ ‬بإمكانية‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬سلام‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإيران،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أعاد‭ ‬رسم‭ ‬توقعات‭ ‬المستثمرين‭ ‬تجاه‭ ‬مستقبل‭ ‬الإمدادات‭ ‬النفطية‭ ‬وحركة‭ ‬الشحن‭ ‬عبر‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬الممرات‭ ‬الحيوية‭ ‬لتجارة‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬
وجاء‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬الحاد‭ ‬بعدما‭ ‬بدأت‭ ‬الأسواق‭ ‬تستوعب‭ ‬احتمال‭ ‬انحسار‭ ‬المخاطر‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬التي‭ ‬دفعت‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬الارتفاع‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الماضية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬مع‭ ‬صدور‭ ‬مؤشرات‭ ‬سياسية‭ ‬توحي‭ ‬بوجود‭ ‬تقدم‭ ‬فعلي‭ ‬في‭ ‬الاتصالات‭ ‬الأميركية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬رغم‭ ‬استمرار‭ ‬الخلافات‭ ‬المعقدة‭ ‬بشأن‭ ‬ملفات‭ ‬حساسة‭ ‬تتعلق‭ ‬بأمن‭ ‬الملاحة‭ ‬والطاقة‭ ‬والنفوذ‭ ‬الإقليمي‭.‬
وتراجع‭ ‬خام‭ ‬برنت‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬خمسة‭ ‬دولارات‭ ‬ليستقر‭ ‬قرب‭ ‬مستوى‭ ‬98‭ ‬دولاراً‭ ‬للبرميل،‭ ‬بينما‭ ‬انخفض‭ ‬خام‭ ‬غرب‭ ‬تكساس‭ ‬الوسيط‭ ‬الأميركي‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬دون‭ ‬92‭ ‬دولاراً،‭ ‬في‭ ‬تحرك‭ ‬عكس‭ ‬حالة‭ ‬القلق‭ ‬الحاد‭ ‬التي‭ ‬سيطرت‭ ‬على‭ ‬الأسواق‭ ‬خلال‭ ‬الأسابيع‭ ‬الماضية‭ ‬عندما‭ ‬تصاعدت‭ ‬التوترات‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬وارتفعت‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬اضطراب‭ ‬الإمدادات‭ ‬العالمية‭.‬
ويشير‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الأسواق‭ ‬بدأت‭ ‬تتخلص‭ ‬تدريجياً‭ ‬مما‭ ‬يعرف‭ ‬بـ‮«‬علاوة‭ ‬المخاطر‭ ‬الجيوسياسية‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬الزيادة‭ ‬السعرية‭ ‬التي‭ ‬يضيفها‭ ‬المستثمرون‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬عندما‭ ‬ترتفع‭ ‬احتمالات‭ ‬الحرب‭ ‬أو‭ ‬تعطل‭ ‬الإمدادات‭ ‬أو‭ ‬إغلاق‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬الاستراتيجية‭.‬

رهان‭ ‬على‭ ‬التهدئة

أعاد‭ ‬التصريح‭ ‬الذي‭ ‬أدلى‭ ‬به‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬بشأن‭ ‬تحقيق‭ ‬‮«‬قدر‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬التفاوض‮»‬‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬التفاؤل‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية،‭ ‬خاصة‭ ‬بعدما‭ ‬ربط‭ ‬التصريحات‭ ‬بإمكانية‭ ‬إعادة‭ ‬فتح‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬بشكل‭ ‬طبيعي‭ ‬وعودة‭ ‬تدفقات‭ ‬الطاقة‭ ‬إلى‭ ‬مستوياتها‭ ‬المعتادة‭.‬
وتنظر‭ ‬الأسواق‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬انفراجة‭ ‬في‭ ‬الملف‭ ‬الإيراني‭ ‬باعتبارها‭ ‬عاملاً‭ ‬مؤثراً‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬توازن‭ ‬العرض‭ ‬والطلب‭ ‬العالمي،‭ ‬لأن‭ ‬المضيق‭ ‬يمثل‭ ‬شرياناً‭ ‬رئيسياً‭ ‬لنقل‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬من‭ ‬الخليج‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬الآسيوية‭ ‬والأوروبية،‭ ‬حيث‭ ‬تمر‭ ‬عبره‭ ‬نحو‭ ‬خُمس‭ ‬تجارة‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية‭ ‬يومياً‭.‬
ويرى‭ ‬متعاملون‭ ‬أن‭ ‬مجرد‭ ‬تراجع‭ ‬احتمالات‭ ‬التصعيد‭ ‬العسكري‭ ‬يكفي‭ ‬لدفع‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬الانخفاض،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬توقيع‭ ‬اتفاق‭ ‬نهائي‭ ‬بعد،‭ ‬لأن‭ ‬الأسواق‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬تستبق‭ ‬التطورات‭ ‬السياسية‭ ‬بإعادة‭ ‬تسعير‭ ‬الأصول‭ ‬بسرعة‭ ‬كبيرة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الطاقة‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬المستثمرين‭ ‬يتابعون‭ ‬عن‭ ‬كثب‭ ‬أي‭ ‬مؤشرات‭ ‬تتعلق‭ ‬باستئناف‭ ‬الملاحة‭ ‬بشكل‭ ‬طبيعي‭ ‬أمام‭ ‬ناقلات‭ ‬النفط‭ ‬والغاز،‭ ‬بعدما‭ ‬تعرضت‭ ‬حركة‭ ‬الشحن‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الماضية‭ ‬إلى‭ ‬اضطرابات‭ ‬كبيرة‭ ‬انعكست‭ ‬على‭ ‬تكاليف‭ ‬النقل‭ ‬والتأمين‭ ‬والشحن‭ ‬البحري‭.‬

مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الأزمة

عاد‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬مجدداً‭ ‬ليصبح‭ ‬المحور‭ ‬الأساسي‭ ‬في‭ ‬تسعير‭ ‬النفط‭ ‬عالمياً،‭ ‬بعدما‭ ‬تحول‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬الماضية‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬أخطر‭ ‬بؤر‭ ‬التوتر‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬تعطل‭ ‬الإمدادات‭ ‬أو‭ ‬تعرض‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬النفطية‭ ‬لهجمات‭ ‬أو‭ ‬أضرار‭ ‬مباشرة‭.‬
ويُعد‭ ‬المضيق‭ ‬نقطة‭ ‬عبور‭ ‬استراتيجية‭ ‬لصادرات‭ ‬النفط‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬السعودية‭ ‬والكويت‭ ‬والعراق‭ ‬والإمارات‭ ‬وقطر،‭ ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬تهديد‭ ‬لحركة‭ ‬الملاحة‭ ‬فيه‭ ‬ينعكس‭ ‬فوراً‭ ‬على‭ ‬الأسعار‭ ‬العالمية‭.‬
وخلال‭ ‬الفترة‭ ‬الماضية،‭ ‬ارتفعت‭ ‬تكلفة‭ ‬التأمين‭ ‬على‭ ‬الناقلات‭ ‬البحرية‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ،‭ ‬كما‭ ‬اضطرت‭ ‬بعض‭ ‬الشركات‭ ‬إلى‭ ‬تعديل‭ ‬مسارات‭ ‬الشحن‭ ‬أو‭ ‬تقليص‭ ‬عدد‭ ‬الرحلات،‭ ‬ما‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬ورفع‭ ‬المخاوف‭ ‬بشأن‭ ‬نقص‭ ‬الإمدادات‭.‬
لكن‭ ‬عودة‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬اتفاق‭ ‬محتمل‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وطهران‭ ‬خففت‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬المخاوف،‭ ‬ودعمت‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بأن‭ ‬المنطقة‭ ‬قد‭ ‬تتجه‭ ‬نحو‭ ‬مرحلة‭ ‬أقل‭ ‬توتراً،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬المستثمرين‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬مراكزهم‭ ‬الشرائية‭ ‬في‭ ‬النفط‭.‬
ورغم‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬الأسواق‭ ‬تتعامل‭ ‬بحذر‭ ‬شديد،‭ ‬إذ‭ ‬يدرك‭ ‬المتعاملون‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬انهيار‭ ‬مفاجئ‭ ‬للمفاوضات‭ ‬قد‭ ‬يعيد‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬الارتفاع‭ ‬سريعاً،‭ ‬خصوصاً‭ ‬أن‭ ‬الملفات‭ ‬الخلافية‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬معقدة‭ ‬وتشمل‭ ‬قضايا‭ ‬أمنية‭ ‬وعسكرية‭ ‬وسياسية‭ ‬متعددة‭.‬

شهور‭ ‬لإعادة‭ ‬التدفقات

يتوقع‭ ‬محللون‭ ‬أن‭ ‬تستغرق‭ ‬عودة‭ ‬تدفقات‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬عبر‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬إلى‭ ‬مستوياتها‭ ‬الطبيعية‭ ‬عدة‭ ‬شهور،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬شامل‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وطهران،‭ ‬وذلك‭ ‬بسبب‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إصلاح‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬المتضررة‭ ‬وإعادة‭ ‬تنظيم‭ ‬عمليات‭ ‬النقل‭ ‬والشحن‭ ‬والتأمين‭.‬
وتواجه‭ ‬شركات‭ ‬الطاقة‭ ‬تحديات‭ ‬كبيرة‭ ‬تتعلق‭ ‬بإعادة‭ ‬تشغيل‭ ‬المنشآت‭ ‬النفطية‭ ‬بكفاءة‭ ‬كاملة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬أمن‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬داخل‭ ‬الخليج‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬شركات‭ ‬الشحن‭ ‬العالمية‭ ‬وشركات‭ ‬التأمين‭ ‬ستحتاج‭ ‬إلى‭ ‬وقت‭ ‬لإعادة‭ ‬تقييم‭ ‬المخاطر‭ ‬وخفض‭ ‬الرسوم‭ ‬التي‭ ‬ارتفعت‭ ‬بصورة‭ ‬كبيرة‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬التوترات‭.‬
ويرى‭ ‬مختصون‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬قد‭ ‬تمر‭ ‬بمرحلة‭ ‬انتقالية‭ ‬تتسم‭ ‬بتذبذب‭ ‬الإمدادات،‭ ‬إذ‭ ‬من‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬تعود‭ ‬بعض‭ ‬الشحنات‭ ‬بشكل‭ ‬تدريجي‭ ‬وليس‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬تأثير‭ ‬الاتفاق‭ ‬السياسي‭ ‬على‭ ‬الأسعار‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬محدوداً‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬القصير‭ ‬مقارنة‭ ‬بالتوقعات‭ ‬المتفائلة‭ ‬الحالية‭.‬

استجابة‭ ‬أميركية‭ ‬سريعة

في‭ ‬المقابل،‭ ‬دفعت‭ ‬الأسعار‭ ‬المرتفعة‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬السوق‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الماضية‭ ‬شركات‭ ‬الطاقة‭ ‬الأميركية‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬نشاط‭ ‬الحفر‭ ‬والتنقيب،‭ ‬حيث‭ ‬ارتفع‭ ‬عدد‭ ‬منصات‭ ‬الحفر‭ ‬النفطية‭ ‬والغازية‭ ‬للأسبوع‭ ‬الخامس‭ ‬على‭ ‬التوالي،‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬موجة‭ ‬توسع‭ ‬مستمرة‭ ‬منذ‭ ‬أوائل‭ ‬عام‭ ‬2025‭.‬
ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬محاولة‭ ‬الشركات‭ ‬الأميركية‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬مستويات‭ ‬الأسعار‭ ‬المرتفعة‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬التراجع‭ ‬الأخير،‭ ‬عبر‭ ‬زيادة‭ ‬الإنتاج‭ ‬المحلي‭ ‬وتعويض‭ ‬أي‭ ‬نقص‭ ‬محتمل‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬المنتجين‭ ‬الأميركيين‭ ‬ينظرون‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬اضطرابات‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬باعتبارها‭ ‬فرصة‭ ‬لتعزيز‭ ‬حصتهم‭ ‬السوقية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الآسيوية‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬بصورة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬واردات‭ ‬النفط‭ ‬من‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.‬
ويعتقد‭ ‬محللون‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬زيادة‭ ‬الإنتاج‭ ‬الأميركي‭ ‬قد‭ ‬يضيف‭ ‬ضغوطاً‭ ‬إضافية‭ ‬على‭ ‬الأسعار‭ ‬خلال‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬العام،‭ ‬إذا‭ ‬تزامن‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬تحسن‭ ‬الإمدادات‭ ‬الخليجية‭ ‬وهدوء‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية‭.‬

آسيا‭ ‬تراقب‭ ‬المشهد

تتابع‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الآسيوية،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬الصين‭ ‬والهند‭ ‬واليابان‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية،‭ ‬تطورات‭ ‬الملف‭ ‬الإيراني‭ ‬الأميركي‭ ‬بحذر‭ ‬شديد،‭ ‬نظراً‭ ‬لاعتمادها‭ ‬الكبير‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬الخليج‭ ‬عبر‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭.‬
وتُعد‭ ‬آسيا‭ ‬المتضرر‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬اضطراب‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬الملاحة‭ ‬داخل‭ ‬المضيق،‭ ‬لأن‭ ‬معظم‭ ‬وارداتها‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭ ‬تمر‭ ‬عبر‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬البحري‭ ‬الحيوي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬استقرار‭ ‬المنطقة‭ ‬أولوية‭ ‬استراتيجية‭ ‬بالنسبة‭ ‬لكبرى‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الصناعية‭.‬
وخلال‭ ‬فترة‭ ‬التوترات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬واجهت‭ ‬شركات‭ ‬التكرير‭ ‬الآسيوية‭ ‬ارتفاعاً‭ ‬في‭ ‬تكاليف‭ ‬الشحن‭ ‬والتأمين،‭ ‬كما‭ ‬زادت‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬حدوث‭ ‬تأخيرات‭ ‬في‭ ‬وصول‭ ‬الإمدادات،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬انعكس‭ ‬على‭ ‬خطط‭ ‬الشراء‭ ‬والإنتاج‭.‬
لكن‭ ‬التراجع‭ ‬الأخير‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬منح‭ ‬الأسواق‭ ‬الآسيوية‭ ‬قدراً‭ ‬من‭ ‬الارتياح،‭ ‬خصوصاً‭ ‬مع‭ ‬انخفاض‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالطاقة،‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬تشكل‭ ‬تحدياً‭ ‬كبيراً‭ ‬للبنوك‭ ‬المركزية‭ ‬والحكومات‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

انعكاسات‭ ‬اقتصادية‭ ‬أوسع

لا‭ ‬يقتصر‭ ‬تأثير‭ ‬تراجع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬على‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬بأكمله،‭ ‬إذ‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬انخفاض‭ ‬الأسعار‭ ‬باعتباره‭ ‬عاملاً‭ ‬إيجابياً‭ ‬للدول‭ ‬المستوردة‭ ‬للطاقة،‭ ‬لأنه‭ ‬يخفف‭ ‬تكاليف‭ ‬النقل‭ ‬والإنتاج‭ ‬ويقلل‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬قد‭ ‬تواجه‭ ‬الدول‭ ‬المصدرة‭ ‬للنفط‭ ‬تحديات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بتراجع‭ ‬الإيرادات‭ ‬إذا‭ ‬استمرت‭ ‬الأسعار‭ ‬في‭ ‬الانخفاض‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬ميزانياتها‭ ‬بشكل‭ ‬رئيسي‭ ‬على‭ ‬العائدات‭ ‬النفطية‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬تراجع‭ ‬الأسعار‭ ‬قد‭ ‬يؤثر‭ ‬على‭ ‬خطط‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الطاقة،‭ ‬خاصة‭ ‬المشاريع‭ ‬ذات‭ ‬التكلفة‭ ‬المرتفعة‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أسعار‭ ‬مرتفعة‭ ‬لتحقيق‭ ‬جدواها‭ ‬الاقتصادية‭.‬
ويرى‭ ‬خبراء‭ ‬أن‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭ ‬ستعتمد‭ ‬بصورة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬المسار‭ ‬السياسي‭ ‬للمفاوضات‭ ‬الأميركية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬قدرة‭ ‬الأسواق‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬أي‭ ‬تغيرات‭ ‬في‭ ‬مستويات‭ ‬الإنتاج‭ ‬والإمدادات‭ ‬العالمية‭.‬

سوق‭ ‬شديدة‭ ‬الحساسية

تكشف‭ ‬التحركات‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬مدى‭ ‬الحساسية‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬تتمتع‭ ‬بها‭ ‬الأسواق‭ ‬تجاه‭ ‬الأخبار‭ ‬السياسية‭ ‬والتطورات‭ ‬الجيوسياسية،‭ ‬إذ‭ ‬باتت‭ ‬التصريحات‭ ‬والمفاوضات‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تحريك‭ ‬الأسعار‭ ‬بعشرات‭ ‬الدولارات‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬زمنية‭ ‬قصيرة‭.‬
ويؤكد‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬سوق‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تواجه‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬المرتفع،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تداخل‭ ‬العوامل‭ ‬السياسية‭ ‬والعسكرية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬استمرار‭ ‬التنافس‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬على‭ ‬النفوذ‭ ‬والطاقة‭ ‬والممرات‭ ‬البحرية‭.‬
وفي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تعكس‭ ‬فيه‭ ‬موجة‭ ‬الهبوط‭ ‬الحالية‭ ‬تفاؤلاً‭ ‬بإمكانية‭ ‬التهدئة،‭ ‬فإن‭ ‬الأسواق‭ ‬تدرك‭ ‬أيضاً‭ ‬أن‭ ‬الطريق‭ ‬نحو‭ ‬اتفاق‭ ‬مستدام‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬مليئاً‭ ‬بالتحديات،‭ ‬وأن‭ ‬أي‭ ‬انتكاسة‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬أمنية‭ ‬قد‭ ‬تعيد‭ ‬المخاوف‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬سريعاً‭.‬
ولهذا،‭ ‬يتوقع‭ ‬مراقبون‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬خلال‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭ ‬رهينة‭ ‬الأخبار‭ ‬السياسية‭ ‬والتطورات‭ ‬الميدانية،‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬التقلبات‭ ‬الحادة‭ ‬إلى‭ ‬حين‭ ‬اتضاح‭ ‬الصورة‭ ‬النهائية‭ ‬لمسار‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وطهران‭ ‬ومستقبل‭ ‬أمن‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬الخليج‭.‬

رجوع لأعلى