النفط فوق 100 دولار.. هرمز يعيد رسم خريطة الطاقة العالمية
قفزت أسعار النفط العالمية بقوة مع انطلاق تعاملات الأسبوع، بعدما رفضت الولايات المتحدة الرد الإيراني الأخير على مقترح إنهاء الحرب في الشرق الأوسط، في تطور أعاد المخاوف بقوة إلى أسواق الطاقة وأشعل رهانات المستثمرين على استمرار أزمة الإمدادات عبر مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة العالمية. وجاءت هذه التطورات في وقت تواجه فيه الأسواق بالفعل ضغوطًا غير مسبوقة نتيجة اضطراب الملاحة البحرية وتراجع تدفقات النفط والغاز من الخليج، الأمر الذي دفع الأسعار إلى أعلى مستوياتها منذ بداية الحرب.
وصعد خام برنت بنسبة 4.2 % ليصل إلى 105.50 دولارات للبرميل، بينما تجاوز خام غرب تكساس الأمريكي مستوى 99 دولاراً، في انعكاس مباشر لحالة القلق التي تسيطر على الأسواق العالمية من احتمال اتساع الصراع أو استمرار تعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز لفترة أطول مما كان متوقعًا. وجاءت هذه القفزة بعد تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترمب وصف فيها الرد الإيراني بأنه «غير مقبول إطلاقًا»، ما بدد موجة تفاؤل محدودة كانت قد ظهرت مؤخراً بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق يخفف التوترات في المنطقة.
وتشير التحركات السعرية الحالية إلى أن الأسواق لم تعد تتعامل مع الأزمة باعتبارها حدثًا جيوسياسياً مؤقتاً، بل بدأت تسعّر احتمال استمرار اضطرابات الإمدادات لفترة طويلة، خاصة مع تزايد المؤشرات على هشاشة وقف إطلاق النار واستمرار الهجمات المتفرقة على الملاحة والسفن التجارية في الخليج العربي والبحر المحيط به.
اضطراب هرمز يعيد شبح صدمات النفط
يمثل مضيق هرمز نقطة العبور الأهم للنفط عالمياً، إذ تمر عبره يوميًا كميات ضخمة من الخام والغاز الطبيعي المسال المتجهة إلى آسيا وأوروبا والأسواق العالمية. ومنذ اندلاع الحرب، تحولت المخاوف المتعلقة بالمضيق من مجرد سيناريو جيوسياسي محتمل إلى أزمة فعلية أثرت بصورة مباشرة على تدفقات الطاقة العالمية.
وأدى الإغلاق شبه الكامل للمضيق إلى خنق جزء كبير من صادرات النفط والغاز من الخليج، الأمر الذي دفع وكالة الطاقة الدولية إلى وصف الأزمة بأنها أكبر صدمة إمدادات في تاريخ أسواق الطاقة الحديثة. كما انعكست هذه التطورات بصورة مباشرة على اقتصادات الدول المستوردة الكبرى، وفي مقدمتها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، التي تعتمد بشكل أساسي على نفط الخليج.
وتسببت الأزمة في هبوط واردات الصين النفطية إلى أدنى مستوياتها منذ أربع سنوات، مع تعثر حركة الناقلات وارتفاع تكاليف التأمين والشحن بصورة غير مسبوقة. كما واجهت الأسواق الآسيوية اضطرابات متزايدة في عقود الغاز الطبيعي المسال، خصوصاً مع تراجع قدرة قطر على تصدير شحناتها بصورة طبيعية خلال الأسابيع الماضية.
رهانات الأسواق تتحول نحو سيناريو التصعيد
وتزداد حساسية الأسواق في الوقت الراهن لأن الأسعار تتحرك وسط بيئة عالمية تعاني أصلاً من ضغوط تضخمية مرتفعة، ما يعني أن أي ارتفاع إضافي في أسعار الطاقة قد يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما يهدد بإبطاء النمو الاقتصادي العالمي بصورة أعمق.
كما أن ارتفاع النفط فوق 100 دولار مجددًا يعيد إلى الواجهة المخاوف من موجة تضخم عالمية جديدة، خصوصاً في الاقتصادات الناشئة التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة والسلع الأساسية.
وأعادت هذه التطورات إلى الأذهان مشاهد الاضطرابات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، حين تسببت الهجمات على السفن وخطوط الملاحة في ارتفاعات حادة بأسعار النفط والشحن البحري والتأمين.
ويخشى المتعاملون في الأسواق من أن استمرار هذه الهجمات قد يدفع المزيد من شركات الشحن العالمية إلى تقليص رحلاتها عبر الخليج، أو فرض رسوم تأمين إضافية مرتفعة، وهو ما سيؤدي بدوره إلى زيادة تكلفة نقل الطاقة والسلع عالميًا.
«أرامكو» تحذر من اضطراب طويل
في خضم هذه التطورات، أطلق الرئيس التنفيذي لشركة «أرامكو السعودية» أمين الناصر تحذيراً لافتاً، مؤكداً أن أسواق الطاقة قد لا تعود إلى طبيعتها قبل عام 2027 إذا استمرت القيود الحالية على الشحن عبر مضيق هرمز لفترة أطول.
وأوضح الناصر أن الشركة بدأت بالفعل بإعادة توجيه جزء من صادراتها النفطية عبر ميناء ينبع على الساحل الغربي للمملكة، في محاولة لتخفيف أثر تعطل الإمدادات عبر الخليج.
ورغم نجاح السعودية والإمارات في إخراج عدد محدود من الناقلات عبر المضيق خلال الأيام الماضية، فإن حجم التدفقات لا يزال بعيدًا جدًا عن المستويات الطبيعية التي كانت سائدة قبل اندلاع الحرب.
كما تمكنت قطر من تصدير أول شحنة غاز منذ بداية الصراع، لكن الأسواق ما تزال ترى أن عمليات التصدير الحالية لا تمثل سوى جزء محدود من القدرة الفعلية لدول الخليج.
وتعكس هذه التطورات حجم التحديات اللوجستية التي تواجهها أسواق الطاقة العالمية، إذ إن أي اضطراب طويل الأمد في هرمز سيؤدي إلى إعادة تشكيل مسارات التجارة العالمية ورفع تكاليف النقل والشحن والتأمين بصورة هيكلية.
«وول ستريت» تسعّر أزمة ممتدة
تزايدت خلال الأيام الأخيرة قناعة المؤسسات المالية العالمية بأن أزمة الملاحة عبر مضيق هرمز لن تنتهي قريباً، وهو ما انعكس بوضوح في استطلاعات الرأي والتوقعات الصادرة عن بنوك الاستثمار العالمية.
وأظهر استطلاع أجرته «جولدمان ساكس» أن غالبية المشاركين في السوق يتوقعون استمرار اضطراب التدفقات عبر المضيق إلى ما بعد نهاية يونيو، مع ترجيحات متزايدة بامتداد الأزمة إلى النصف الثاني من العام.
كما شهدت الأسواق نشاطاً غير اعتيادي في تداولات النفط، إذ تم تداول أكثر من أربعة آلاف عقد من عقود خام برنت لشهر يوليو خلال الدقائق الأولى من جلسة الاثنين، مقارنة بمتوسط يقل عن ألف عقد في الجلسات السابقة.
واتسع كذلك الفارق السعري الفوري لخام برنت ليقترب من أربعة دولارات للبرميل، في إشارة واضحة إلى حالة الشح الفوري في الإمدادات، وهي ظاهرة تعكس استعداد المشترين لدفع أسعار أعلى للحصول على النفط بشكل عاجل.
ويعتبر هذا النوع من الهيكل السعري من أبرز المؤشرات التي تدل على توتر السوق ووجود مخاوف حقيقية من نقص المعروض خلال المدى القصير.
واشنطن تضغط على بكين
في موازاة التصعيد العسكري والنفطي، تتجه الأنظار أيضًا إلى التحركات السياسية بين الولايات المتحدة والصين، حيث يستعد الرئيس الأمريكي للقاء نظيره الصيني شي جين بينغ خلال الأيام المقبلة.
ومن المتوقع أن تضغط واشنطن على بكين بشأن علاقتها بطهران، خصوصًا فيما يتعلق بالإيرادات التي تحصل عليها إيران من صادراتها إلى الصين، إضافة إلى المخاوف الأمريكية من احتمال وجود تعاون عسكري أو تقني بين الجانبين.
وترى الإدارة الأمريكية أن الصين تمثل شريانًا اقتصاديًا حيويًا لإيران، وبالتالي فإن أي ضغوط صينية محتملة قد تلعب دوراً مؤثراً في دفع طهران نحو تقديم تنازلات أكبر في الملف النووي وملف الحرب.
لكن في المقابل، تبدو بكين حريصة على حماية مصالحها الاقتصادية والطاقة في المنطقة، خصوصاً أنها تعد أكبر مستورد للنفط الإيراني والخليجي، ما يجعلها حذرة من الانخراط في أي خطوات قد تؤدي إلى اضطراب أكبر في الإمدادات.
أسواق الطاقة أمام مرحلة جديدة
تشير التطورات الحالية إلى أن أسواق الطاقة دخلت بالفعل مرحلة مختلفة تمامًا عن السنوات الماضية، حيث أصبحت الجغرافيا السياسية والممرات البحرية تلعب دورًا أكبر من قرارات الإنتاج التقليدية في تحديد اتجاهات الأسعار.
فحتى لو نجحت الدول المنتجة في الحفاظ على مستويات الإنتاج، فإن استمرار تعطل طرق الشحن الرئيسية كفيل بإبقاء الأسواق في حالة توتر ورفع علاوات المخاطر على النفط والغاز لفترة طويلة.
كما أن عودة الأسعار إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل تضع الاقتصاد العالمي أمام تحديات جديدة، تشمل ارتفاع تكاليف النقل والتصنيع والغذاء، إضافة إلى تعقيد مهمة البنوك المركزية في مواجهة التضخم.
ومع استمرار الغموض السياسي والعسكري، يبدو أن المستثمرين سيواصلون مراقبة كل تطور ميداني أو دبلوماسي في الخليج باعتباره عاملًا حاسمًا في تحديد مستقبل أسعار الطاقة والأسواق العالمية خلال الأشهر المقبلة.