النفط فوق 111 دولاراً.. والخليج يحرك الأسواق
عادت أسواق النفط العالمية إلى واجهة القلق الاقتصادي، بعدما دفعت التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط أسعار الخام إلى مستويات مرتفعة، وسط مخاوف متزايدة من تعرض إمدادات الطاقة وطرق نقلها لمزيد من الاضطرابات. ولم تعد تحركات الأسعار مرتبطة بحسابات العرض والطلب التقليدية وحدها، إذ أصبحت التطورات الأمنية في المنطقة عاملاً رئيسياً في تحديد اتجاه التداولات، مع استعداد المستثمرين لدفع علاوة إضافية مقابل المخاطر المحتملة التي قد تواجه حركة الشحن والإنتاج.
وخلال تعاملات الثلاثاء، ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 1.92 دولار، بما يعادل 1.75 %، لتصل إلى 111.47 دولاراً للبرميل بحلول الساعة 09:30 بتوقيت غرينتش، مقتربة من أعلى مستوياتها خلال خمسة أشهر. وجاء الصعود امتداداً لمكاسب الجلسة السابقة، التي بلغ فيها الخام 110.70 دولارات، وهو المستوى الأعلى منذ 20 مايو، بما يعكس استمرار الزخم الصعودي رغم التقلبات الحادة التي تشهدها السوق.
مكاسب أميركية
وامتدت موجة الارتفاع إلى العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي، حيث قفز عقد نوفمبر، الذي يحل موعد انتهائه الثلاثاء، بمقدار 4.30 دولارات، أو 4.15 %، ليصل إلى 107.96 دولارات للبرميل. أما عقد ديسمبر الأكثر تداولاً، فارتفع بمقدار 1.76 دولار، بنسبة 1.79 %، ليستقر عند 100.30 دولار، وفق البيانات التي نقلتها وكالة رويترز.
ويكشف التفاوت بين العقدين عن أهمية التمييز بين حركة الأسعار الفورية تقريباً والتوقعات الخاصة بالأشهر المقبلة، خصوصاً مع اقتراب انتهاء تداول عقد نوفمبر. كما يشير بقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة إلى أن المستثمرين لا يتعاملون مع التطورات الراهنة باعتبارها تقلبات عابرة، وإنما بوصفها مخاطر قد تؤثر في توازن السوق خلال الفترة المقبلة. ومع ذلك، فإن اختلاف آجال العقود يفرض الحذر عند تفسير الفجوة السعرية باعتبارها مؤشراً مستقلاً على نقص الإمدادات.
تهديد الملاحة
وتتصدر المخاطر الأمنية المرتبطة بالملاحة البحرية قائمة العوامل التي تدعم ارتفاع الأسعار، بعدما أشارت شركة كبلر المتخصصة في تتبع السفن إلى تقارير عن تعرض ما لا يقل عن 18 سفينة لهجمات خلال أسبوعين. ويعزز تكرار هذه الحوادث المخاوف من اتساع نطاق التهديدات التي تواجه حركة التجارة البحرية، ولا سيما شحنات النفط والمنتجات البترولية المنقولة من المنطقة إلى الأسواق المستهلكة.
وتكتسب هذه التطورات أهمية اقتصادية استثنائية بالنظر إلى الدور المحوري الذي تؤديه منطقة الخليج في منظومة الطاقة العالمية، سواء من خلال الإنتاج أو التصدير أو الخدمات اللوجستية المرتبطة بالشحن. فحتى في غياب توقف فعلي واسع للإمدادات، قد يؤدي ارتفاع مستوى المخاطر إلى زيادة تكاليف التأمين والنقل، وإعادة تقييم المسارات البحرية، ورفع الأعباء التشغيلية على الشركات المستوردة والمصدرة.
علاوة جيوسياسية
ويرى محللو بنك «آي إن جي» أن أسعار النفط لا تزال تحظى بدعم قوي نتيجة علاوة المخاطر الكبيرة التي تحتسبها السوق في ظل الأوضاع المتقلبة. وأوضحوا في مذكرة الثلاثاء أن استمرار تدفقات الخام دون عوائق قد يسمح بتراجع هذه العلاوة تدريجياً، لكنهم أشاروا إلى عدم ظهور مؤشرات واضحة حتى الآن على بدء هذا المسار.
وتبرز أهمية هذا التقييم في التمييز بين نقص فعلي في المعروض وبين ارتفاع الأسعار الناتج عن توقعات اضطراب الإمدادات. ففي الحالة الأولى، تواجه الأسواق اختلالاً مادياً يتطلب تعويض الكميات المفقودة، بينما تعكس الحالة الثانية استعداد المتعاملين للتحوط من احتمالات لم تتحقق بالكامل. وقد تتراجع الأسعار إذا انحسرت التهديدات، حتى دون حدوث زيادة ملموسة في الإنتاج، فيما يمكن لأي حادث أمني جديد أن يعيد تسعير المخاطر بسرعة.
المخزونات الأميركية
وفي الولايات المتحدة، أضافت توقعات تراجع المخزونات عاملاً آخر يدعم الاتجاه الصعودي للأسعار، بعدما أظهر استطلاع أولي أجرته رويترز الاثنين ترجيحات بانخفاض مخزونات الخام والمنتجات النفطية خلال الأسبوع الماضي. وتكتسب هذه التوقعات أهمية خاصة لأن السوق الأميركية تعد من أكبر مراكز استهلاك الطاقة عالمياً، كما تمثل بيانات المخزون مؤشراً رئيسياً على العلاقة بين الطلب المحلي ومستويات الإنتاج والواردات ونشاط المصافي.
وعادة ما يشير انخفاض المخزونات إلى زيادة السحب من الكميات المتاحة، وهو ما قد يعكس قوة الاستهلاك أو تراجع الإمدادات أو ارتفاع معدلات تشغيل المصافي. غير أن تحديد السبب الفعلي يتطلب انتظار البيانات الرسمية، خصوصاً أن التقديرات الأولية قد تختلف عن النتائج النهائية. وإذا تأكد تراجع المخزونات بالتزامن مع استمرار التوترات الإقليمية، فقد تتعزز الضغوط الصعودية على الأسعار، بينما قد يحد ارتفاع غير متوقع في المخزون من قوة المكاسب.
الإمدادات الروسية
وفي المقابل، تترقب الأسواق تداعيات التحركات الأميركية المتعلقة بالعقوبات المفروضة على روسيا، بعدما أصدر الرئيس دونالد ترامب أمراً تنفيذياً الجمعة يقضي بإلغاء عقوبات ورسوم جمركية رئيسية مرتبطة بموسكو، بما يشمل إجراءات تتعلق بشراء النفط والغاز الروسيين. لكن تصريحات ترامب اللاحقة، التي أكد فيها عدم اتخاذ قرار نهائي، إلى جانب إعلان وزير الخارجية ماركو روبيو الحاجة إلى مزيد من الوقت لتقييم الموقف، أبقت حالة عدم اليقين قائمة بشأن نطاق التخفيف واستمراريته.
وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى ارتفاع إنتاج روسيا من النفط الخام بمقدار 65 ألف برميل يومياً خلال سبتمبر، ليصل إلى 8.43 ملايين برميل يومياً، لكنه ظل أقل بنحو 870 ألف برميل يومياً مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وتعكس هذه الأرقام وجود فجوة إنتاجية كبيرة رغم التحسن الشهري، ما يثير تساؤلات بشأن قدرة موسكو على زيادة صادراتها بسرعة إذا سمحت الظروف السياسية والتجارية بذلك.
سيناريوهات السوق
ويرى تيم ووترر، المحلل لدى «كيه سي إم تريد»، أن احتمال تدفق كميات إضافية من الديزل الروسي يوفر بعض الارتياح النظري للأسواق، لكن المتعاملين يمنحون وزناً أكبر لمخاطر تعرض البنية التحتية للطاقة في الخليج لأضرار جديدة. ويعكس هذا التقييم اختلال التوازن بين العوامل التي قد تخفف الأسعار وتلك التي تهدد بدفعها إلى مستويات أعلى، خصوصاً أن اضطراب منشآت الإنتاج أو التصدير قد يترك آثاراً تتجاوز حجم الإمدادات المتوقفة مباشرة.
وتمتد التداعيات المحتملة لارتفاع النفط إلى الاقتصاد العالمي، حيث تواجه الدول المستوردة ضغوطاً إضافية على تكاليف الوقود والنقل والإنتاج، بما قد يعقد جهود احتواء التضخم. وفي المقابل، قد تستفيد الاقتصادات المصدرة من زيادة الإيرادات النفطية، لكن حجم المكاسب الفعلية يظل مرتبطاً باستقرار الصادرات وتكاليف التشغيل والشحن، فضلاً عن قدرة الأسواق العالمية على استيعـاب الأسعار المرتفعــة دون تباطؤ حاد في الطلب.