النفط يتخلى عن مكاسب الحرب.. وأسواق الطاقة تراهن على هرمز المفتوح
شهدت أسواق النفط العالمية خلال الأسبوع الأخير تحولاً دراماتيكياً في اتجاه الأسعار، بعدما انتقلت من التركيز على مخاطر الإمدادات وتعطل التجارة البحرية في الخليج إلى تسعير احتمالات التهدئة السياسية بين الولايات المتحدة وإيران. هذا التحول السريع دفع المستثمرين وصناديق التحوط إلى إعادة تقييم علاوة المخاطر التي أضيفت إلى أسعار الخام خلال الأشهر الماضية، ما تسبب في موجة بيع واسعة أدت إلى أكبر انخفاض أسبوعي لأسعار النفط منذ مطلع أبريل الماضي.
وتراجعت العقود الآجلة لخام برنت خلال جلسة الجمعة بأكثر من 2 % لتستقر عند نحو 92 دولاراً للبرميل، فيما انخفض خام غرب تكساس الوسيط إلى ما دون 88 دولاراً للبرميل. وجاءت هذه الخسائر بعد تقارير تحدثت عن توصل واشنطن وطهران إلى تفاهم يقضي بتمديد وقف إطلاق النار وتهيئة الظروف لإعادة فتح حركة الملاحة بشكل أوسع في مضيق هرمز، وهو الممر البحري الأهم لتجارة الطاقة في العالم.
تراجع علاوة الحرب
منذ اندلاع المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران قبل ثلاثة أشهر، أضافت الأسواق ما يعرف بـ«علاوة المخاطر الجيوسياسية» إلى أسعار النفط. وتقوم هذه العلاوة على توقعات المستثمرين بأن أي اضطراب في الخليج قد يؤدي إلى نقص الإمدادات أو ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، ما يدفع الأسعار إلى الصعود حتى قبل حدوث أي نقص فعلي في السوق.
لكن مع ظهور مؤشرات متزايدة على قرب التوصل إلى تفاهمات سياسية، بدأت هذه العلاوة بالتآكل تدريجياً. وأصبحت الأسواق تنظر إلى احتمال استئناف الملاحة الطبيعية عبر مضيق هرمز باعتباره عاملاً كافياً لإعادة التوازن بين العرض والطلب، وهو ما انعكس مباشرة على حركة الأسعار.
ويرى متعاملون أن السوق انتقلت من مرحلة الخوف من انقطاع الإمدادات إلى مرحلة تقييم سرعة عودة الصادرات والتدفقات النفطية إلى مستوياتها الطبيعية. ولذلك جاءت ردود الفعل السعرية قوية وسريعة، خصوصاً بعد سلسلة من التصريحات المتبادلة التي أوحت بقرب انتهاء الأزمة.
هرمز في قلب المعادلة
يبقى مضيق هرمز العنصر الأكثر تأثيراً في معادلة الطاقة العالمية. فالممر البحري الضيق الذي يربط الخليج العربي ببحر العرب يشكل شرياناً حيوياً تمر عبره نحو خمس إمدادات النفط والغاز المتداولة عالمياً.
وخلال الأشهر الماضية، أدى تقييد حركة السفن وارتفاع المخاطر الأمنية إلى اضطراب عمليات الشحن والتأمين، كما دفعت شركات النقل البحري إلى اتخاذ إجراءات احترازية رفعت تكاليف التجارة العالمية للطاقة.
وتدرك الأسواق أن أي انفراج حقيقي في ملف المضيق لن ينعكس فقط على أسعار النفط، بل سيؤثر أيضاً على أسعار الغاز الطبيعي والبتروكيماويات والشحن البحري والتأمين البحري. لذلك أصبحت الأخبار المتعلقة بالممر المائي العامل الأكثر تأثيراً في تسعير الخام خلال الفترة الحالية.
ورغم الحديث عن اتفاق محتمل، فإن حجم الحركة البحرية لا يزال بعيداً عن مستوياته الطبيعية السابقة، ما يعني أن الطريق نحو التعافي الكامل قد يحتاج إلى أسابيع أو حتى أشهر قبل عودة التدفقات التجارية إلى مستوياتها المعتادة.
تقلبات استثنائية
اللافت في تداولات الأسابيع الأخيرة أن الأسواق شهدت مستويات مرتفعة من التذبذب نادراً ما تسجلها في الظروف الطبيعية. فقد تجاوزت التحركات اليومية في بعض الجلسات ستة دولارات للبرميل الواحد، في مؤشر واضح على حالة عدم اليقين التي تسيطر على المستثمرين.
ويرجع ذلك إلى تضارب الرسائل السياسية الصادرة من مختلف الأطراف. ففي الوقت الذي تتحدث فيه بعض المصادر عن قرب التوصل إلى تفاهم نهائي، تظهر تصريحات أخرى تؤكد استمرار الخلافات بشأن آليات تنفيذ الاتفاق وشروط إعادة الملاحة الكاملة.
هذا التناقض جعل المستثمرين يتنقلون بسرعة بين الشراء والبيع وفقاً لتدفق الأخبار، ما أدى إلى موجات متلاحقة من الصعود والهبوط خلال فترات زمنية قصيرة.
ويؤكد محللون أن أسعار النفط أصبحت حالياً أكثر ارتباطاً بالقرارات السياسية منها بالعوامل التقليدية المرتبطة بالإنتاج والمخزونات، الأمر الذي يزيد من صعوبة التنبؤ بالاتجاهات قصيرة الأجل.
خسائر أسبوعية حادة
سجل خام برنت أكبر تراجع أسبوعي له منذ سبعة أسابيع بعدما فقد نحو 11 % من قيمته خلال أسبوع واحد، بينما انخفض خام غرب تكساس الوسيط بأكثر من 9 % مسجلاً أكبر خسارة أسبوعية خلال ستة أسابيع.
وتعكس هذه الأرقام حجم التحول الذي شهدته توقعات المستثمرين خلال فترة قصيرة للغاية. فقبل أسابيع قليلة فقط كانت الأسواق تتوقع استمرار الضغوط الصعودية على الأسعار واحتمال تجاوز مستويات 100 دولار للبرميل في حال استمرار التوترات.
أما اليوم، فقد تحولت التوقعات نحو سيناريو أكثر هدوءاً يعتمد على عودة جزء كبير من الإمدادات والقدرات اللوجستية إلى العمل بصورة طبيعية، ما خفف من المخاوف المرتبطة بنقص المعروض.
كما ساهمت عمليات جني الأرباح من قبل الصناديق الاستثمارية في تسريع وتيرة الهبوط، خصوصاً بعد الارتفاعات الكبيرة التي سجلتها الأسعار خلال ذروة الأزمة.
الاقتصاد العالمي يترقب
لا تقتصر أهمية تراجع أسعار النفط على أسواق الطاقة فقط، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي بأكمله. فالدول المستوردة للنفط تنظر إلى انخفاض الأسعار باعتباره عاملاً إيجابياً يساعد على تخفيف الضغوط التضخمية وتقليل تكاليف الإنتاج والنقل.
وفي المقابل، تراقب الدول المصدرة للنفط التطورات بحذر شديد، نظراً لما قد يترتب على انخفاض الأسعار من تأثيرات على الإيرادات المالية والموازنات العامة.
كما تتابع البنوك المركزية العالمية تطورات سوق الطاقة باعتبارها أحد أهم المؤشرات المؤثرة في مسار التضخم وأسعار الفائدة خلال المرحلة المقبلة.
ويرى خبراء اقتصاديون أن استمرار الأسعار قرب المستويات الحالية قد يخفف الضغوط على الاقتصادات المستهلكة للطاقة، لكنه في الوقت نفسه قد يحد من الإيرادات المتوقعة للدول المنتجة إذا استمر الاتجاه النزولي لفترة طويلة.
اليابان تكشف حجم التأثير
أحد أبرز المؤشرات على حجم الاضطرابات التي سببتها الأزمة ظهر في بيانات اليابان النفطية. فقد سجلت واردات النفط الخام القادمة من الشرق الأوسط تراجعاً حاداً بلغ 66 % مقارنة بمستويات أبريل من العام الماضي.
ويعكس هذا الانخفاض مدى تأثر الاقتصادات الآسيوية بالأحداث الجيوسياسية في الخليج، خصوصاً أن اليابان تعد من أكثر الدول اعتماداً على واردات الطاقة القادمة من المنطقة.
كما تكشف هذه البيانات عن حجم التحديات التي واجهتها شركات التكرير والمستوردون خلال فترة تعطل الملاحة وارتفاع تكاليف النقل والتأمين.
ومن المتوقع أن تبدأ هذه التدفقات بالتعافي تدريجياً في حال استقرت الأوضاع الأمنية وجرى تنفيذ أي اتفاق يضمن انسيابية الملاحة البحرية بصورة كاملة.
توقعات البنوك العالمية
رغم التراجع الأخير، لا تزال المؤسسات المالية الكبرى تتبنى رؤية حذرة تجاه مستقبل أسعار النفط. فبعض البنوك الاستثمارية ترى أن المخاطر الجيوسياسية لم تختف بالكامل، وأن أي تعثر في تنفيذ الاتفاقات أو عودة التوترات قد يدفع الأسعار للصعود مجدداً.
وفي هذا السياق، رفع بنك «كومرتس بنك» توقعاته لسعر خام برنت إلى نحو 90 دولاراً للبرميل بحلول نهاية الربع الثالث من العام، مع توقعات باستقرار الأسعار قرب 85 دولاراً للبرميل بنهاية العام.
وتعكس هذه التوقعات قناعة بأن السوق لن تعود سريعاً إلى ظروف ما قبل الأزمة، وأن عملية استعادة الثقة وإعادة بناء التدفقات التجارية تحتاج إلى وقت أطول من مجرد إعلان اتفاق سياسي.
كما أن استمرار حالة عدم اليقين بشأن الملاحة والتأمين والإجراءات التنظيمية قد يبقي الأسعار عند مستويات مرتفعة نسبياً مقارنة بمتوسطاتها التاريخية.