النفط يتراجع بعد اتفاق روسي – أوكراني على وقف استهداف منشآت الطاقة
تراجعت أسعار النفط أمس الإثنين، تحت ضغط توقعات بزيادة إمدادات المنتجات النفطية الروسية إلى الأسواق العالمية، بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب التوصل إلى تفاهم بشأن وقف الهجمات على منشآت الطاقة الروسية والأوكرانية، بالتزامن مع اتفاق أميركي ـ روسي يسمح بتدفق كميات إضافية من الديزل الروسي إلى الأسواق.
وتحركت السوق في اتجاهين متعاكسين؛ فمن جهة، عززت التطورات المرتبطة بروسيا وأوكرانيا توقعات تحسن المعروض من المشتقات النفطية، ما دفع المستثمرين إلى تقليص علاوة المخاطر على أسعار الخام. ومن جهة أخرى، واصلت الهجمات على منشآت ومرافق مدنية وسفن وناقلات في منطقة الخليج ومحيط مضيق هرمز دعم الأسعار، وأبقت خام برنت فوق مستوى 100 دولار للبرميل.
تراجع محدود في أسعار الخام
انخفضت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 1.36 دولار، أو 1.30 %، إلى 103.36 دولار للبرميل ، بينما تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 1.56 دولار، أو 1.70 %، إلى 90.29 دولار للبرميل.
وتعكس هذه التحركات محاولة السوق موازنة عاملين رئيسيين: احتمال زيادة المعروض من روسيا، مقابل مخاطر تعطل الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط.
وأظهرت التعاملات اللاحقة أن التراجع لم يكن مستقراً بالكامل، إذ ظلت أسعار النفط شديدة الحساسية لأي تطور عسكري في الخليج أو بشأن حركة الناقلات في مضيق هرمز. وأشارت رويترز إلى أن السوق ظلت متأرجحة بين مؤشرات زيادة المعروض والمخاطر الناتجة عن الهجمات على السعودية وناقلات النفط.
الديزل الروسي يعيد رسم
معادلة المعروض
كان الإعلان الأميركي بشأن الديزل الروسي العامل الأكثر تأثيراً على أسعار النفط في بداية التعاملات.
وقال ترامب إن روسيا ستورد إلى الأسواق الأميركية والعالمية أكثر من 300 ألف طن من الديزل بصورة فورية، بما يعادل نحو 2.25 مليون برميل، على أن تضيف موسكو 500 ألف طن في نوفمبر، ثم مليون طن أخرى بعد ذلك مباشرة.
وتشير تقديرات حديثة إلى أن إجمالي الكميات المعلنة قد يتجاوز 4.8 مليون طن على مراحل، إلا أن قدرة روسيا على تنفيذ كامل هذه الوعود تظل محل نقاش، في ظل القيود المفروضة على قطاع التكرير الروسي والأضرار التي لحقت ببعض المصافي نتيجة الهجمات الأوكرانية.
وتكمن أهمية الخطوة في أن أزمة الطاقة الحالية لا تقتصر على الخام، وإنما تمتد بصورة أكبر إلى المنتجات المكررة، وفي مقدمتها الديزل، الذي يستخدم على نطاق واسع في النقل والشحن والزراعة والصناعة والتدفئة.
لماذا يمثل الديزل أهمية كبيرة للسوق؟
الديزل أحد أكثر المنتجات النفطية ارتباطاً بالنشاط الاقتصادي الحقيقي، ولذلك فإن نقصه يرفع تكاليف النقل والإنتاج، وينعكس على أسعار السلع والخدمات.
وبحسب الأرقام الواردة في المعطيات، يقترب الاستهلاك العالمي من 29 مليون برميل يومياً، ما يعني أن الكميات الروسية الجديدة، رغم أهميتها في تهدئة السوق، تظل محدودة مقارنة بحجم الاستهلاك العالمي.
ولهذا السبب، يرى محللون أن تأثير الصفقة سيكون أكبر على سوق المشتقات وهوامش التكرير من تأثيره المباشر على أسعار خام برنت.
وتشير تقديرات أخرى إلى أن أول شحنة روسية معلنة، البالغة 300 ألف طن، تعادل أقل من يوم واحد من الاستهلاك الأميركي للديزل، ما يدعم الرأي القائل إن تأثيرها الفوري على أسعار المستهلك سيكون محدوداً.
روسيا أمام اختبار القدرة
على زيادة الصادرات
رغم إعلان موسكو استعدادها لتوفير كميات إضافية، فإن قدرة روسيا على زيادة صادرات الديزل ليست مفتوحة بلا حدود.
فالقطاع النفطي الروسي تعرض خلال الفترة الماضية لضغوط متزايدة نتيجة الهجمات على المصافي، إضافة إلى القيود التنظيمية المتعلقة بصادرات المنتجات النفطية.
وتشير تقارير حديثة إلى أن بعض التقديرات تضع نسبة كبيرة من طاقة التكرير الروسية تحت ضغط أو تعطيل جزئي، وهو ما يجعل قدرة موسكو على تنفيذ زيادات كبيرة ومستدامة في صادرات الديزل موضع اختبار.
ومن ثم، فإن السوق ستراقب خلال الأسابيع المقبلة ثلاثة مؤشرات أساسية:
1. حجم الديزل الروسي الذي سيصل فعلياً إلى الأسواق.
2. قدرة المصافي الروسية على الحفاظ على معدلات الإنتاج.
3. ما إذا كانت موسكو ستوسع نطاق التصدير بعد الكميات الأولية.
وفي حال وصول الشحنات بالفعل إلى الأسواق، فإنها قد تساعد على تخفيف شح المشتقات، لكنها لن تكون كافية وحدها لإحداث تحول جذري في ميزان سوق النفط العالمي.
وقف استهداف منشآت الطاقة يضغط على الأسعار
العامل الثاني الذي دفع الأسعار إلى التراجع تمثل في إعلان ترامب أن روسيا وأوكرانيا اتفقتا على وقف الهجمات على منشآت الطاقة التابعة لكل منهما.
ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة بالنسبة لسوق النفط، لأن استهداف المصافي والمنشآت النفطية الروسية أدى خلال الفترة الماضية إلى زيادة المخاوف بشأن إمدادات المنتجات المكررة.
كما أن وقف استهداف منشآت الطاقة قد يقلل احتمالات حدوث اضطرابات إضافية في طاقة التكرير والإنتاج والنقل، ما يعني تحسن الرؤية المستقبلية للمعروض.
لكن السوق تعاملت مع الإعلان بحذر، بسبب عدم وضوح تفاصيل الاتفاق ومدى التزام الطرفين به.
فالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قال إنه ما زال ينتظر الاطلاع على التفاصيل، بينما لم تقدم روسيا تأكيداً مماثلاً بشأن الاتفاق في البداية. ولذلك لم تتعامل الأسواق مع الإعلان باعتباره تحولاً نهائياً في مسار الحرب.
وقال تيم واترر، كبير المحللين في تجارة كي سي إم، إن الإعلانات الأخيرة خففت بعض الضغوط الفورية على الإمدادات، لكنه أشار إلى أن استمرار وقف إطلاق النار يظل موضع تساؤل، وهو ما يحد من حجم التراجع في أسعار النفط.
الشرق الأوسط يمنع
انهيار أسعار النفط
رغم العوامل التي دفعت الأسعار إلى الانخفاض، فإن السوق لم تتمكن من الابتعاد عن مستوى 100 دولار للبرميل بالنسبة لخام برنت.
ويرجع ذلك بصورة أساسية إلى استمرار المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط، فالهجمات الأخيرة في السعودية، إضافة إلى استهداف الناقلات في محيط مضيق هرمز، رفعت من جديد المخاوف بشأن أمن الإمدادات العالمية.
ويعني استمرار هذه المخاطر أن أي تحسن في المعروض الروسي قد يقابله ارتفاع في علاوة المخاطر الجيوسياسية التي يضيفها المستثمرون إلى أسعار الخام.
مضيق هرمز.. العامل الأكثر حساسية
يبقى مضيق هرمز أحد أهم مصادر القلق بالنسبة للسوق النفطية العالمية حيث يمثل ممراً رئيسياً لصادرات النفط والغاز من منطقة الخليج، وأي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة عبره يمكن أن يؤثر بسرعة في أسعار الخام والمنتجات النفطية والشحن والتأمين.
وخلال الأيام الأخيرة، وردت تقارير عن تعرض ناقلات لهجمات أو أضرار أثناء مرورها بالقرب من المضيق.
وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بأن ناقلة تعرضت لهجوم بطائرة مسيرة بالقرب من صحار في سلطنة عمان، في حين تعرضت ناقلة أخرى لأضرار نتيجة قذيفة مجهولة أثناء عبورها مضيق هرمز. كما أشارت تقارير لاحقة إلى هجوم بطائرة مسيرة على ناقلة قرب صحار، مع استمرار التحقيق في المسؤولية عن الهجوم.
وهذه التطورات تكتسب أهمية مضاعفة لأنها تأتي في الوقت الذي بدأت فيه صادرات النفط من الشرق الأوسط استعادة جزء من مستوياتها السابقة.
وبالتالي، فإن استمرار الهجمات يمكن أن يؤدي إلى تعطيل هذا التعافي، حتى لو لم يصل الأمر إلى إغلاق فعلي للمضيق.
المخاطر لا تقتصر على توقف الملاحة
لا يشترط توقف الملاحة في مضيق هرمز بالكامل حتى تتأثر أسعار النفط، إذ إن مجرد ارتفاع المخاطر الأمنية قد يرفع تكاليف التأمين والشحن، ويدفع بعض الناقلات إلى تغيير مساراتها أو تجنب المنطقة، ما يطيل زمن الرحلات ويؤخر وصول الإمدادات إلى المصافي الآسيوية والأوروبية. كما قد يؤدي ذلك إلى تراكم الشحنات في الموانئ وارتفاع علاوة المخاطـر في العقود الآجلة للنفط.
وهذا يعني أن السوق يمكن أن تشهد ارتفاعاً في الأسعار حتى مع استمرار تدفق النفط عبر المضيق، إذا أصبح نقل الشحنات أكثر تكلفة وخطورة.