النفط يتراجع بعد قفزة حادة وسط ترقب مصير هرمز
تراجعت أسعار النفط فيt تعاملات الخميس بعدما سجلت أكبر مكاسب يومية لها منذ شهر مايو، مع اتجاه المستثمرين إلى إعادة تقييم تأثير التصعيد العسكري المتجدد بين الولايات المتحدة وإيران على إمدادات الخام العالمية، وسط استمرار حالة القلق بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل الطاقة في العالم.
ورغم أن التوترات العسكرية دفعت أسعار الخام إلى الارتفاع بقوة خلال الجلسات الماضية، فإن الأسواق بدأت تميل إلى الترقب بدلاً من مواصلة الشراء المكثف، في انتظار مؤشرات أوضح حول حجم التأثير الفعلي للتطورات الأمنية على تدفقات النفط القادمة من منطقة الخليج.
ويعكس هذا الأداء استمرار حالة عدم اليقين التي تسيطر على أسواق الطاقة العالمية، إذ يوازن المستثمرون بين احتمالات تعطل الإمدادات من جهة، وبين استمرار تدفق الشحنات النفطية بصورة جزئية من جهة أخرى، وهو ما حد من استمرار موجة الصعود الحادة للأسعار.
تصحيح بعد المكاسب
تراجع خام برنت دون مستوى 78 دولاراً للبرميل، بعدما سجل في الجلسة السابقة أكبر ارتفاع يومي منذ مايو، فيما تداول خام غرب تكساس الوسيط بالقرب من مستوى 73 دولاراً للبرميل.
وجاء هذا التراجع في إطار عمليات جني أرباح طبيعية عقب المكاسب الكبيرة التي حققتها الأسعار، إضافة إلى انتظار الأسواق اتضاح الصورة بشأن التطورات العسكرية ومدى تأثيرها على حركة صادرات النفط.
ويرى محللون أن التقلبات الحالية لا تعكس ضعفاً في الطلب العالمي على الخام، بقدر ما تعكس إعادة تسعير مستمرة للمخاطر الجيوسياسية، التي أصبحت المحرك الرئيسي للأسعار خلال الفترة الأخيرة.
تراجع الملاحة
وأظهرت بيانات تتبع السفن انخفاضاً في حركة الملاحة عبر المضيق، مع تركّز العبور في المسار الشمالي القريب من السواحل الإيرانية، بينما شهدت الممرات الأخرى المدعومة دولياً حركة محدودة.
ورغم هذا التراجع، لا تزال شحنات ضخمة من النفط تعبر المضيق يومياً، وهو ما يشير إلى أن الإمدادات لم تتعرض حتى الآن لتعطل واسع النطاق، رغم ارتفاع مستوى المخاطر الأمنية.
ويرى مراقبون أن شركات الشحن باتت أكثر حذراً في اختيار مساراتها ومواعيد الإبحار، كما ارتفعت تكاليف التأمين على السفن العاملة في المنطقة، وهو ما يزيد الأعباء على تجارة الطاقة العالمية.
تحذيرات الأسواق
وحذر محللون من أن استمرار التصعيد العسكري قد يؤدي إلى موجة جديدة من ارتفاع الأسعار إذا تعرضت حركة الملاحة لمزيد من القيود.
وقال سكوت شيلتون، المحلل لدى «تي بي آي سي إيه بي»، إن أي إغلاق جديد لمضيق هرمز قد يدفع أسعار النفط إلى الارتفاع بنحو عشرة دولارات إضافية، نظراً لأهمية المضيق في تلبية الطلب العالمي على الخام.
وتعكس هذه التقديرات حجم القلق السائد في الأسواق، إذ يظل احتمال تعطل الإمدادات، حتى وإن كان مؤقتاً، أحد أكبر المخاطر التي تواجه الاقتصاد العالمي خلال المرحلة الحالية.
رؤية غولدمان ساكس
من جانبه، أشار بنك غولدمان ساكس إلى أن الهجمات الأخيرة في مضيق هرمز تؤكد أن العامل الحاسم أمام تعافي حركة الشحن لا يتمثل في الطاقة الاستيعابية للممر الملاحي، وإنما في مدى استعداد إيران للسماح باستمرار عبور السفن بصورة طبيعية.
وأضاف البنك أن أي اضطرابات مستمرة قد تؤخر تعافي إنتاج النفط في المنطقة، وتزيد من تقلبات السوق خلال الأشهر المقبلة، خاصة إذا تزامنت مع ارتفاع الطلب الموسمي على الطاقة.
كما يرى البنك أن استمرار المخاطر الأمنية قد يدفع بعض شركات الشحن إلى إعادة ترتيب خطوطها التجارية أو تقليص عدد الرحلات، وهو ما قد ينعكس على سرعة وصول الإمدادات إلى الأسواق العالمية.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
تشير تحركات النفط إلى أن السوق باتت رهينة مسارين متوازيين؛ الأول يتمثل في استمرار تدفق الإمدادات عبر مضيق هرمز بما يحد من ارتفاع الأسعار، والثاني يتمثل في احتمال اتساع رقعة التصعيد العسكري بما يهدد أمن الملاحة ويقود إلى قفزات جديدة في أسعار الخام.
ولهذا تبدو المرحلة المقبلة مرهونة بسرعة تطورات الأحداث في الشرق الأوسط، إذ إن أي انفراج دبلوماسي قد يدفع الأسعار إلى التخلي عن جزء من علاوة المخاطر، في حين أن أي تصعيد جديد قد يعيد النفط إلى موجة ارتفاع قوية، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على التضخم العالمي، والسياسات النقدية، وأداء الاقتصاد الدولي.
المخاطر ترسم مستقبل النفط
تكشف تحركات سوق النفط أن الأسعار باتت تتحرك وفق معادلة تجمع بين أساسيات العرض والطلب من جهة، والتطورات الجيوسياسية من جهة أخرى. فبينما لا تزال الإمدادات العالمية تتدفق دون اضطرابات واسعة، يظل أي تصعيد في منطقة الخليج أو أي تهديد لحركة الملاحة في مضيق هرمز كفيلاً بإعادة إشعال موجات الصعود في الأسعار خلال وقت قصير. وبين استمرار المخاطر الأمنية وترقب الأسواق لأي انفراج دبلوماسي، سيبقى النفط خلال المرحلة المقبلة رهينة تطورات الشرق الأوسط، مع انعكاسات مباشرة على التضخم العالمي، وأسواق المال، والاقتصاد الدولي.