النفط يتراجع وآمال التفاوض تهدئ الأسواق
تراجعت أسعار النفط العالمية خلال تعاملات أمس بعدما فقدت المكاسب التي حققتها في بداية الجلسة، وذلك عقب إعلان وزارة الخارجية الإيرانية أن طهران لا تزال ترى إمكانية لاستئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة إذا ما روعيت مصالحها الوطنية. وجاء هذا التحول ليعيد قدراً من الهدوء إلى الأسواق التي كانت قد رفعت علاوة المخاطر بصورة كبيرة خلال الأيام الماضية بفعل تصاعد المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران، وما نتج عنها من اضطرابات في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم.
ورغم استمرار التوترات العسكرية، فإن مجرد الإشارة إلى وجود قنوات اتصال ورسائل متبادلة عبر وسطاء كانت كافية لدفع المستثمرين إلى تقليص رهاناتهم على استمرار ارتفاع الأسعار، مع إعادة تقييم احتمالات التوصل إلى مسار دبلوماسي قد يخفف من حدة الأزمة ويقلص مخاطر تعطل الإمدادات خلال الفترة المقبلة.
مكاسب مفقودة
وكان خام برنت قد ارتفع في بداية التعاملات إلى أعلى مستوى له منذ أكثر من شهر، مدفوعاً بالمخاوف المتزايدة بشأن سلامة الإمدادات القادمة من منطقة الخليج، قبل أن يتراجع لاحقاً إلى 87.94 دولاراً للبرميل، منخفضاً بنسبة 0.18 %، بعدما كان قد لامس مستوى 91.42 دولار، وهو الأعلى منذ 11 يونيو.
كما تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 81.81 دولاراً للبرميل، فاقداً أكثر من 0.8 % من قيمته، بعد أن سجل في وقت سابق أعلى مستوى له منذ منتصف يونيو الماضي.
ويؤكد هذا الأداء أن سوق النفط لا تزال تتحرك بسرعة كبيرة وفق التطورات السياسية والعسكرية، حيث باتت التصريحات الرسمية والرسائل الدبلوماسية تؤثر في الأسعار بالقدر نفسه الذي تؤثر فيه البيانات المتعلقة بالإنتاج أو الطلب العالمي.
رسائل الوسطاء
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن وسطاء نقلوا إلى طهران خلال الأيام الماضية رسائل ومقترحات جديدة، دون الكشف عن طبيعة هذه الرسائل أو مضمونها، مكتفياً بالإشارة إلى أن بلاده لا تستبعد العودة إلى طاولة التفاوض إذا ما تم احترام مصالحها الوطنية.
وأعطت هذه التصريحات انطباعاً بأن قنوات الاتصال لم تنقطع بالكامل رغم التصعيد العسكري المستمر، الأمر الذي دفع المتعاملين في الأسواق إلى الاعتقاد بأن احتمالات الانفراج السياسي ما زالت قائمة، وهو ما انعكس سريعاً على حركة أسعار النفط.
ويرى محللون أن الأسواق تتفاعل بصورة حساسة مع أي مؤشرات تتعلق بإمكانية تخفيف التـوتـر، لأن أي تقــدم دبلوماسي من شـأنــه تقليص احتمالات تعطـــل صــادرات النفط أو توسع رقعة المواجهة في المنطقة.
هرمز تحت الضغط
ورغم تراجع الأسعار، فإن حركة الملاحة عبر مضيق هرمز لا تزال تعكس حجم القلق المسيطر على شركات الشحن العالمية.
وأظهرت بيانات حركة النقل البحري عبور أربع سفن فقط عبر المضيق أمس، مقارنة بثماني سفن في اليوم السابق، وهو تراجع كبير يعكس استمرار المخاوف الأمنية في هذا الممر الحيوي.
كما بينت البيانات أن ثلاث ناقلات للمنتجات النفطية وناقلة نفط خام عملاقة دخلت المضيق منذ يوم الجمعة بهدف تحميل شحنات جديدة، إلا أن وتيرة الحركة لا تزال أقل بكثير من المستويات المعتادة.
ويعد مضيق هرمز الشريان الرئيسي لصادرات النفط الخليجية، إذ تمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، ولذلك فإن أي اضطراب في حركة الملاحة ينعكس فوراً على أسعار الطاقة وأسواق المال العالمية.
تصعيد مستمر
في المقابل، لم تتراجع حدة التطورات العسكريـــة على الأرض، إذ استمرت العمليات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، بينما أعلن الحرس الثوري الإيراني تعرض ناقلتي نفط لانفجارات خلال محاولتهما عبور ما وصفه بممر جنوبي غير آمن داخل مضيق هرمز.
وأشار الحرس الثوري إلى أن الجيش الأميركي شجع السفينتين على استخدام هذا المسار، في حين لم تتمكن «رويترز» من التحقق بشكل مستقل من صحة هذه الرواية.
كما أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية عن اندلاع حريق في سفينة شمال غرب منطقة كمزار بسلطنة عمان، الأمر الذي زاد من المخاوف المتعلقة بأمن الملاحة في المنطقة، وأكد استمرار المخاطر التي تواجه حركة السفن التجارية.
قراءة المحللين
ويرى محللون في المؤسسات المالية العالمية أن سوق النفط أصبحت أسيرة عاملين رئيسيين؛ الأول يتمثل في التطورات العسكرية، والثاني في فرص نجاح الجهود الدبلوماسية.
وأشار محللو بنك «يو.بي.إس» إلى أن التصريحات الإيرانية الأخيرة كانت السبب الرئيسي في محو المكاسب التي حققتها الأسعار خلال الساعات الأولى من التداول، رغم أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لا تزال أقل من المعتاد.
في المقابل، أكد محللو «إيه.إن.زد» أن صورة الإمدادات أصبحت أكثر تشاؤماً، موضحين أن التعافي المتوقع في حركة الملاحة توقف فعلياً مع انخفاض عدد السفن العابرة إلى مستويات محدودة.
أما محللو بنك باركليز، فيرون أن الأيام والأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد المستوى المستدام لصادرات النفط من منطقة الخليج، خصوصاً في ظل استمرار القيود الأمنية في مضيق هرمز، إلى جانب المخاطر المرتبطة بمسارات الشحن في البحر الأحمر.
وأضافوا أن الأسواق ربما تقلل من حجم المخاطر الحقيقية، خاصة أن المخزونات النفطية العالمية أصبحت عند أدنى مستوياتها خلال السنوات الخمس الأخيرة، وهو ما يزيد حساسية الأسعار لأي اضطراب جديد في الإمدادات.
مستقبل أسواق النفط
بين الاحتمالات
تبقى أسواق النفط في مرحلة شديدة الحساسية، إذ تتداخل فيها الاعتبارات الجيوسياسية مع العوامل الأساسية المتعلقة بالإنتاج والمخزونات والطلب العالمي. وبينما منحت التصريحات الإيرانية الأسواق قدراً من الارتياح المؤقت، فإن استمرار التوتر العسكري وتباطؤ حركة الملاحة في مضيق هرمز يبقيان المخاطر قائمة، ما يعني أن الأسعار ستظل عرضة لتقلبات حادة مع كل تطور سياسي أو أمني جديد. وستكون قدرة الوسطاء على إعادة أطراف الأزمة إلى مسار التفاوض، إلى جانب استقرار حركة الإمدادات عبر الممرات البحرية، العامل الأكثر تأثيراً في رسم اتجاه أسواق الطاقة خلال المرحلة المقبلة.