تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النفط‭ ‬يتماسك‭ ‬فوق‭ ‬72‭ ‬دولاراً

النفط‭ ‬يتماسك‭ ‬فوق‭ ‬72‭ ‬دولاراً

لم‭ ‬يكن‭ ‬استقرار‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬فوق‭ ‬مستوى‭ ‬72‭ ‬دولاراً‭ ‬للبرميل‭ ‬في‭ ‬مستهل‭ ‬تعاملات‭ ‬الأسبوع‭ ‬مجرد‭ ‬حركة‭ ‬اعتيادية‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة،‭ ‬بل‭ ‬جاء‭ ‬انعكاساً‭ ‬مباشراً‭ ‬لتغير‭ ‬جوهري‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬للمنطقة،‭ ‬بعد‭ ‬إعلان‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإيران‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬تفاهم‭ ‬يقضي‭ ‬بوقف‭ ‬الأعمال‭ ‬القتالية‭ ‬واستئناف‭ ‬المحادثات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بأمن‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬لنقل‭ ‬النفط‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬
ورغم‭ ‬أن‭ ‬الاتفاق‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬تسوية‭ ‬نهائية‭ ‬للخلافات‭ ‬بين‭ ‬الطرفين،‭ ‬فإنه‭ ‬نجح‭ ‬في‭ ‬تهدئة‭ ‬المخاوف‭ ‬التي‭ ‬سيطرت‭ ‬على‭ ‬الأسواق‭ ‬خلال‭ ‬الأسابيع‭ ‬الماضية،‭ ‬بعدما‭ ‬رفعت‭ ‬الهجمات‭ ‬المتبادلة‭ ‬احتمالات‭ ‬تعطل‭ ‬الإمدادات‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬الأسعار‭ ‬حينها‭ ‬إلى‭ ‬الارتفاع‭ ‬بفعل‭ ‬علاوة‭ ‬المخاطر‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬اعتمادها‭ ‬على‭ ‬أساسيات‭ ‬العرض‭ ‬والطلب‭.‬
وبعد‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬الاتفاق،‭ ‬اتجه‭ ‬المستثمرون‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تقييم‭ ‬مراكزهم‭ ‬الاستثمارية،‭ ‬لتتحول‭ ‬الأنظار‭ ‬تدريجياً‭ ‬من‭ ‬متابعة‭ ‬التطورات‭ ‬العسكرية‭ ‬إلى‭ ‬مراقبة‭ ‬حجم‭ ‬الصادرات‭ ‬الفعلية،‭ ‬وسرعة‭ ‬عودة‭ ‬حركة‭ ‬الشحن،‭ ‬وقدرة‭ ‬المنتجين‭ ‬على‭ ‬استعادة‭ ‬مستويات‭ ‬الإنتاج‭ ‬والتصدير‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬الأزمة‭.‬
وسجل‭ ‬خام‭ ‬برنت‭ ‬ارتفاعاً‭ ‬طفيفاً‭ ‬ليستقر‭ ‬عند‭ ‬72‭.‬03‭ ‬دولاراً‭ ‬للبرميل،‭ ‬بينمـا‭ ‬ارتفـع‭ ‬خام‭ ‬غرب‭ ‬تكساس‭ ‬الوسيط‭ ‬إلى‭ ‬69‭.‬67‭ ‬دولاراً‭ ‬للبرميل،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الأسواق‭ ‬دخلت‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الترقب،‭ ‬إذ‭ ‬بات‭ ‬المستثمرون‭ ‬يوازنون‭ ‬بين‭ ‬احتمالات‭ ‬استمرار‭ ‬الهدوء‭ ‬السياسي‭ ‬وبين‭ ‬بقاء‭ ‬بعض‭ ‬المخاطر‭ ‬الأمنية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬الإمدادات‭.‬
ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬الاستقرار‭ ‬تغيراً‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬المتعاملين‭ ‬داخل‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية،‭ ‬إذ‭ ‬أصبحت‭ ‬القرارات‭ ‬الاستثمارية‭ ‬تعتمد‭ ‬بدرجة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬تقييم‭ ‬سرعة‭ ‬تعافي‭ ‬تدفقات‭ ‬النفط،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬التركيز‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬احتمالات‭ ‬اندلاع‭ ‬مواجهات‭ ‬عسكرية‭ ‬جديدة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬محدودية‭ ‬تحركات‭ ‬الأسعار‭ ‬مقارنة‭ ‬بما‭ ‬شهدته‭ ‬الأسواق‭ ‬خلال‭ ‬ذروة‭ ‬التصعيد‭.‬

من‭ ‬التوتر‭ ‬إلى‭ ‬التهدئة
شهدت‭ ‬الأشهر‭ ‬الماضية‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الفترات‭ ‬حساسية‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬النفط‭ ‬منذ‭ ‬سنوات،‭ ‬بعدما‭ ‬أدت‭ ‬المواجهات‭ ‬العسكرية‭ ‬المتبادلة‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬مستويات‭ ‬القلق‭ ‬بشأن‭ ‬سلامة‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬الذي‭ ‬تمر‭ ‬عبره‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬صادرات‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬العالمية‭.‬
وخلال‭ ‬تلك‭ ‬الفترة،‭ ‬أضاف‭ ‬المستثمرون‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بعلاوة‭ ‬المخاطر‭ ‬إلى‭ ‬أسعار‭ ‬النفط،‭ ‬تحسباً‭ ‬لأي‭ ‬تعطيل‭ ‬واسع‭ ‬في‭ ‬الإمدادات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬الارتفاع‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬عدم‭ ‬حدوث‭ ‬نقص‭ ‬فعلي‭ ‬في‭ ‬الإنتاج‭ ‬العالمي‭.‬
لكن‭ ‬إعلان‭ ‬الاتفاق‭ ‬الأميركي‭ ‬الإيراني‭ ‬أعاد‭ ‬تغيير‭ ‬الصورة‭ ‬بصورة‭ ‬ملحوظة،‭ ‬إذ‭ ‬تراجعت‭ ‬احتمالات‭ ‬الإغلاق‭ ‬الكامل‭ ‬للمضيق،‭ ‬كما‭ ‬ارتفعت‭ ‬التوقعات‭ ‬باستمرار‭ ‬تدفق‭ ‬النفط‭ ‬الخليجي‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬خفف‭ ‬من‭ ‬حدة‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬الأسعار‭.‬
ويرى‭ ‬محللون‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬بدأت‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬التخلص‭ ‬تدريجياً‭ ‬من‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬علاوة‭ ‬المخاطر،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬انتهاء‭ ‬حالة‭ ‬الحذر،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬الأسواق‭ ‬تراقب‭ ‬أي‭ ‬تطورات‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تعطيل‭ ‬جديد‭ ‬للملاحة‭ ‬أو‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬الناقلات‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬أكد‭ ‬محللو‭ ‬مؤسسات‭ ‬مالية‭ ‬عالمية‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تواجه‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬المخاطر،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الاهتمام‭ ‬الأكبر‭ ‬أصبح‭ ‬ينصب‭ ‬على‭ ‬سرعة‭ ‬عودة‭ ‬تدفقات‭ ‬النفط‭ ‬إلى‭ ‬مستوياتها‭ ‬الطبيعية،‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬تأخير‭ ‬في‭ ‬استعادة‭ ‬الإمدادات‭ ‬قد‭ ‬يعيد‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬مسار‭ ‬الصعود‭ ‬مجدداً‭.‬

استمرار‭ ‬الشحنات‭ ‬يطمئن‭ ‬الأسواق
رغم‭ ‬الهجمات‭ ‬التي‭ ‬تعرضت‭ ‬لها‭ ‬بعض‭ ‬السفن‭ ‬التجارية‭ ‬خلال‭ ‬الأيام‭ ‬الماضية،‭ ‬فإن‭ ‬البيانات‭ ‬الملاحية‭ ‬أظهرت‭ ‬استمرار‭ ‬عمليات‭ ‬تحميل‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬من‭ ‬موانئ‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬بوتيرة‭ ‬مستقرة‭ ‬نسبياً،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬منح‭ ‬الأسواق‭ ‬قدراً‭ ‬من‭ ‬الثقة‭ ‬بأن‭ ‬الإمدادات‭ ‬لم‭ ‬تتعرض‭ ‬لاضطراب‭ ‬واسع‭ ‬النطاق‭.‬
وتكتسب‭ ‬هذه‭ ‬المؤشرات‭ ‬أهمية‭ ‬كبيرة‭ ‬لأن‭ ‬أسواق‭ ‬النفط‭ ‬لا‭ ‬تنظر‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬التطورات‭ ‬السياسية‭ ‬والعسكرية،‭ ‬وإنما‭ ‬تركز‭ ‬بصورة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬الواقع‭ ‬الميداني‭ ‬لحركة‭ ‬الناقلات،‭ ‬وحجم‭ ‬الصادرات‭ ‬الفعلية،‭ ‬ومستويات‭ ‬المخزون‭ ‬التجاري‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى‭.‬
وأظهرت‭ ‬بيانات‭ ‬الشحن‭ ‬أن‭ ‬المنتجين‭ ‬الرئيسيين‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬واصلوا‭ ‬الوفاء‭ ‬بالتزاماتهم‭ ‬التصديرية‭ ‬رغم‭ ‬الظروف‭ ‬الأمنية‭ ‬المعقدة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬حد‭ ‬من‭ ‬مخاوف‭ ‬حدوث‭ ‬نقص‭ ‬مفاجئ‭ ‬في‭ ‬المعروض‭ ‬العالمي‭.‬
كما‭ ‬ساهمت‭ ‬مرونة‭ ‬شركات‭ ‬الطاقة‭ ‬وشركات‭ ‬النقل‭ ‬البحري‭ ‬في‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬تأثير‭ ‬التصعيد،‭ ‬حيث‭ ‬اعتمدت‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬خططـاً‭ ‬تشغيليـــة‭ ‬بديلة‭ ‬وإجراءات‭ ‬أمنية‭ ‬إضافية‭ ‬لضمان‭ ‬استمرار‭ ‬حركة‭ ‬الصادرات‭ ‬دون‭ ‬توقف‭ ‬طويل‭.‬
ماذا‭ ‬تعني‭ ‬الأسعار‭ ‬الحالية؟

يعكس‭ ‬استقرار‭ ‬خام‭ ‬برنت‭ ‬فوق‭ ‬مستوى‭ ‬72‭ ‬دولاراً‭ ‬للبرميل‭ ‬مرحلة‭ ‬انتقالية‭ ‬تمر‭ ‬بها‭ ‬السوق،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الأسعار‭ ‬مدفوعة‭ ‬بالكامل‭ ‬بالمخاوف‭ ‬الجيوسياسية،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تعتمد‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬أساسيات‭ ‬العرض‭ ‬والطلب‭ ‬التقليدية‭.‬
فالأسواق‭ ‬تترقب‭ ‬حالياً‭ ‬حجم‭ ‬التعافي‭ ‬الفعلي‭ ‬للإمدادات،‭ ‬وسرعة‭ ‬استعادة‭ ‬الصادرات‭ ‬الخليجية‭ ‬لمعدلاتها‭ ‬المعتادة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تطورات‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬تعافي‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الآسيوية‭ ‬وتراجع‭ ‬معدلات‭ ‬التضخم‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتقدمة‭.‬
ويرى‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬بيوت‭ ‬الخبرة‭ ‬أن‭ ‬الأسعار‭ ‬الحالية‭ ‬تعكس‭ ‬توازناً‭ ‬نسبياً‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬العوامل،‭ ‬حيث‭ ‬يقابل‭ ‬تحسن‭ ‬الإمدادات‭ ‬استمرار‭ ‬حالة‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬بشأن‭ ‬الأوضاع‭ ‬الأمنية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمنع‭ ‬حدوث‭ ‬هبوط‭ ‬حاد‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭.‬

رجوع لأعلى