تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النفط‭ ‬يفقد‭ ‬مكاسبه‭ ‬بعد‭ ‬تحول‭ ‬مفاجئ‭ ‬في‭ ‬موقف‭ ‬واشنطن

النفط‭ ‬يفقد‭ ‬مكاسبه‭ ‬بعد‭ ‬تحول‭ ‬مفاجئ‭ ‬في‭ ‬موقف‭ ‬واشنطن

شهدت‭ ‬أسواق‭ ‬النفط‭ ‬العالمية‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الجلسات‭ ‬تقلباً‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬الأخيرة،‭ ‬بعدما‭ ‬تراجعت‭ ‬الأسعار‭ ‬بصورة‭ ‬ملحوظة‭ ‬عقب‭ ‬إعلان‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬تعليق‭ ‬ضربة‭ ‬عسكرية‭ ‬كانت‭ ‬موجهة‭ ‬ضد‭ ‬إيران،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬أعادت‭ ‬بعض‭ ‬الهدوء‭ ‬المؤقت‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬منذ‭ ‬أسابيع‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬مخاوف‭ ‬الحرب‭ ‬وتعطل‭ ‬الإمدادات‭ ‬وتهديد‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭.‬
ورغم‭ ‬أن‭ ‬التراجع‭ ‬السعري‭ ‬بدا‭ ‬واضحاً‭ ‬خلال‭ ‬تعاملات‭ ‬الثلاثاء،‭ ‬فإن‭ ‬غالبية‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬الكبرى‭ ‬والمحللين‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الانخفاض‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬نهاية‭ ‬الأزمة،‭ ‬بل‭ ‬يمثل‭ ‬هدنة‭ ‬مؤقتة‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬تعاني‭ ‬أساساً‭ ‬من‭ ‬نقص‭ ‬حاد‭ ‬في‭ ‬المعروض‭ ‬العالمي‭ ‬وتراجع‭ ‬سريع‭ ‬في‭ ‬المخزونات‭ ‬التجارية‭ ‬وارتفاع‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬المخاطر‭ ‬الجيوسياسية‭.‬
وتحاول‭ ‬الأسواق‭ ‬حالياً‭ ‬إعادة‭ ‬تقييم‭ ‬المشهد‭ ‬النفطي‭ ‬العالمي‭ ‬بين‭ ‬احتمالين‭ ‬متناقضين؛‭ ‬الأول‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬نجاح‭ ‬المسار‭ ‬التفاوضي‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وطهران‭ ‬بما‭ ‬يخفف‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬الإمدادات،‭ ‬والثاني‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬عودة‭ ‬المواجهة‭ ‬العسكرية‭ ‬أو‭ ‬استمرار‭ ‬تعطيل‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬وهو‭ ‬السيناريو‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬قياسية‭ ‬جديدة‭ ‬خلال‭ ‬الأسابيع‭ ‬المقبلة‭.‬

تهدئة‭ ‬أميركية
جاء‭ ‬التحول‭ ‬الأبرز‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬بعدما‭ ‬أعلن‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬تعليق‭ ‬هجوم‭ ‬كان‭ ‬مقرراً‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬مبرراً‭ ‬الخطوة‭ ‬بوجود‭ ‬‮«‬فرصة‭ ‬جيدة‭ ‬جداً‮»‬‭ ‬للتوصل‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬يمنع‭ ‬طهران‭ ‬من‭ ‬امتلاك‭ ‬سلاح‭ ‬نووي‭.‬
هذا‭ ‬الإعلان‭ ‬شكل‭ ‬مفاجأة‭ ‬نسبية‭ ‬للأسواق‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تتوقع‭ ‬تصعيداً‭ ‬عسكرياً‭ ‬مباشراً،‭ ‬خصوصاً‭ ‬بعد‭ ‬التوترات‭ ‬المتسارعة‭ ‬خلال‭ ‬الأيام‭ ‬الماضية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬انعكس‭ ‬فوراً‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬الخام‭ ‬التي‭ ‬فقدت‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬مكاسبها‭ ‬القوية‭ ‬المسجلة‭ ‬في‭ ‬الجلسة‭ ‬السابقة‭.‬
وانخفض‭ ‬خام‭ ‬برنت‭ ‬تسليم‭ ‬يوليو‭ ‬بنحو‭ ‬1‭.‬88‭ ‬دولار‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬1.68%‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬110‭.‬2‭ ‬دولارات‭ ‬للبرميل،‭ ‬فيما‭ ‬تراجع‭ ‬خام‭ ‬غرب‭ ‬تكساس‭ ‬الوسيط‭ ‬الأميركي‭ ‬إلى‭ ‬103‭.‬2‭ ‬دولارات‭ ‬للبرميل‭.‬
وكان‭ ‬الخامان‭ ‬القياسيان‭ ‬قد‭ ‬بلغا‭ ‬في‭ ‬الجلسات‭ ‬السابقة‭ ‬أعلى‭ ‬مستوياتهما‭ ‬منذ‭ ‬مطلع‭ ‬مايو،‭ ‬مدفوعين‭ ‬بمخاوف‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬انقطاع‭ ‬الإمدادات‭ ‬نتيجة‭ ‬الحرب‭ ‬والتوترات‭ ‬في‭ ‬الخليج‭.‬
لكن‭ ‬الأسواق‭ ‬تعاملت‭ ‬مع‭ ‬تصريحات‭ ‬ترامب‭ ‬باعتبارها‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬احتمال‭ ‬تراجع‭ ‬خطر‭ ‬المواجهة‭ ‬المباشرة،‭ ‬ولو‭ ‬مؤقتاً،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬عمليات‭ ‬بيع‭ ‬سريعة‭ ‬لجني‭ ‬الأرباح‭ ‬بعد‭ ‬الارتفاعات‭ ‬الحادة‭ ‬الأخيرة‭.‬

هرمز‭ ‬في‭ ‬الواجهة
رغم‭ ‬تراجع‭ ‬الأسعار،‭ ‬فإن‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬بقي‭ ‬العامل‭ ‬الأكثر‭ ‬حساسية‭ ‬في‭ ‬تسعير‭ ‬النفط‭ ‬العالمي‭.‬
فالممر‭ ‬البحري‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعبر‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬نحو‭ ‬خمس‭ ‬إمدادات‭ ‬النفط‭ ‬العالمية‭ ‬قبل‭ ‬الحرب،‭ ‬يشهد‭ ‬حالياً‭ ‬اضطرابات‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬الشحن،‭ ‬وسط‭ ‬تقارير‭ ‬عن‭ ‬إغلاق‭ ‬شبه‭ ‬كامل‭ ‬للمضيق‭ ‬وارتفاع‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬تكاليف‭ ‬التأمين‭ ‬والشحن‭ ‬البحري‭.‬
وتخشى‭ ‬الأسواق‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬استمرار‭ ‬التوتر‭ ‬إلى‭ ‬تعطيل‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬لصادرات‭ ‬الخليج،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يخلق‭ ‬أزمة‭ ‬طاقة‭ ‬عالمية‭ ‬تتجاوز‭ ‬في‭ ‬حدتها‭ ‬الأزمات‭ ‬السابقة‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬الأسواق‭ ‬تراقب‭ ‬عن‭ ‬كثب‭ ‬حركة‭ ‬ناقلات‭ ‬النفط‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬باعتبارها‭ ‬مؤشراً‭ ‬مباشراً‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المخاطر‭ ‬الحقيقية‭.‬
وأشار‭ ‬محلل‭ ‬الأسواق‭ ‬في‭ ‬‮«‬كيه‭ ‬سي‭ ‬إم‭ ‬تريد‮»‬‭ ‬تيم‭ ‬ووترر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تصريحات‭ ‬ترامب‭ ‬خففت‭ ‬بعض‭ ‬الضغط‭ ‬الفوري،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تلغ‭ ‬المخاطر‭ ‬الأساسية،‭ ‬موضحاً‭ ‬أن‭ ‬الأسواق‭ ‬تنتظر‭ ‬معرفة‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬واشنطن‭ ‬تتجه‭ ‬فعلاً‭ ‬نحو‭ ‬التهدئة‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬مجرد‭ ‬توقف‭ ‬تكتيكي‭ ‬قصير‭ ‬قبل‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬التصعيد‭.‬
وأضاف‭ ‬أن‭ ‬رد‭ ‬الفعل‭ ‬الإيراني‭ ‬وطبيعة‭ ‬حركة‭ ‬الناقلات‭ ‬عبر‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬سيكونان‭ ‬العاملين‭ ‬الحاسمين‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬اتجاه‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬خلال‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭.‬

النفط‭ ‬الروسي
في‭ ‬تطور‭ ‬آخر‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬تهدئة‭ ‬الأسواق‭ ‬نسبياً،‭ ‬أعلنت‭ ‬وزارة‭ ‬الخزانة‭ ‬الأميركية‭ ‬تمديد‭ ‬الإعفاء‭ ‬من‭ ‬العقوبات‭ ‬الذي‭ ‬يسمح‭ ‬بشراء‭ ‬النفط‭ ‬الروسي‭ ‬المنقول‭ ‬بحراً‭ ‬لمدة‭ ‬30‭ ‬يوماً‭ ‬إضافية‭.‬
وقال‭ ‬وزير‭ ‬الخزانة‭ ‬الأميركي‭ ‬سكوت‭ ‬بيسنت‭ ‬إن‭ ‬القرار‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬مساعدة‭ ‬الدول‭ ‬المعرضة‭ ‬لخطر‭ ‬نقص‭ ‬الطاقة،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬القلق‭ ‬المتزايد‭ ‬من‭ ‬حدوث‭ ‬أزمة‭ ‬إمدادات‭ ‬عالمية‭.‬
ويحمل‭ ‬القرار‭ ‬دلالات‭ ‬مهمة،‭ ‬إذ‭ ‬يعكس‭ ‬إدراك‭ ‬واشنطن‭ ‬أن‭ ‬تشديد‭ ‬القيود‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬الروسي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التوقيت‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاعات‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬الأسعار،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬تعطل‭ ‬الإمدادات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بإيران‭ ‬والخليج‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬الإعفاء‭ ‬الأميركي‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬تدفق‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬الروسي‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يقلل‭ ‬نسبياً‭ ‬من‭ ‬حدة‭ ‬العجز‭ ‬الحالي‭.‬
وتشير‭ ‬تقديرات‭ ‬الأسواق‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬النفط‭ ‬الروسي‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يلعب‭ ‬دوراً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬توازن‭ ‬العرض‭ ‬والطلب‭ ‬العالميين،‭ ‬خصوصاً‭ ‬بالنسبة‭ ‬للأسواق‭ ‬الآسيوية‭ ‬وبعض‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الناشئة‭.‬

عجز‭ ‬تاريخي
ورغم‭ ‬محاولات‭ ‬التهدئة‭ ‬السياسية‭ ‬والإفراج‭ ‬عن‭ ‬الاحتياطيات،‭ ‬فإن‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬الكبرى‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬سوق‭ ‬النفط‭ ‬تواجه‭ ‬أزمة‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬المعروض‭.‬
وحذر‭ ‬بنك‭ ‬أوف‭ ‬أميركا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الأسعار‭ ‬قد‭ ‬تبقى‭ ‬مرتفعة‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة،‭ ‬متوقعاً‭ ‬أن‭ ‬يبلغ‭ ‬متوسط‭ ‬خام‭ ‬برنت‭ ‬نحو‭ ‬90‭ ‬دولاراً‭ ‬للبرميل‭ ‬حتى‭ ‬نهاية‭ ‬العام‭ ‬الحالي‭.‬
وأوضح‭ ‬البنك‭ ‬أن‭ ‬السيناريو‭ ‬الحالي‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬احتمال‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬120‭ ‬و130‭ ‬دولاراً‭ ‬للبرميل‭ ‬بحلول‭ ‬نهاية‭ ‬يونيو‭ ‬أو‭ ‬بداية‭ ‬يوليو‭ ‬إذا‭ ‬استمرت‭ ‬الأزمة‭ ‬دون‭ ‬حل‭.‬
وأشار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬العالمية‭ ‬تعاني‭ ‬حالياً‭ ‬من‭ ‬عجز‭ ‬ضخم‭ ‬في‭ ‬الإمدادات‭ ‬يتراوح‭ ‬بين‭ ‬14‭ ‬و15‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬يومياً،‭ ‬وهو‭ ‬مستوى‭ ‬يعتبر‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الأعلى‭ ‬تاريخياً‭.‬
ويعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬يستهلك‭ ‬نفطاً‭ ‬أكثر‭ ‬بكثير‭ ‬مما‭ ‬يتم‭ ‬ضخه‭ ‬فعلياً،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬استنزاف‭ ‬سريع‭ ‬للمخزونات‭ ‬التجارية‭ ‬والاحتياطيات‭ ‬الاستراتيجية‭.‬
وأكد‭ ‬البنك‭ ‬أن‭ ‬عودة‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬60‭ ‬و70‭ ‬دولاراً‭ ‬للبرميل‭ ‬تبدو‭ ‬شبه‭ ‬مستحيلة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬تحول‭ ‬جذري‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬أو‭ ‬زيادة‭ ‬ضخمة‭ ‬في‭ ‬الإنتاج‭ ‬العالمي‭.‬
كما‭ ‬حذر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬السيناريو‭ ‬الأسوأ‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬توسع‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬لتشمل‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬النفطية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يسبب‭ ‬اضطرابات‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬في‭ ‬الإمدادات‭ ‬العالمية‭.‬

السحب‭ ‬الأميركي
وفي‭ ‬محاولة‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار،‭ ‬لجأت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬السحب‭ ‬المكثف‭ ‬من‭ ‬الاحتياطي‭ ‬البترولي‭ ‬الاستراتيجي‭.‬
وأظهرت‭ ‬بيانات‭ ‬وزارة‭ ‬الطاقة‭ ‬الأميركية‭ ‬سحب‭ ‬9‭.‬9‭ ‬ملايين‭ ‬برميل‭ ‬خلال‭ ‬أسبوع‭ ‬واحد‭ ‬فقط،‭ ‬في‭ ‬أكبر‭ ‬سحب‭ ‬أسبوعي‭ ‬مسجل،‭ ‬ما‭ ‬خفض‭ ‬إجمالي‭ ‬المخزونات‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬374‭ ‬مليون‭ ‬برميل،‭ ‬وهو‭ ‬أدنى‭ ‬مستوى‭ ‬منذ‭ ‬يوليو‭ ‬2024‭.‬
وتأتي‭ ‬الخطوة‭ ‬ضمن‭ ‬خطة‭ ‬أميركية‭ ‬للإفراج‭ ‬عن‭ ‬172‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬من‭ ‬الاحتياطي‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة،‭ ‬بالتنسيق‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬‮«‬الوكالة‭ ‬الدولية‭ ‬للطاقة‮»‬‭.‬
كما‭ ‬تشارك‭ ‬32‭ ‬دولة‭ ‬في‭ ‬خطة‭ ‬جماعية‭ ‬لإطلاق‭ ‬نحو‭ ‬400‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬من‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬بهدف‭ ‬تهدئة‭ ‬الأسواق‭ ‬وتخفيف‭ ‬الضغوط‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬الحرب‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬وتعطل‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬هرمز‭.‬
لكن‭ ‬رغم‭ ‬هذه‭ ‬التحركات،‭ ‬يشكك‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المحللين‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬وحدها‭ ‬على‭ ‬معالجة‭ ‬الأزمة‭.‬
فالاحتياطي‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬مصمم‭ ‬أساساً‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬صدمات‭ ‬مؤقتة،‭ ‬وليس‭ ‬لتعويض‭ ‬نقص‭ ‬مستدام‭ ‬وكبير‭ ‬في‭ ‬الإمدادات‭ ‬العالمية‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬السحب‭ ‬بوتيرة‭ ‬مرتفعة‭ ‬قد‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬أي‭ ‬أزمات‭ ‬مستقبلية‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭.‬

استنزاف‭ ‬المخزونات
القلق‭ ‬الأكبر‭ ‬حالياً‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬فقط‭ ‬بالأسعار،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬بسرعة‭ ‬تراجع‭ ‬المخزونات‭ ‬العالمية‭.‬
فقد‭ ‬حذر‭ ‬رئيس‭ ‬وكالة‭ ‬الطاقة‭ ‬الدولية‭ ‬فاتح‭ ‬بيرول‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬المخزونات‭ ‬التجارية‭ ‬للنفط‭ ‬تتراجع‭ ‬بوتيرة‭ ‬سريعة‭ ‬للغاية،‭ ‬ولم‭ ‬يتبق‭ ‬منها‭ ‬سوى‭ ‬إمدادات‭ ‬تكفي‭ ‬لأسابيع‭ ‬قليلة‭.‬
وأضاف‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬تعيش‭ ‬حالة‭ ‬استنزاف‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬نتيجة‭ ‬الحرب‭ ‬وتعطل‭ ‬الشحنات‭ ‬وارتفاع‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي‭ ‬مقارنة‭ ‬بالمعروض‭ ‬المتاح‭.‬
وأفادت‭ ‬الوكالة‭ ‬الدولية‭ ‬للطاقة‭ ‬بأن‭ ‬المخزونات‭ ‬العالمية‭ ‬المرصودة‭ ‬انخفضت‭ ‬خلال‭ ‬مارس‭ ‬وأبريل‭ ‬بنحو‭ ‬246‭ ‬مليون‭ ‬برميل،‭ ‬وهو‭ ‬تراجع‭ ‬يوصف‭ ‬بأنه‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الأسرع‭ ‬تاريخياً‭.‬

ضغوط‭ ‬التضخم
ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬لا‭ ‬يهدد‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬تأثيره‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬بأكمله‭.‬
فالنفط‭ ‬يمثل‭ ‬عنصراً‭ ‬أساسياً‭ ‬في‭ ‬تكلفة‭ ‬النقل‭ ‬والصناعة‭ ‬والطاقة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬استمرار‭ ‬الأسعار‭ ‬عند‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬موجة‭ ‬تضخم‭ ‬عالمية‭ ‬جديدة‭.‬
وتخشى‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬تعطيل‭ ‬خطط‭ ‬خفض‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وأوروبا‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬الطاقة‭ ‬قد‭ ‬يضغط‭ ‬على‭ ‬معدلات‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي،‭ ‬ويزيد‭ ‬من‭ ‬أعباء‭ ‬الدول‭ ‬المستوردة‭ ‬للنفط،‭ ‬خاصة‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الناشئة‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تستفيد‭ ‬الدول‭ ‬المصدرة‭ ‬للنفط‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬عبر‭ ‬زيادة‭ ‬الإيرادات‭ ‬النفطية،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬المكاسب‭ ‬قد‭ ‬تترافق‭ ‬مع‭ ‬مخاطر‭ ‬جيوسياسية‭ ‬واستثمارية‭ ‬متزايدة‭.‬

رهان‭ ‬الأسواق
تعيش‭ ‬الأسواق‭ ‬النفطية‭ ‬حالياً‭ ‬حالة‭ ‬ترقب‭ ‬شديدة،‭ ‬إذ‭ ‬يراقب‭ ‬المستثمرون‭ ‬كل‭ ‬تصريح‭ ‬سياسي‭ ‬وكل‭ ‬تحرك‭ ‬عسكري‭ ‬وكل‭ ‬ناقلة‭ ‬تمر‭ ‬عبر‭ ‬الخليج‭.‬
ويبدو‭ ‬واضحاً‭ ‬أن‭ ‬التهدئة‭ ‬الحالية‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬هشة‭ ‬وقابلة‭ ‬للانهيار‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬لحظة‭.‬
فإذا‭ ‬نجحت‭ ‬المحادثات‭ ‬الأميركية‭ ‬الإيرانية‭ ‬وجرى‭ ‬تخفيف‭ ‬القيود‭ ‬على‭ ‬الصادرات‭ ‬النفطية،‭ ‬فقد‭ ‬تشهد‭ ‬الأسعار‭ ‬بعض‭ ‬التراجع‭ ‬التدريجي‭.‬
أما‭ ‬إذا‭ ‬فشلت‭ ‬المفاوضات‭ ‬أو‭ ‬توسعت‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬أو‭ ‬استمر‭ ‬تعطيل‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬هرمز،‭ ‬فقد‭ ‬تدخل‭ ‬الأسواق‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الارتفاعات‭ ‬الحادة‭ ‬وربما‭ ‬أزمة‭ ‬طاقة‭ ‬عالمية‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق‭.‬

رجوع لأعلى