النفط يفقد مكاسب الحرب..والأسواق تعيد تسعير المخاطر
تتجه أسواق النفط العالمية إلى إنهاء الربع الثاني من عام 2026 على واحدة من أكبر الخسائر الفصلية منذ ذروة جائحة كورونا في عام 2020، بعدما تراجعت الأسعار بصورة حادة مع انحسار المخاوف الجيوسياسية تدريجياً وعودة جزء كبير من تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، في وقت لا تزال فيه الأسواق تراقب بحذر مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، وإمكانية انتقال وقف إطلاق النار المؤقت إلى مرحلة أكثر استقراراً.
وجاءت موجة التراجع الأخيرة بعد أسابيع من التقلبات الحادة التي دفعت أسعار الخام إلى مستويات مرتفعة بفعل الحرب التي استمرت أربعة أشهر، قبل أن تتبدد علاوة المخاطر تدريجياً مع انحسار التوترات العسكرية وعودة حركة الملاحة البحرية إلى التحسن، الأمر الذي أعاد تركيز المستثمرين على أساسيات السوق المتمثلة في العرض والطلب والمخزونات العالمية.
وتراجعت العقود الآجلة لخام برنت تسليم أغسطس بنسبة 0.41% لتصل إلى 72.85 دولاراً للبرميل، بينما انخفض عقد سبتمبر الأكثر تداولاً إلى 73.84 دولاراً، في حين هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 70.62 دولاراً للبرميل، ليواصل الخام الأميركي تسجيل ثاني انخفاض شهري متتالٍ.
وتشير البيانات إلى أن خام برنت فقد نحو 21% من قيمته منذ بداية يونيو، بينما تراجع خام غرب تكساس بنحو 20% خلال الفترة نفسها، في انعكاس واضح لتراجع علاوة المخاطر التي سيطرت على السوق طوال الأشهر الماضية.
أكبر خسائر فصلية منذ الجائحة
تمثل خسائر الربع الحالي تحولاً لافتاً في اتجاه السوق مقارنة بالأشهر الأولى من العام، إذ كانت أسعار النفط قد سجلت مكاسب قوية مع تصاعد الحرب وارتفاع احتمالات تعطل الإمدادات القادمة من منطقة الخليج العربي.
لكن مع بدء تنفيذ وقف إطلاق النار المؤقت، بدأت الأسواق تعيد تقييم المخاطر الفعلية، لتنتقل من التركيز على احتمالات نقص الإمدادات إلى تقييم حجم الفائض المتوقع في السوق العالمية خلال الأعوام المقبلة.
ويرى محللون أن الانخفاض الحالي لا يرتبط فقط بالأوضاع السياسية، وإنما أيضاً بإعادة تسعير المخاطر التي أضيفت إلى أسعار النفط خلال فترة الحرب، حيث كانت الأسواق قد وضعت احتمالات مرتفعة لتعطل الصادرات النفطية من الخليج، إلا أن هذه المخاوف تراجعت بصورة ملموسة خلال الأسابيع الأخيرة.
كما أن استقرار تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز أسهم في تهدئة الأسواق، خصوصاً مع استمرار المنتجين في تحميل الشحنات رغم التوترات الأمنية التي شهدتها المنطقة.
هرمز يعود تدريجياً إلى طبيعته
شكل مضيق هرمز محور الاهتمام الرئيسي للأسواق طوال الأشهر الماضية، باعتباره الممر البحري الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية.
ورغم استمرار وقوع بعض الحوادث الأمنية وتبادل الضربات المحدودة، فإن بيانات قطاع الشحن أظهرت تحسناً واضحاً في حركة الملاحة، حيث سجل الأسبوع الماضي أعلى مستويات النشاط منذ اندلاع الصراع في نهاية فبراير.
ويعكس هذا التطور عودة الثقة التدريجية لشركات النقل البحري وشركات التأمين، رغم استمرار ارتفاع تكاليف التأمين مقارنة بالمستويات الطبيعية.
كما بدأت شركات الطاقة العالمية في إعادة جدولة عمليات الشحن بصورة أكثر انتظاماً، وهو ما انعكس مباشرة على استقرار الإمدادات العالمية.
وفي المقابل، لا تزال السلطات الإيرانية تعمل على إعادة تنظيم مسارات الملاحة داخل المضيق، حيث أعلنت طهران بدء محادثات فنية مع الجانب العماني لإعادة تحديد مسارات العبور، مع تأكيدها العمل على منع السفن من الخروج عن الممرات المحددة.
ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات تستهدف تعزيز سلامة الملاحة أكثر من كونها قيوداً على حركة التجارة، إلا أنها تعكس استمرار الحساسية الأمنية في المنطقة.
غموض سياسي يفرض الحذر
رغم التهدئة العسكرية، لا تزال الضبابية السياسية تلقي بظلالها على أسواق الطاقة.
وكانت التوقعات تشير إلى إمكانية عقد مفاوضات جديدة بين الولايات المتحدة وإيران في العاصمة القطرية الدوحة، إلا أن طهران سارعت إلى نفي وجود أي اجتماعات مقررة مع الجانب الأميركي خلال الأيام المقبلة.
وأدى هذا التباين في التصريحات إلى زيادة حالة عدم اليقين، إذ يخشى المستثمرون من إمكانية انهيار وقف إطلاق النار أو عودة التصعيد العسكري بصورة مفاجئة.
وتؤكد المؤسسات الاستثمارية أن الأسواق أصبحت أكثر حساسية تجاه التصريحات السياسية، بعدما أثبتت الأشهر الماضية أن أي تطور ميداني قادر على تحريك أسعار النفط بعشرات الدولارات خلال فترة قصيرة.
وترى محللة الأسواق في شركة «إكس.إس دوت كوم» رانيا جول أن التهدئة الأخيرة تمثل تطوراً إيجابياً للأسواق العالمية، لكنها لا تعني انتهاء حالة الضبابية التي تحيط بقطاع الطاقة.
كما يشير محللون إلى أن المستثمرين يتعاملون مع المرحلة الحالية باعتبارها فترة اختبار حقيقية لمدى صمود الاتفاقات السياسية، خصوصاً مع استمرار وجود ملفات عالقة تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية.
مورغان ستانلي يتوقع فائضاً كبيراً
في المقابل، اتخذ بنك مورغان ستانلي موقفاً أكثر تحفظاً تجاه مستقبل الأسعار.
وخفض البنك توقعاته لخام برنت خلال عام 2027 بمقدار خمسة دولارات للبرميل، متوقعاً أن يبلغ متوسط السعر نحو 75 دولاراً في النصف الأول من العام، قبل أن يتراجع إلى نحو 70 دولاراً في النصف الثاني.
ويستند هذا السيناريو إلى توقعات بارتفاع المخزونات التجارية لدى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إضافة إلى استمرار نمو الإمدادات العالمية بوتيرة تفوق نمو الطلب.
كما توقع البنك فائضاً ضمنياً في سوق النفط العالمية يبلغ نحو 4.8 مليون برميل يومياً خلال عام 2027، وهو مستوى يعكس ضغوطاً كبيرة على الأسعار إذا لم يقابله نمو قوي في الاستهلاك العالمي.
وتعزز هذه التوقعات الاعتقاد بأن سوق النفط قد تدخل مرحلة أكثر هدوءاً مقارنة بالأعوام الماضية، مع تراجع تأثير العوامل الجيوسياسية وعودة العوامل الاقتصادية إلى قيادة حركة الأسعار.
المستثمرون يعيدون حساباتهم
شهدت الأسابيع الماضية تغيراً واضحاً في سلوك المستثمرين داخل أسواق الطاقة.
فبعد أن كانت الصناديق الاستثمارية تبني مراكزها على أساس توقع استمرار الحرب وتعطل الإمدادات، بدأت حالياً في تقليص رهاناتها على ارتفاع الأسعار.
كما ارتفعت عمليات جني الأرباح بصورة ملحوظة، بالتزامن مع انخفاض الطلب على عقود التحوط ضد المخاطر الجيوسياسية.
ويرى متعاملون أن الأسواق دخلت مرحلة جديدة أصبحت فيها البيانات الاقتصادية، مثل مستويات المخزون والإنتاج العالمي ومعدلات الطلب الصناعي، أكثر تأثيراً من الأخبار العسكرية اليومية.
في الوقت نفسه، لا تزال الأسواق تراقب تطورات الاقتصاد العالمي، خصوصاً أداء الاقتصادات الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين، باعتبارهما أكبر مستهلكين للطاقة.
تأثير مباشر على اقتصادات الخليج
بالنسبة للدول الخليجية، لا تزال الأسعار الحالية ضمن مستويات داعمة للإيرادات العامة، رغم التراجع الكبير مقارنة بذروة الحرب.
إلا أن استمرار الأسعار بالقرب من مستويات السبعين دولاراً قد يدفع بعض الحكومات إلى تعزيز سياسات ضبط الإنفاق إذا استمرت الضغوط لفترة طويلة.
وفي المقابل، فإن عودة الاستقرار إلى حركة الملاحة وتراجع تكاليف التأمين والشحن تمثل عوامل إيجابية للصادرات النفطية، وقد تعوض جزئياً أثر انخفاض الأسعار.
كما أن استقرار تدفقات النفط يعزز ثقة المستثمرين في قطاع الطاقة الخليجي، ويحد من المخاوف المرتبطة باستمرار الاضطرابات الإقليمية.