النفط يقفز مع تصاعد المواجهة الأميركية الإيرانية
قفزت أسعار النفط العالمية بأكثر من 2% خلال تعاملات الاثنين، بعدما أعادت الضربات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية، في وقت عاد فيه مضيق هرمز إلى واجهة الأحداث باعتباره أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتدفقات النفط والغاز في العالم. وأثارت التطورات العسكرية الأخيرة موجة من القلق في الأسواق، دفعت المستثمرين إلى إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية، وسط ترقب واسع لاحتمالات اتساع رقعة المواجهة وانعكاساتها على حركة الشحن البحري وإمدادات الخام.
قفزة الأسعار
وسجلت العقود الآجلة لخام برنت ارتفاعاً بنحو 1.54 دولار، بما يعادل 2.03 %، لتصل إلى 77.55 دولاراً للبرميل، فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بمقدار 1.50 دولار أو 2.10 % ليسجل 72.91 دولاراً للبرميل، في انعكاس مباشر لحالة القلق التي سيطرت على الأسواق مع استمرار التصعيد العسكري وتزايد المخاوف من تعطل أحد أهم شرايين تجارة الطاقة العالمية.
ويأتي هذا الارتفاع بعد سلسلة من الضربات المتبادلة بين واشنطن وطهران خلال عطلة نهاية الأسبوع، إذ استهدفت إيران منشآت أميركية في منطقة الخليج، بينما أعلن الحرس الثوري الإيراني تنفيذ هجمات ضد قواعد عسكرية أميركية في الكويت والبحرين، الأمر الذي رفع مستوى المخاطر الأمنية في المنطقة وأعاد المستثمرين إلى البحث عن الأصول المرتبطة بالطاقة تحسباً لأي اضطرابات إضافية.
ولم يقتصر تأثير التطورات الأخيرة على أسواق النفط فقط، بل امتد إلى معنويات المستثمرين في مختلف الأسواق العالمية، إذ ارتفعت علاوة المخاطر المرتبطة بالطاقة والنقل البحري، بينما اتجهت بعض المحافظ الاستثمارية إلى زيادة مراكزها في السلع الأولية تحسباً لاستمرار حالة عدم اليقين. ويؤكد ذلك أن الأسواق أصبحت تتفاعل بسرعة مع أي تطورات ميدانية في منطقة الخليج، نظراً للدور المحوري الذي تلعبه في توازن العرض والطلب العالميين.
مخاوف المضيق
ويظل مضيق هرمز محور الاهتمام الرئيسي في أسواق النفط، نظراً إلى أنه يشكل ممراً أساسياً لنحو خمس الإمدادات اليومية العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال قبل اندلاع الصراع الحالي. وأي اضطراب في حركة الملاحة داخله ينعكس سريعاً على الأسعار العالمية بسبب أهميته الاستراتيجية للدول المنتجة والمستهلكة على حد سواء.
وأظهرت بيانات ملاحية تراجع حركة السفن العابرة للمضيق إلى أدنى مستوياتها خلال خمسة أسابيع، فيما أوضحت شركة «كبلر» أن ست سفن فقط عبرت المضيق أمس الأحد، وهو انخفاض لافت يعكس حالة الحذر التي تسيطر على شركات الشحن البحري نتيجة المخاطر الأمنية المتزايدة.
وأشار محللو بنك «إيه.إن.زد» إلى أن شركات النقل البحري أصبحت أكثر تحفظاً في التعامل مع المنطقة، مع تباطؤ دخول السفن وارتفاع مستوى التدقيق الأمني، وهو ما يزيد من احتمالات تأخر الشحنات وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، بما قد ينعكس لاحقاً على أسعار الطاقة عالمياً.
ويرى مراقبون أن استمرار تراجع حركة السفن عبر المضيق قد ينعكس على تكاليف الشحن البحري ورسوم التأمين، وهو ما قد يضيف أعباءً جديدة على تجارة الطاقة العالمية إذا طال أمد التوترات. كما أن أي انخفاض في وتيرة مرور الناقلات قد يدفع المشترين إلى البحث عن مصادر بديلة للإمدادات أو الاعتماد بصورة أكبر على المخزونات التجارية والاستراتيجية.
وفرة المعروض
ورغم الارتفاع الحالي للأسعار، فإن أساسيات السوق لا تزال تشير إلى وجود وفرة نسبية في الإمدادات العالمية. فقد أوضحت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها الشهري أن المعروض العالمي من النفط ارتفع خلال يونيو بنحو 4.1 ملايين برميل يومياً عقب الاتفاق المؤقت بين واشنطن وطهران، إلا أنه بقي أقل بحوالي 9.4 ملايين برميل يومياً مقارنة بالمستويات المسجلة قبل اندلاع الحرب.
وتشير هذه الأرقام إلى أن السوق ما زالت تتعامل مع فجوة في الإمدادات مقارنة بما كانت عليه سابقاً، رغم تحسن الإنتاج نسبياً، وهو ما يجعل الأسعار أكثر حساسية لأي تطورات أمنية أو عسكرية في منطقة الخليج.
كما أن استمرار حالة عدم اليقين يدفع المتعاملين إلى التركيز بصورة أكبر على المخاطر الجيوسياسية بدلاً من مؤشرات العرض والطلب التقليدية، وهو ما يفسر سرعة استجابة الأسعار للأحداث الميدانية الأخيرة.
ورغم أن مستويات الإنتاج الحالية توفر قدراً من المرونة للأسواق، فإن المحللين يشيرون إلى أن استمرار التصعيد العسكري قد يطغى على تأثير وفرة المعروض، إذ غالباً ما تتفاعل أسعار النفط مع المخاطر المحتملة قبل وقوع أي نقص فعلي في الإمدادات. لذلك تبقى التطورات السياسية والأمنية عاملاً حاسماً في رسم اتجاهات السوق خلال الفترة المقبلة.
صادرات إيران
وفي الوقت نفسه، تتزايد كميات النفط الإيراني العالقة في البحر بعدما رفعت طهران صادراتها عقب الاتفاق المؤقت مع الولايات المتحدة، غير أن عمليات البيع تواجه تباطؤاً ملحوظاً، مع توجه عدد من المصافي المستقلة في الصين إلى شراء خامات أقل سعراً من العراق والإمارات وقطر.
ويعكس هذا المشهد استمرار المنافسة القوية بين المنتجين على الأسواق الآسيوية، خصوصاً في الصين التي تعد أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، حيث تلعب فروقات الأسعار دوراً حاسماً في قرارات الشراء، حتى في ظل التوترات الجيوسياسية.
وفي سياق متصل، أعلنت شركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك» تحديد سعر البيع الرسمي لخام موربان تسليم أغسطس عند 80.01 دولاراً للبرميل، مقارنة مع 101.48 دولار للبرميل في الشهر السابق، في خطوة تعكس التغيرات التي شهدتها السوق خلال الفترة الأخيرة.
أسواق تترقب التطورات
المقبلة بحذر شديد
تتجه الأنظار خلال الأيام المقبلة إلى تطورات المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، باعتبارها العامل الأكثر تأثيراً في مسار أسواق النفط العالمية. وبينما لا تزال الإمدادات العالمية تتمتع بقدر من الوفرة، فإن استمرار التوترات حول مضيق هرمز يبقي المخاطر الجيوسياسية في صدارة اهتمامات المستثمرين والمتعاملين. ومن المرجح أن تظل الأسعار شديدة الحساسية لأي تطور ميداني أو سياسي جديد، في وقت تراقب فيه الأسواق حركة الملاحة البحرية، ومستوى تدفقات الخام، ومستقبل المفاوضات بين الجانبين، باعتبارها عوامل ستحدد اتجاه أسعار النفط خلال المرحلة المقبلة.