النفط يقفز.. والأسواق تدخل مرحلة «الخطر المفتوح»
دخلت أسواق النفط العالمية مرحلة جديدة من التوتر الحاد بعد عودة الشكوك حول إمكانية صمود وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، في تطور أعاد إلى الواجهة واحدة من أخطر الأزمات الجيوسياسية المرتبطة بالطاقة خلال السنوات الأخيرة، وبينما كانت الأسواق تراهن خلال الأسابيع الماضية على إمكانية تثبيت الهدنة المؤقتة وعودة تدريجية لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، جاءت التصريحات الأمريكية الأخيرة لتنسف جانباً مهماً من تلك التوقعات، بعدما وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الهدنة بأنها «تعيش على أجهزة الإنعاش»، في إشارة واضحة إلى هشاشة التفاهمات الحالية واحتمال انهيارها في أي لحظة.
هذا التحول السياسي انعكس فوراً على أسعار الخام، إذ ارتفع خام «برنت» مجددًا مقتربًا من مستوى 105 دولارات للبرميل، بينما اقترب خام «غرب تكساس» الأمريكي من حاجز 99 دولاراً، وسط موجة شراء واسعة أعادت تسعير المخاطر الجيوسياسية داخل أسواق الطاقة العالمية. ولم يعد الارتفاع مرتبطًا فقط بالمخاوف التقليدية من تعطل الإمدادات، بل بات يعكس إدراكاً متزايداً لدى المتعاملين بأن الأزمة الحالية قد تتحول إلى «وضع طبيعي جديد»، تتعايش فيه الأسواق مع اضطرابات مستمرة في الخليج بدل انتظار انفراج سريع يعيد الاستقرار للأسعار والتدفقات التجارية.
نقطة اختناق عالمية
منذ بداية التصعيد، تحول مضيق هرمز مجدداً إلى مركز الثقل الأخطر داخل معادلة الطاقة الدولية. فالممر البحري الذي يعبر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية أصبح عملياً يعمل بقدرة محدودة للغاية نتيجة التهديدات الأمنية والهجمات المتقطعة على السفن، ما أدى إلى تعطيل واسع في حركة الشحن ورفع تكاليف التأمين والنقل البحري بصورة غير مسبوقة منذ سنوات.
وتزداد خطورة الأزمة الحالية لأن تأثيرها لا يقتصر على النفط الخام فقط، بل يمتد إلى الغاز الطبيعي والمنتجات المكررة والبتروكيماويات، وهي سلع تعتمد عليها اقتصادات آسيوية وأوروبية بصورة مباشرة. لذلك فإن أي اضطراب طويل الأمد في هرمز لا يعني فقط ارتفاع أسعار الطاقة، بل يهدد بإعادة إشعال موجة تضخم عالمية جديدة في وقت لم تتعافَ فيه اقتصادات كبرى بالكامل من آثار التضخم السابقة وارتفاع أسعار الفائدة.
وتدرك الأسواق أن البدائل اللوجستية الحالية لا تستطيع تعويض الإغلاق الكامل أو شبه الكامل للمضيق لفترات طويلة. فحتى مع وجود خطوط أنابيب بديلة وموانئ على البحر الأحمر، تبقى القدرة الاستيعابية محدودة مقارنة بالكميات الضخمة التي تمر يومياً عبر الخليج، وهذا ما يفسر الحساسية المفرطة التي أظهرتها الأسعار تجاه أي تصريح سياسي أو أمني مرتبط بالمفاوضات بين واشنطن وطهران.
الصين في قلب المعركة النفطية
أصبحت الصين الطرف الاقتصادي الأكثر تأثرًا بالأزمة الحالية، ليس فقط لأنها أكبر مستورد للنفط عالمياً، بل لأنها أيضًا أكبر مشترٍ للخام الإيراني. ومع تعطل جزء من الإمدادات وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، بدأت بكين بالفعل تخفيض وارداتها النفطية القادمة عبر الخليج، ما أدى إلى هبوط واردات النفط الصينية إلى أدنى مستوياتها منذ أربع سنوات.
لكن المشكلة بالنسبة للصين لا تتعلق فقط بالكميات، بل بتكلفة الطاقة وتأثيرها على الاقتصاد الصناعي. فالاقتصاد الصيني يعتمد على أسعار مستقرة للطاقة للحفاظ على تنافسية قطاع التصنيع والتصدير، وأي ارتفاع طويل الأمد في النفط قد يضغط على معدلات النمو ويزيد من الأعباء على الشركات الصناعية.
ولهذا السبب، يتوقع أن يحتل الملف الإيراني مساحة مهمة خلال اللقاء المرتقب بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جين بينغ. فواشنطن تريد من بكين ممارسة ضغوط أكبر على طهران، بينما تحاول الصين تجنب الانخراط المباشر في الصراع مع الحفاظ على تدفق الطاقة بأسعار مقبولة.
كما تدرك بكين أن استمرار الأزمة قد يدفع الولايات المتحدة لإعادة رسم توازنات الطاقة والتجارة في آسيا بصورة تؤثر على المصالح الصينية طويلة الأمد، خاصة إذا توسعت العقوبات أو ازدادت القيود على التجارة النفطية المرتبطة بإيران.
اختبار الإمدادات
داخل الخليج، تتحرك شركات الطاقة الكبرى لمحاولة احتواء آثار الأزمة والحفاظ على تدفق الإمدادات للأسواق العالمية. وفي مقدمة هذه الشركات تأتي أرامكو التي بدأت بالفعل إعادة توجيه جزء من صادراتها النفطية عبر موانئ البحر الأحمر لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز.
كما كشف الرئيس التنفيذي للشركة أمين الناصر أن الأسواق العالمية تخسر نحو 100 مليون برميل أسبوعياً طالما استمر الإغلاق الحالي للمضيق، وهو رقم يعكس حجم الضغط الهائل على منظومة الطاقة الدولية. وأشار أيضًا إلى أن الشركة تدرس رفع القدرة التصديرية لميناء ينبع إلى أكثر من 5 ملايين برميل يومياً، في خطوة تهدف لتعزيز المرونة اللوجستية وتقليل المخاطر المرتبطة بالخليج.
لكن رغم هذه الجهود، تدرك أسواق النفط أن قدرة المنتجين الخليجيين على التعويض ليست غير محدودة. فحتى السعودية، التي تمتلك أكبر طاقة إنتاجية احتياطية عالمياً، تواجه تحديات تتعلق بالنقل والشحن والتأمين والتوزيع. كما أن أي تصعيد عسكري واسع قد يرفع المخاطر الأمنية على البنية التحتية النفطية نفسها، وهو ما تخشاه الأسواق بشدة.
التعايش مع «الحرب الطويلة»
اللافت في تحركات السوق الأخيرة أن الأسعار لم تعد تقفز بعنف كما حدث في الأسابيع الأولى من الأزمة، رغم استمرار الحرب وتعطل الإمدادات. ويعود ذلك إلى أن الأسواق بدأت تدريجياً في بناء سيناريو جديد يقوم على فكرة «الحرب الطويلة منخفضة الحدة»، أي استمرار التوتر والاشتباكات المحدودة دون الوصول إلى مواجهة شاملة تؤدي إلى توقف كامل للإنتاج الخليجي.
هذا التحول ظهر بوضوح في تراجع الفارق الفوري لخام «برنت» من قرابة 10 دولارات الشهر الماضي إلى نحو 4 دولارات حالياً، ما يعكس تراجع بعض مظاهر الذعر قصيرة الأجل، حتى مع بقاء المخاطر الأساسية مرتفعة.
كما بدأت المصافي العالمية تقليص مشترياتها نسبياً بسبب ارتفاع الأسعار وضعف الطلب المتوقع، وهو ما حدّ جزئياً من تسارع الصعود. لكن ذلك لا يعني انتهاء الأزمة، بل يعكس فقط محاولة السوق التكيف مع واقع جديد تتداخل فيه الحرب والسياسة والطاقة والاقتصاد بصورة معقدة.
إعادة تموضع اقتصادي
الأزمة الحالية لا تفرض فقط تحديات على أسواق النفط، بل تدفع دول الخليج أيضًا إلى إعادة التفكير في استراتيجياتها الاقتصادية واللوجستية طويلة الأمد. فتعطل هرمز بهذه الصورة أعاد التأكيد على أهمية تنويع منافذ التصدير وتوسيع خطوط الأنابيب والموانئ البديلة، خصوصًا عبر البحر الأحمر وبحر العرب.
كما قد تدفع التطورات الحالية دول المنطقة إلى تسريع الاستثمارات في التخزين الاستراتيجي وشبكات النقل البديلة، إضافة إلى تعزيز الشراكات الآسيوية طويلة الأجل لضمان استقرار الطلب حتى خلال فترات الاضطراب السياسي.
ومن الناحية المالية، تستفيد الدول المصدرة للنفط من ارتفاع الأسعار على مستوى الإيرادات الحكومية، لكن المكاسب ليست مطلقة، لأن استمرار التوتر لفترة طويلة قد يضر بالنمو العالمي ويضعف الطلب لاحقًا. لذلك تبدو المعادلة الحالية معقدة للغاية؛ فارتفاع الأسعار يوفر دعمًا مالياً مؤقتاً، لكنه يحمل في الوقت نفسه مخاطر اقتصادية وجيوسياسية واسعة.
وفي المحصلة، لم تعد أزمة هرمز مجرد توتر عابر بين واشنطن وطهران، بل تحولت إلى اختبار عالمي لقدرة الاقتصاد الدولي على التكيف مع صدمات جيوسياسية مستمرة في قلب سوق الطاقة. وبينما تواصل الأسعار ارتفاعها وسط هشاشة المفاوضات، تبدو الأسواق وكأنها تدخل عصراً جديداً تُسعّر فيه «المخاطر الدائمة» بدل انتظار العودة السريعة إلى الاستقرار القديم.