النفط يكسر حاجز 71 دولاراً
واصلت أسعار النفط خسائرها للجلسة الثالثة على التوالي، في تطور يعكس تحولاً سريعاً في مزاج الأسواق العالمية، بعدما هبط خام برنت إلى ما دون مستوى 71 دولاراً للبرميل مسجلاً أدنى مستوياته منذ أواخر فبراير الماضي، بينما انخفض خام غرب تكساس الوسيط إلى ما دون 68 دولاراً للبرميل، وسط تراجع المخاوف بشأن تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، أحد أهم الشرايين الحيوية لتجارة النفط في العالم.
وجاء هذا التراجع بعد إعلان قطر إحراز تقدم في المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران التي استضافتها الدوحة، والتي ركزت بصورة أساسية على ضمان استمرار حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة تقارب خمس الإمدادات النفطية العالمية في الظروف الطبيعية.
ورغم أن المحادثات لم تصل إلى اتفاق سياسي شامل أو تسوية نهائية بين الطرفين، فإن مجرد استمرار الحوار وتسجيل تقدم في الملفات المرتبطة بالملاحة البحرية كان كافياً لتخفيف المخاوف التي سيطرت على الأسواق خلال الأسابيع الماضية، والتي دفعت أسعار النفط إلى الارتفاع نتيجة القلق من احتمال تعطل الصادرات النفطية القادمة من الخليج.
انحسار المخاطر الجيوسياسية
خلال الفترة الماضية، كانت الأسواق تضع ما يعرف بـ«علاوة المخاطر الجيوسياسية» على أسعار النفط، نتيجة التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران وما صاحبه من هجمات متبادلة أثارت مخاوف المستثمرين من احتمال إغلاق مضيق هرمز أو تعرض الناقلات التجارية لمزيد من الاستهداف.
لكن التطورات الأخيرة بددت جزءاً كبيراً من تلك المخاوف، بعدما أكدت الدوحة تحقيق تقدم إيجابي في المحادثات المتعلقة بالممرات البحرية، الأمر الذي انعكس مباشرة على تعاملات الأسواق، حيث بدأ المستثمرون في التخلص من جزء من رهاناتهم على ارتفاع الأسعار.
كما ساهمت المؤشرات التي تحدثت عن عودة حركة الملاحة تدريجياً إلى مستوياتها الطبيعية في تقليص احتمالات حدوث نقص مفاجئ في الإمدادات، وهو ما أدى إلى تراجع أسعار الخام بصورة متواصلة خلال الأيام الثلاثة الأخيرة.
أدنى مستويات منذ
أربعة أشهر
سجل خام برنت تراجعاً بنحو 1.54% ليصل إلى 70.47 دولاراً للبرميل، وهو أدنى مستوى له منذ 27 فبراير الماضي، بينما انخفض خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 1.72% ليستقر عند 67.40 دولاراً للبرميل.
وكان الخامان قد أنهيا جلسة التداول السابقة أيضاً على انخفاض تجاوز 1%، ما يعكس استمرار الضغوط البيعية في السوق، خصوصاً بعد أن بدأت المخاوف الأمنية تتراجع مقابل تنامي الحديث عن وفرة الإمدادات خلال الأشهر المقبلة.
ويرى متعاملون أن كسر حاجز 71 دولاراً لخام برنت يحمل دلالة نفسية مهمة للأسواق، إذ يشير إلى أن المستثمرين باتوا يمنحون الأولوية لعوامل العرض والطلب بدلاً من التطورات العسكرية التي هيمنت على حركة الأسعار خلال الفترة الماضية.
هرمز يعود إلى الواجهة
ظل مضيق هرمز خلال الأسابيع الماضية في قلب اهتمامات أسواق الطاقة، نظراً للدور الحيوي الذي يلعبه في نقل النفط من دول الخليج إلى الأسواق العالمية.
وبحسب مصادر مطلعة، ركزت المباحثات الأميركية الإيرانية التي استمرت يومين في الدوحة على ضمان استمرار الملاحة البحرية، إضافة إلى مناقشة ملفات أخرى من بينها رفع التجميد عن بعض الأصول الإيرانية.
ورغم استمرار التوتر السياسي بين الطرفين وعدم التوصل إلى اتفاق نهائي، فإن استئناف حركة الناقلات بصورة تدريجية أعاد قدراً من الطمأنينة للأسواق.
كما أشار نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إلى أن تدفق النفط عبر المضيق عاد إلى المستويات التي كان عليها قبل اندلاع الحرب، وهو ما عزز قناعة المستثمرين بأن خطر تعطل الإمدادات أصبح أقل حدة مقارنة بما كان متوقعاً في الأسابيع الماضية.
فائض المعروض يفرض نفسه
في الوقت الذي تتراجع فيه المخاطر الجيوسياسية، بدأت الأسواق تركز بصورة أكبر على أساسيات العرض والطلب، خاصة مع تزايد المؤشرات على دخول السوق مرحلة قد تشهد فائضاً في الإمدادات.
وأشارت شركة «هايتونج فيوتشرز» إلى أن استمرار تدفق النفط عبر مضيق هرمز واحتدام المنافسة بين المنتجين للحفاظ على حصصهم السوقية يدفعان الأسعار إلى مزيد من التراجع، في ظل توقعات بازدياد المعروض خلال الفترة المقبلة.
ويعني ذلك أن الأسواق لم تعد تخشى نقص الإمدادات بقدر ما بدأت تستعد لاحتمال وفرة الإنتاج، وهو تحول مهم في اتجاهات التداول قد يستمر إذا لم تظهر تطورات جيوسياسية جديدة تعيد القلق إلى المستثمرين.
أوبك بلس تحت المجهر
يزداد اهتمام الأسواق كذلك بالاجتماع المرتقب لتحالف «أوبك+»، المقرر عقده الأحد المقبل، وسط توقعات واسعة بأن يوافق التحالف على زيادة جديدة في مستويات الإنتاج اعتباراً من أغسطس المقبل.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن الزيادة المتوقعة قد تبلغ نحو 188 ألف برميل يومياً، في خطوة تستهدف تلبية الطلب العالمي والحفاظ على استقرار الأسواق، لكنها في الوقت نفسه قد تضيف مزيداً من الضغوط على الأسعار إذا جاءت متزامنة مع استمرار تعافي الإمدادات من مناطق أخرى.
ويرى محللون أن قرار زيادة الإنتاج سيؤكد استمرار التحالف في سياسة استعادة الطاقة الإنتاجية تدريجياً، خصوصاً بعد أن أثبتت الأسواق قدرتها على استيعاب كميات إضافية دون حدوث اضطرابات كبيرة في مستويات الأسعار.
كما أن زيادة الإنتاج ستعزز المنافسة بين كبار المنتجين في ظل سعي كل دولة إلى الحفاظ على حصتها في الأسواق العالمية، وهو ما قد يؤدي إلى استمرار الضغوط على الأسعار خلال النصف الثاني من العام.
المستفيدون والمتضررون
يشكل انخفاض أسعار النفط خبراً إيجابياً للدول المستوردة للطاقة، إذ يسهم في تقليص تكاليف الاستيراد وخفض الضغوط التضخمية، كما يمنح البنوك المركزية مساحة أكبر في إدارة السياسات النقدية إذا استمرت أسعار الطاقة عند مستويات منخفضة.
في المقابل، تمثل الأسعار الحالية تحدياً للدول المصدرة التي تعتمد بصورة كبيرة على الإيرادات النفطية في تمويل موازناتها العامة، خصوصاً إذا استمر التراجع لفترة طويلة أو اتسعت فجوة المعروض مقارنة بالطلب.
كما تراقب شركات النفط العالمية تطورات الأسعار عن كثب، إذ إن استمرار الهبوط قد يدفع بعضها إلى إعادة تقييم خطط الاستثمار في مشاريع الإنتاج الجديدة، خاصة تلك ذات التكاليف المرتفعة.